منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (10) مدرسة التاريخ

مدارس الحياة المتعددة (10) مدرسة التاريخ بقلم الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (10)
مدرسة التاريخ
بقلم الدكتور إدريس أوهلال

دعونا أولا نتساءل: ما التاريخ؟ قبل الحديث عن مدرسته.

التاريخ هو “قصة تعلّم الإنسانية” وسجل للمشاكل التي تم حلها والتحديات التي يتم التغلب عليها.. هو ذاكرة العالم، التي تختزن مجموع الأحداث التي نفتخر بها والأحداث التي كان بالإمكان تجنبها.. ذاكرة قوية لتجارب النجاح والفشل لمن أراد أن يتذكر.

والتاريخ ليس ذاكرة فقط، بل هو الحاضر أيضا.. الحاضر الكبير الذي يوجد في كل مكان وفي كل شيء؛ في الهندسة العمرانية وتنظيم المدينة واللغة واللباس والعادات والقانون والفقه… في كل شيء.. فالفقه مثلا بعضه فتاوى محكومة بظروف تاريخية وبعضه عادات المجتمعات الشرقية والباقي فقه.. إن قراءة التاريخ الاجتماعي للفقه تجعلنا نُميز بدقة ووضوح بين الفقه وتاريخه.. بين القوانين الكونية وقوانين قبيلتنا.. في كل شيء يوجد ثقل تاريخي في حالة استصحاب، وإذا أردت أن تفهم حقيقة أي شيء فاقرأ تاريخه.

وللعالم تواريخ لا تاريخ واحد: تاريخ الأشخاص وتاريخ الأحداث وتاريخ الأفكار، التاريخ الرسمي والتاريخ غير الرسمي، التاريخ المُزَوّر والتاريخ الحقيقي… تواريخ لكل منها خصوصية؛ فتاريخ الشعوب مثلا هو تاريخ نضالها ضد الاستبداد أو خضوعها له، وتاريخ الدول هو تاريخ تلك الجماعة البشرية المجهولة التي تحتكر كل شيء تقريباً وتضع في الواجهة من يوجه الأنظار بعيداً عنها، وتاريخ التجارة هو تاريخ التواصل بين الدول والشعوب، وتاريخ الصناعة هو تاريخ تجلي القدرات البشرية.

هذا هو التاريخ، فما مدرسته؟

التاريخ أقسى معلم، خاصة مع الذين يعيشون خارجه وعلى هامشه! من لا وعي له بالتاريخ يعيش مفعولاً به لا فاعلاً، ومن لا يعرف التاريخ ودروسه محكوم عليه أن يكرر أخطاءه في عود أبدي، والجيل الذي يجهل التاريخ لا ماضي له ولا مستقبل.

وقراءة التاريخ ونقده هي أفضل وسيلة للتحرر من ثقل الماضي والاستفادة من دروس الخمسة آلاف سنة الأخيرة.. الوعي بالتاريخ ونقده شرط لبناء المستقبل، فلا مستقبل لأمة تدافع عن تاريخها بشكل غير مشروط ولا تميز بين الأشخاص والأنظمة المعرفية والاجتماعية والسياسية التي أنتجها الأشخاص.. لا تُمَيّز مثلا بين الدفاع عن رجال أفاضل والدفاع عن نظام استبدادي عاش في ظله هؤلاء الرجال!
إن من يقرأ التاريخ ودروسه يتعلم مرتين: من نجاحات الناجحين ومن فشل الفاشلين، ودروس الفشل أبلغ معنى وأعمق أثراً من دروس النجاح.. النجاح مُعَلّم سيء.!

وللتاريخ دور آخر، ينضاف إلى دور المُعَلِّم، هو دور البَنَّاء، فهو يبني الوجود الإنساني ويُشَكِّله؛ فالوجود الإنساني له أبعاد متعددة: سياسي، اقتصادي، اجتماعي، تاريخي… وكل بعد يفترض وعياً خاصاً، وهذا الوعي هو وسيلة الفرد والجماعة والأمة لبناء البعد المقابل له.
وتوجد عقبات كثيرة تمنع من الانخراط الواعي والفعّال في مدرسة التاريخ، أهمهما تحويل التاريخ إلى أسطورة، وأشكال الوعي الأخرى التي تُولّد الإحساس بالاكتفاء وعدم الحاجة إلى وعي أشمل وأعمق.

أول العقبات تحويل التاريخ إلى أسطورة؛ فالمشاعر الجيّاشة والآمال الساذجة تُفَرِّغ التاريخ من عُمقه ووظيفته وتُحوّله إلى مجرد أسطورة. إن الارتباط العاطفي بالتاريخ يحرمنا من استلهام دروسه ويمنعنا من بناء علاقة عقلانية أو عملية معه، ويترتب عن هذا الارتباط العاطفي تحويل التاريخ إلى أسطورة. يحتاج بناء الوعي التاريخي إلى اليقظة والتسلح بالعقل الناقد والفعّالية، لا إلى العاطفة المُجَنّحة. ويعزز الماكرون هذا التعلّق العاطفي بالتاريخ بطرق ذكية كالسينما والأدب والفن لمنع انبثاق الوعي التاريخي.

أما ثاني العقبات فهي أشكال الوعي الأخرى التي تُولّد الإحساس بالاكتفاء وعدم الحاجة إلى وعي أشمل وأعمق، وخاصة الوعي السياسي والوعي الاجتماعي. كُن طموحاً ولا ترض بأقل من الوعي التاريخي.

من بين كل تمارين الوعي (الوعي السياسي، الوعي الاجتماعي، الوعي الاقتصادي، الوعي البيئي، الوعي التنظيمي…)، يعتبر الوعي التاريخي هو أكثر التمارين فائدة وفعالية خاصة لأصحاب المشاريع الكبيرة والعابرة للأجيال، والبديل عنه هو أشكال الوعي الأخرى، وهي على أهميتها أقل مرتبة وشمولية وفعالية من الوعي التاريخي.. فالوعي السياسي مثلا أقل فعالية من الوعي التاريخي لأن السياسة تتقبل الفشل، لكن التاريخ لا يتسامح معه.

إن التاريخ مدرسة كبرى لمن أراد أن يتعلّم، لكن على الرغم من هذا التعليم الكبير سيكون هناك دائمًا أغبياء في مكان ما لإعادة إنتاج نفس الأخطاء ونفس تجارب الفشل!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.