منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (12) مدرسة المشاعر

مدارس الحياة المتعددة (12) مدرسة المشاعر/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (12) مدرسة المشاعر

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

ليس عيباً أن تتقن اللعبة وتدخل روضة الأطفال ومدن الأحزان، ولكن العيب أن تَعْلَق فيها وألا تتعلّم من التجربة.. من الخير ألا يكون لدينا عيوب لكن من الشر ألا تكون لنا تجارب! بعض الناس لا تجارب لهم كالسفينة الآمنة على الشاطئ، والبعض الآخر أصحاب تجارب فقط دون تعلّم كالأجرام التائهة في الفضاء، فأين من يعيش التجربة ويتأملها ويتعلم منها ويُطَوّر أداءه؟

ليس عيباً أن تعيش مشاعر المحبة بكل صدق فبدونها نفقد جزءاً مهماً من إنسانيتنا، ولكن العيب ألا تعرف كيف تتحكم في مشاعرك وتضعها جانباً عندما يحين وقت اتخاذ قرار أو حل مشكلة!

ليس العيب أن تُرَبِّيَ على المحبة، ولكن العيب هو أن تُرَبِّيَ على المحبة فقط ولا شيء غير المحبة، وألا تربي على شراء العبد والعصا معه! المشاعر وحدها مستشار سيء، وطفل طائش لا يراعي المصالح!

أما بعد، إن الحياة بطبيعتها معقدة ولا يمكن للقلب، الطيب بطبعه، أن يقود معاركها بمفرده. القلب يجعلك غير قادر على رؤية الحل الذي أمام عينيك، وفي عالم تحكمه المصالح الأنانية نحتاج إلى الحفاظ على إنسانيتنا بكل تأكيد، لكن دون التمذهب للطيبة القاتلة؛ التمذهب للطيبة والمحبة مجرد غباء لا أكثر.. نعم للمحبة لكن لا للتمذهب للمحبة!

من بين كل العوالم الذاتية في الإنسان، وما أكثرها، يعتبر عالم الوجدان أكثرها سحراً وقهراً بمخلوقاته الخطيرة (الانفعالات والعواطف والمشاعر) وتحدياته العظيمة التي تفشل أقوى الشخصيات وأنضجها في الكثير من الأحيان عن مواجهتها.

المشاعر بطبيعتها ساحرة، فإذا أضفنا إلى طبيعتها النفسية التكتيكات الاجتماعية التي يلجأ إليها الناس (الاستخدام السحري للغة مثلا) عند التعبير عن مشاعرهم تضاعف مفعول السحر.. كلمات ليست كالكلمات!

مقاتل شجاع ومبادر وفعّال وسريع ودقيق متى أُحسنت تربيته، أو متخاذل ومستسلم ومهادن ومتكاسل ومسالم وجبان متى أسيئت أو أهملت تربيته.

العواطف والمشاعر هي ردود فعل فيزيولوجية أو نفسية تجاه مثير خارجي، تدفع في اتجاه تحطيم هذا المثير الخارجي أو الابتعاد عنه أو تجاوزه أو تعويضه أو التوقف برهة لاستكشافه أو الحصول عليه مجدداً أو المحافظة عليه أو السعي إلى المزيد منه.

تحتل العواطف والمشاعر مكانة مهمة بل خطيرة في حياتنا، فهي تقع في نقطة تقاطع الذات من جهة والآخر والعالم والعمل من جهة أخرى؛ إنها تجارب ذاتية أمام مثيرات الآخر والعالم ومتطلبات الفهم والإرادة. إنها عامل النجاح والفشل الأول.

لكن ما الفرق بين العواطف والمشاعر؟

العواطف تجارب ذاتية تنطوي على الإثارة الفيسيولوجية والتقييم المعرفي؛ فهي ردود فعل داخلية (فيزيولوجية) بمظاهر خارجية (جسدية) أمام حدث خارجي، وهي لا تدوم لأكثر من بضع دقائق، ووظيفتها إعادة التوازن للجسد بعد تفريغ شحنته العاطفية، ولا يصح الحكم عليها بالإيجاب أو السلب لأنها محايدة. أما المشاعر فهي بناء واعي للذهن، ومن طبيعة نفسية لا فيزيولوجية، وهي نوعان: مشاعر إيجابية ومشاعر سلبية.
الشخصيات القوية تملك القدرة الذاتية على بناء المشاعر الإيجابية وعلى تقاسمها مع الآخرين وعلى تجاوز المشاعر السلبية بسرعة، والشخصيات الضعيفة تقضي فترات طويلة لتجاوز مشاعرها السلبية. ولأهمية وخطورة العواطف والمشاعر والحاجة إلى فهمهما والتحكم فيهما اخترع العلم البشري والخبرة الإنسانية “الذكاء العاطفي” و “التربية العاطفية”.

حاجتنا الأولى إذن هو الذكاء العاطفي، وهو فن وعلم إدارة المشاعر. مهاراته عشرة: أفهم مشاعري، وأفهم مشاعر الآخر، وأعبر بشكل مناسب عن مشاعري، وأعزز التعبير عن المشاعر عند الآخر، وأتحكم في مشاعري، وأتحكم بقصد إيجابي في مشاعر الآخر، والتحفيز الذاتي، وتحفيز الآخر، وتقدير الذات، وتقدير الآخر. ولكي نطور ذكاءنا العاطفي نحتاج إلى تطوير قدرتنا على ملاحظة حركة الانفعالات الداخلية في الذات وعند الآخر، مع تعبيراتها الخارجية في لغة الجسد والخطاب والمواقف.

وحاجتنا الثانية هي التربية العاطفية، وهدف هذه التربية هو تطوير الذكاء العاطفي. توجد حاجة ملحة لتربية الناس على التعرف على مشاعرهم، وعلى مشاعر اﻵخرين، والتعبير المناسب عنها، والتحكم فيها، والثقة بالذات، وتقدير الذات واﻵخر. التربية العاطفية تربينا على رجولة محاولة الفهم بدل فسولة السخرية أو التعاطف الغبي، وتربينا على الانضباط وإعداد الفعل بدل الانخراط الغبي في ردود اﻷفعال.

إن الذكاء العاطفي يمنحنا وعيا يذكرنا في كل موقف بألا “نشتر العبد إلا والعصا معه”؛ فالعاطفة المجنحة دون نضج عاطفي خبال يعطي النشوة المخدرة لكنه لا يعطي الفعالية والنجاعة.. تم إن الذكاء العاطفي يمنحنا القدرة على تحقيق أهدافنا دون مواجهة.

إن كنت من سكان اﻷجمة يمنحك الذكاء العاطفي إحساسا بأنك محروم من القيم السامية لهذا الكون مثل المحبة والعطاء، وإن كنت من سكان المدينة الفاضلة يمنحك الذكاء العاطفي وعيا بخطورة السياقة بسرعة عالية دون تحكم.. إن الذكاء العاطفي يعطيك توازنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.