منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (13) مدرسة اليُتْم

مدارس الحياة المتعددة (13) مدرسة اليُتْم/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (13)

مدرسة اليُتْم

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

اليُتْم مدرسة خرّجت الكثير من العظماء الذين خلَّد التاريخ أسماءهم وغيّروا وجه التاريخ ومساره، وعلى رأسهم النبي محمد صلى الله عليه وسلم.. أغلب الذين غيّروا مسار التاريخ كانوا أيتاما، وأفضل المُجَنّدين عبر التاريخ كانوا أيتاماً: كونفوشيوس والمتنبي والإمام البخاري والإمام الغزالي والإمام الشافعي وطارق بن زياد وعبد الرحمن الداخل ودافنشي وجنكيز خان وستالين وهتلر وغاندي ونيلسون مانديلا وعبد الحليم حافظ وستيف جوبز… اليُتْم مدرسة، وإذا أردت أن تصنع قادة فجنّد يتامى كما يفعل صنّاع الألعاب، فهم أفضل المُجَنَّدين دائما، في الخير كما في الشر!

يجد اليتيم نفسه وحيداً يواجه ضغوطات الحياة وتحدياتها (الحرمان المادي أو العاطفي، الظروف والمواقف الصعبة…)، وقد لا يجد نفسه وحيداً دون أب أو أم فقط، بل قد يجد نفسه هو الأب والأم والأخ والأخت وكل الأهل لإخوته الأصغر سناً.. إنها مدرسة المسؤولية تهبها الحياة لليتيم مجانا وفي سن مبكرة وعلى طبق من ذهب!

عندما تعيش يتيمًا، تتكفّل الحياة بتعليمك أشياء مختلفة عن غيرك من الصغار:

– تُعلِّمك البطولة؛ لأنّ أوّل شيء تدركه هو أنّك مختلف عن غيرك.

– تُعلِّمك المسؤولية؛ مسؤولية نفسك دائما، ومسؤولية غيرك أحيانا.

– تُعلِّمك الاستقلالية والاعتماد على النفس، فاليتيم يقطع حبله السُّرّي بنفسه!

– تُعلِّمك المواجهة؛ مواجهة العالم وألعابه والحياة ومعاركها في سن مبكرة.

من خُلِق يتيماً فلا عجب أن تُوجِد له الأقدار دائما من كل ما حوله مادة تحدٍ تشحذ سيفه وتصقل شخصيته لتجعل منه مُفرَداً بلا نظير.. في اللغة نقول بيتٌ من الشعر يتيمُ أي مُفرَدٌ لا نظير له، ويتيم زمانه أي متفوِّق في نوعه أو متفوِّق على أقرانه، واليَتِيمَةُ من الدُّرر ونحوها هي الثمينةُ التي لا نظير لها. في كل هذه المعاني اللغوية توجد دلالة واحدة مشتركة هي: التفرّد والتفوق.. لا ماضي له ولا أول له، ورغم ذلك يتفرّد ويتفوق.. لَحْنٌ بِنُوتَةٍ واحدة فقط!

ليس اليتيم إذن من فقد أحد والديه أو كليهما، وإنما اليتيم من فقد نفسه، أو فقد الأمل، أو كان يتيم الوعي والإرادة، أو يتيم العلم والأدب، أو يتيم الزمن! وعندما تأتي بك الأقدار إلى هذا العالم يتيماً فأنت محظوظ، فكل إنسان إنما يكافح من أجل أن يصبح “يتيماً” ويترك “اليتامى” الآخرين وراءه!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.