منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (14) مدرسة الصمت

مدارس الحياة المتعددة (14) مدرسة الصمت/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (14) مدرسة الصمت

بقلم: الدكتور إدريس أوهلال

الصمت لغة فأين من يفك شفرتها، وموسيقى فأين من يعزف نوتتها، وحكمة فأين من يقدّر روعتها؟

الصمت حكمة بل أعلى درجات الحكمة شريطة أن يكون في الوقت المناسب ومع الشخص المناسب وفي الحالة المناسبة.

ومع كونه حكمة في المواقف التي يكون فيها مطلباً، تُعلّمنا تجارب الحياة مع مرور الزمن والتقدم في السن فَنَّ الصَّمْت، حين يصبح هو الحدود القصوى للغتنا والنهاية القصوى لوعينا والغاية السامية لحكمتنا، وحين تنسحب قلوبنا في صمت عندما تتعب من العبث! لكن ما كل من يتقدم في العُمُر ينضج في التجربة والخبرة والحكمة.. بعض الأشخاص ميؤوس منهم فلا يدخلون مدرسة الصمت أبداً حتى وإن صمتوا لأن الصمت نوعان: سلاح الحكيم وقيلولة الثرثار الذي يختم ضجيج سردياته دائما بعبارة: “خليني ساكتة أحسن”!

بعض معارك الحياة لا نستطيع كسبها والانتصار فيها إلا بالصمت؛ فالصمت هو سلاحنا السري في مشاريعنا الكبرى، وتكتيكنا الذكي لمنع خصومنا من معرفة ماذا نفعل، وأسلوبنا الهادئ في المقاومة، وطريقنا الملكي إلى السلام، ووسيلتنا الفعّالة في التعلّم، وحُجّتنا الوحيدة التي يصعب دحضها، وصديقنا الوفي الذي لا يخون أبداً، وملاذنا الآمن في لحظات الغضب، ووسيلتنا الفعّالة لإزعاج الشيطان!

لكن للصمت سلبيات يجب إدارتها بذكاء؛ فالصمت أحيانا يكون ثقيلا على صاحبه بوزن الدموع، كما قد يكون ثقيلا على الغير أيضاً بوزن العنف فهو وسيلة خطيرة للانتقام باعتباره أسوأ أشكال العنف عندما لا يستخدم في الوقت المناسب أو مع الشخص المناسب أو في الحالة المناسبة.. انتقم من ضجيج الحياة بالصمت، لكن تعلّم أحيانا كيف تنتقم من صمتك بالكلام لإزالة دهشة أو رفع سوء فهم أو تنوير رأي عام أو توضيح موقف.. فمن يتسول في صمت يموت جوعاً في صمت!

الخلاصة، تعلّم فن الصمت لكن لا تتمذهب للصمت، اِنسحب في صمت لكن لا تنسحب للصمت!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.