منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مدارس الحياة المتعددة (6) مدرسة المرض

مدارس الحياة المتعددة (6) مدرسة المرض/ الدكتور إدريس أوهلال

0

مدارس الحياة المتعددة (6)

مدرسة المرض

بقلم : الدكتور إدريس أوهلال

ليست الصحة هي الخلو من الأمراض، فهذه أعراض الصحة فقط، أما الصحة في الجوهر فهي الخلو من الاختلال الوظيفي لتوازننا الحيوي، ذلك التوازن العجيب الذي يمنحنا كل تلك المتعة التي نجدها رغم التعب عندما نقوم بواجباتنا وأعمالنا بكل محبة.

المرض إذن هو اختلال وظيفي في توازننا الحيوي، الهش بطبيعته، تتسبب فيه عاداتنا السيئة التي يرعاها ويحافظ عليها نظام التفاهة العالمي المُدَمِّر للصحة والمُلَوِّث للبيئة.. والصحة توازن حيوي، هش أيضاً، يحتاج إلى يقظة من يراقبه وإرادة من يحافظ عليه ويطلبه باستمرار في عود أبدي مفزع وغامض.. كل توازن هو توازن هش يمكن أن يسقط في أي لحظة!

هذا هو المرض، أما مدرسته ففيها نكتشف أحد أعظم النعم في الوجود (الصحة)، ومعها نتعلم أحد أكبر الأسرار في الكون والحياة (التوازن الحيوي الهش).

المرض مدرسة لأن الروح تصح عندما يمرض الجسد.. إنه إدارة للتغيير بنمط الأزمة عندما تفشل كل الأنماط الأخرى في تحقيق التغيير المطلوب!
ودروس المرض كثيرة أهمها ثلاث: درس الألم، ودرس المرض، ودرس الصحة بعد المرض، وهذه هي الدروس.

درس الألم:

المرض مدرسة، لكن المرض مع الألم مدرسة عليا بمعدلات التحاق مرتفعة وتعليم متخصص ودقيق وصارم. الألم مدرسة للتغيير القيصري لبعض عاداتنا وقواعد عيشنا السيئة. عندما لا تنفع الحكمة العادية في إقناعنا بتغيير ما يجب تغييره في حياتنا يصبح “نمط الأزمة” هو الحل الأخير والفعّال.. هذا هو الألم! إنذار شديد اللهجة من الطبيعة والفطرة للإنسان. ونتيجته، لمن كُتِبت له حياة جديدة، غالبا مُبهجة لأن من يصل إلى حافة الموت ويعيش لفترة على حدوده ثم يُكتب له الرجوع غالبا يتعلم فن الحياة من جديد.. إن حياةً جديدةً للروح والجسد تولد غالبا من الألم.

درس المرض:

ما أجمل المرض من غير ألم! استراحة للمحاربين من معارك الحياة المتعددة ومن أنماطها وقواعدها وروتينها وركضها، وفرصة للوقوف والتأمل لرؤية الأشياء كل الأشياء في حجمها الطبيعي.. لكن هَوَس الرّكض في الحياة يجعلنا نرى الأشياء غالبا بشكل أكبر من حجمها الحقيقي.. وننسى أن الحياة سيمفونية جميلة مُركّبة بتوازن عجيب من نوتات المدّ والجَزْر.. المدّ نحو الحياة كل حين لنعيشها ونستمتع بها ونكافح في معاركها المتعددة، والانسحاب منها بين الحين والحين لنتأملها ونُقَيّم تجاربنا فيها ونرتاح قليلا من معاركها.. سيمفونية عجيبة هي الحياة تُعزف بين مدّ الانخراط في السوق لجلب الثروة، ومدّ العيش مع العائلة والأصدقاء لجلب المتعة، وجَزْر الدخول في عُزْلَة المرض لجلب الراحة والحكمة.. بعد الشفاء يصبح كل مريض حكيماً !

درس الصحة بعد المرض:

ما أجمل استعادة صحتنا وتوازننا الحيوي بعد رحيل الألم ومغادرة المرض.. يجب أن ننسى الألم والمرض على الرغم من فضائلهما، فالحياة بكاملها هي في النهاية نهر متدفق من النسيان، نحتفظ منها في كل محطة من محطاتها بالدروس فقط وننسى الماضي وأحداثه ونتوجه للمستقبل وآفاقه لاستعادة حلاوة الإنجاز عند استئناف القيام بأعمالنا ومتعة إبراء الذمة عند مواصلة القيام بواجباتنا. سننسى الألم والمرض بكل تأكيد، وسنمضي قدما من جديد في معارك الحياة المتعددة، لكن سنتذكر هذه التجربة بيقظة وسنستصحب دروسها بوعي، وأول دروسها: الصحة أعظم نعمة وأعزّ مورد.

نعم الصحة أعظم النعم لكننا نتمادى في الأمل، وحتى المرض نعمة خاصة إذا كان من غير ألم.. راحة للمُرْهَقين والمُتْعَبين، بل ما أجمله حتى مع الألم! فلولا المرض لافترست الصحة أجمل نوازع الرحمة في الانسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.