منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بيع المرابحة للآمر بالشراء، وتطبيقاته في البنوك التشاركية بالمغرب.

الدكتور أحمد الإدريـــسي

0

 

بيع الرابحة جائز في المذاهب الأربعة، بشروط خاصة[1]. فهي تدخل ضمن العقود المباحة.  ومما يدل على صحتها؛ ما ثبت بالنصوص العامة والقاعدة الكليَّة، يقول الإمام الشافعي رحمه الله: (وإذا أرى الرجلُ الرجلَ السلعة، فقال: اشتر هذه وأربحك فيها كذا. فاشتراها الرجل: فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها: بالخيار، إن شاء أحدث فيها بيعا، وإن شاء تركه. وهكذا إن قال: اشتر لي متاعا – ووصفه له – أو: “متاعا أيَّ متاع شئت”، وأنا أربحك فيه: فكل هذا سواء، يجوز البيع الأول، ويكون هذا فيما أعطى من نفسه بالخيار. وسواء في هذا ما وصفت إن كان قال: أبتاعه وأشتريه منك بنقد أو دين: يجوز البيع الأول، ويكونان بالخيار في البيع الآخر، فإن جدداه جاز)[2].

وقد اجتهد الفقهاء المعاصرون والمتخصّصون في الاقتصاد الإسلامي لتطوير بيع المرابحة لمقابلة احتياجات توظيف الأموال في البنوك الإسلامية، ويتضمن هذا النوع من التعامل وعدا من العميل بشراء السلعة حسب الشروط المتفق عليها، ووعداً آخر من المصرف بإتمام هذا البيع بالشروط المتفق عليها. هذا العقد هو ما يسمى ب” بيع المرابحة للآمر بالشراء”.

أولا: ضوابط بيع المرابحة للآمر بالشراء؛

1- تعريف بيع المرابحة للآمر بالشراء:

المزيد من المشاركات
1 من 7

هو أن يطلب شخص من آخر أن يشتري له شيئا عينه له، ليأخذه منه بثمن مؤجل، مع زيادة معلومة. فـبيع المرابحة للآمر بالشراء يتضمن: بيعا بالمرابحة ووعدا بالشراء.

والفرق بينه وبين بيع المرابحة أن بضاعة المرابحة مملوكة للبائع حال البيع. أما في ـبيع المرابحة للأمر بالشراء فالبضاعة لا تُمتلك إلا بعد الأمر بشرائها.

وقد أجاز كثير من الفقهاء المعاصرين بيع المرابحة للآمر بالشراء، وعلى رأسهم الدكتور يوسف القرضاوي[3]. فحددوا له شروطا وضوابط لتطبيقه وتنزيله.

2- ضوابط بيع المرابحة للآمر بالشراء؛

* تحديد مواصفات السلعة وزناً أو عداً أو كيلاً أو وصفاً تحديداً نافياً للجهالة.

* أن يكون العقد الأول صحيحاً.

* أن يعلم المشتري الثاني بثمن السلعة الأول الذي اشتراها به البائع.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 22

* أن يكون الربح معلوماً لأنه بعض الثمن سواء كان مبلغا محدداً أو نسبة من ثمن السلعة المعلوم.

* ألا يكون الثمن في العقد الأول مقابلاً بجنسه من أموال الربا.

* أن يتفق الطرفان على باقي شروط المواعدة من زمان ومكان وكيفية التسليم.

ثانيا: صيغ التمويل والاستثمار في البنوك التشاركية، ومجالات تطبيقها.

1- أهم صيغ التمويل والاستثمار في البنوك التشاركية:

صيغ التمويل والاستثمار في البنوك التشاركية المرخص لها إلى حدود يوليوز 2017 هي:

* بيع المرابحة.

* المشاركة في تمويل التجارة أو تمويل التشغيل.

* الإجارة (العقار والسيارات والتجهيزات).

* المضاربة: عند تمويل المشاريع.

* بيع السلم.

* الاستصناع: لإنتاج السلع وبناء السكن.

والمعمول به لحد الآن بشكل فعلي هو بيع المرابحة، وسيخرج في المستقبل القريب، لحيز الوجود “عقد السلم[4].

2- مجالات تطبيق بيع المرابحة للآمر بالشراء:

– الاستعمال الشخصي مثل شراء سيارة أو بيت أو الأجهزة والأثاثات المنزلية.

– القطاع الحرفي: عن طريق شراء الآلات والمعدات اللازمة للورش.

– القطاع المهني: عن طريق شراء الأجهزة الطبية للأطباء ومستلزمات المهن الأخرى.

– القطاع التجاري: عن طريق شراء البضائع سواء من الداخل أو الخارج.

– القطاع الصناعي: عن طريق شراء المعدات الصناعية الضخمة.

– القطاع الإنشائي: عن طريق شراء معدات البناء.

– القطاع الزراعي: عن طريق شراء آلات الزراعية الحديثة.

لكن البنوك التشاركية بالمغرب ما زالت –لحد كتابة هذه السطور- مقتصرة على الاستعمال الشخصي مثل شراء سيارة أو بيت أو عقار أو بعض الأجهزة.

ثالثا: بيع المرابحة للآمر بالشراء في البنوك التشاركية.

1- صورة بيع المرابحة للآمر بالشراء:

صورته أن يتقدم الزبون إلى البنك طالباً منه شراء سلعة معينة بالمواصفات التي يحددها على أساس الوعد بشراء تلك السلعة اللازمة له فعلاً مرابحة بالنسبة التي يتفق عليها ويدفع الثمن مقسطاً حسب إمكاناته، على أن يدعم هذا الطلب بالمستندات اللازمة، ومنها على سبيل المثال عرض أسعار للسلعة موضوع المرابحة، ويقوم البنك بعد ذلك بالإجراءات اللازمة للحصول على السلعة المتفق عليها ودفع قيمتها، وبعد وصول البضاعة يُخبر العميل لإتمام إجراءات البيع.

وقد اعترض البعض على هذه المعاملة من باب أنها تدخل في بيع ما لا يملك أو بيع ما ليس عند البائع، وهو ما يسمى أيضا البيع المعدوم وهو وبيع منهي عنه، والمصرف الإسلامي هنا يبيع للعميل ما لا يملكه من السلع الذي يطلب منه شراؤها من الداخل أو استيرادها من الخارج، وبعضهم عبر عنه بقوله البيع قبل الشراء أي بيع السلعة قبل شرائها.

لكن أغلب العلماء ومنهم المشاركون في مؤتمر المصرف الإسلامي في دبي ومؤتمر المصرف الإسلامي الثاني في الكويت على الجواز، حيث أجازوا للبنك الإسلامي البيع للآمر بالشراء إذا تملك السلعة بالفعل، وما يجرى بين المصرف وطالب الشراء قبل ذلك إنما هو مواعدة بينهما وليس بيعاً وشراءً، وجاء في نص فتوى مؤتمر الكويت ما يلي: “يقرر المؤتمر أن المواعدة على بيع المرابحة للآمر بالشراء بعد تملك السلعة المشتراة وحيازتها ثم بيعها لمن أمر بشرائها بالربح المذكور في الموعد السابق، هو أمر جائز شرعياً طالما كانت تقع على المصرف مسئولية الهلاك قبل التسليم وتبعه الرد فيما يستوجب الرد بعيب خفي”.

2- خلاصة طريقة التمويل: مثال: شراء سيارة.

* تختار سيارتك من أي وكيل في المغرب.

* تقدم طلبا للتمويل في أقرب وكالة بنك تشاركي، مع الإدلاء بالوثائق المطلوبة.

* بعد الموافقة على الملف، تؤدي هامش الجدية.

* يقوم البنك التشاركي بشراء السيارة وتملكها، ويدفع ثمنها للوكيل.

* يقوم البنك ببيع السيارة لك بسعر الشراء يضاف إليه هامش الربح المتفق عليه، ومصاريف التسجيل.

* تنتقل السيارة إلى ملكيتك؛ “الزبون المشتري”.

* تقوم باستلام السيارة من الوكيل وتسدد الأقساط للبنك التشاركي في المواعيد المحددة.

خــاتـمة:

أود في الختام التأكيد على أمور مهمة، وهي:

* على البنوك التشاركية تفعيل وظيفة المدقق الشرعي الداخلي الذي يتأكد من تطبيق الخطوات كاملة.

* يجب على الرقابة الشرعية للبنوك التشاركية أن تتأكد من العمليات التي تتم، وتنظر في ملفات كل عملية، لترى الخطوات التي تمت سليمة أم لا، فإذا وجد الخطأ يصلح من البداية.

* لتجنب أخطاء التطبيق على البنوك التشاركية أن تضع خطوات عملية مفصلة لكل معاملة حتى تكون ميسرة على الموظف فيتجنب الأخطاء.

* من حق الزبون أن يطلع على الوثائق التي سيوقعها، وأن يتعرف على تفاصيل كل عمليات هذا العقد.

والحمد لله رب العالمين.


[1] – الإمام الجزيري، عبد الرحمان بن محمد عَوض، الفقه على المذاهب الأربعة، ص: 562-564.

[2]– الإمام الشافعي، أبو عبد الله محمد بن إدريس، كتاب الأم، خرّج أحاديثه وعلّق عليه محمود مطرجي، (دار الكتب العلمية في لبنان، الطبعة الأولى 1413هـ). ج: 3 / ص: 39. والموطـأ، كتاب البيوع، باب: بيع المرابحة. الصفحة: 412-413.

[3] – يُـنظر: د. القرضاوي، “ببيع المرابحة للأمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية”. (مكبة وهبة، طبعة: 1415ه-1995م). الصفحة: 102 وما بعدها.

[4] – صرح بعض الاقتصاديين المغاربة أن عقد السلم سيخرج لحيز الوجود، في المستقبل القريب. لكنه ما زال على الأبواب، وهو عقد مهم في نظرنا، حيث سيمكّـن المقاولات التجارية من قبض الثمن قبل تسليمها السلع بأجل محدود متفق عليه. وهذا العقد سيعطي متنفسا للمقاولات لإنجاح مخططاتها التجارية، وسيؤثر إيجابيا على التشغيل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.