منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2) مراحل وأحداث “صلب” المسيح عليه السلام حسب الاعتقاد المسيحي.

(2) مراحل وأحداث "صلب" المسيح عليه السلام حسب الاعتقاد المسيحي/ د. مصطفى العلام

0

(2) مراحل وأحداث “صلب” المسيح عليه السلام

حسب الاعتقاد المسيحي

د. مصطفى العلام

ويمكن أن نحصر الأحداث كاملة لحادثة صلب المسيح عليه السلام كما هي في الاعتقاد المسيحي حسب المراحل التالية :

-العشاء الأخير[1]: أو العشاء الرباني ويطلق عليه لفظ القربان المقدس ، فهو يرمز إلى «مشاركة المسيح تلاميذه في الطعام الأخير فهو عبارة عن دعاء وعبادة جماعية، يشتمل على قليل من الخبز الذي يشير إلى جسد المسيح، وعلى قليل من الخمر الذي يشير إلى دمه المسفوك»  [2].

المزيد من المشاركات
1 من 38

يقول مرقس ” وَفِي الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنَ الْفَطِيرِ. حِينَ كَانُوا يَذْبَحُونَ الْفِصْحَ، قَالَ لَهُ تَلاَمِيذُهُ: «أَيْنَ تُرِيدُ أَنْ نَمْضِيَ وَنُعِدَّ لِتَأْكُلَ الْفِصْحَ؟» فَأَرْسَلَ اثْنَيْنِ مِنْ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمَا: «اذْهَبَا إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيُلاَقِيَكُمَا إِنْسَانٌ حَامِلٌ جَرَّةَ مَاءٍ. اِتْبَعَاهُ. وَحَيْثُمَا يَدْخُلْ فَقُولاَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: إِنَّ الْمُعَلِّمَ يَقُولُ: أَيْنَ الْمَنْزِلُ حَيْثُ آكُلُ الْفِصْحَ مَعَ تَلاَمِيذِي؟ فَهُوَ يُرِيكُمَا عِلِّيَّةً كَبِيرَةً مَفْرُوشَةً مُعَدَّةً. هُنَاكَ أَعِدَّا لَنَا»……. ، وَفِيمَا هُمْ مُتَّكِئُونَ يَأْكُلُونَ، قَالَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِدًا مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي. اَلآكِلُ مَعِي!» فَابْتَدَأُوا يَحْزَنُونَ، وَيَقُولُونَ لَهُ وَاحِدًا فَوَاحِدًا: «هَلْ أَنَا؟» وَآخَرُ: «هَلْ أَنَا؟» فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ: «هُوَ وَاحِدٌ مِنَ الاثْنَيْ عَشَرَ، الَّذِي يَغْمِسُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ.

إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْرًا لِذلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ!».” [3] .

ويتفق بذلك “متى” مع “مرقس” وكذلك “لوقا “في أن العشاء الأخير كان هو الفصح، أما “يوحنا” فيقرر أن العشاء الأخير كان قبل عيد الفصح .

– صلاة يسوع في البستان[4]:‏

‏  بعد العشاء (عشاء الفصح والعشاء الربانيّ)، ذهب المسيح مع بقيّة تلاميذه إلى ‏جبل الزيتون[5] إلى الجسمانية إلى ضيعة تُدْعَي بستان ” جثيمانى ”  [6]وترك ثمانية من تلاميذه ‏وقال لهم “اجلسوا ههنا حتى أَمضي وأُصلي هناك” وأخذ معه بطرس ‏ويعقوب ويوحنا”ابْنَيْ زَبْدِي”وطلب من الجميع أن يصلوا ” وَلَمَّا صَارَ إِلَى الْمَكَانِ قَالَ لَهُمْ: «صَلُّوا لِكَيْ لاَ تَدْخُلُوا فِي تَجْرِبَةٍ».” [7]، وطلب من بطرس وابني زبدى أنْ يمكثوا ‏معه ويسهروا ” فَقَالَ لَهُمْ: «نَفْسِي حَزِينَةٌ جِدًّا حَتَّى الْمَوْتِ. اُمْكُثُوا ههُنَا وَاسْهَرُوا مَعِي».” [8] ، ” ثُمَّ تَقَدَّمَ قَلِيلًا وَخَرَّ عَلَى وَجْهِهِ، وَكَانَ يُصَلِّي قَائِلًا: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسُ، وَلكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ».” [9]

وكرّر هذه الطلبة ثلاث مرات فهو عبّر كإنسان عن قوّة وشدّة الآلام ، ‏كما عبّر عن قبوله وتسليمه لإرادة الله قَائِلًا: «يَا أَبَتَاهُ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي بَلْ إِرَادَتُكَ». [10] ، ” فقد ‏طلب أنْ تعبُر عنه ” الكأس “بمعني أن ” يجتازها ” أي يشربها بحسب إرادة الآب ‏دون أنْ يكون لها سلطان عليه، و ” وَظَهَرَ لَهُ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ يُقَوِّيهِ. ” [11].

وكان ظهور الملاك له إعلانًا عن ‏قبوله المهمّة وعن رضا الآب لتحقيق إرادته كما أنَّه إعلانًا للرضا التام والحبّ ‏المتبادل بين الآب والابن.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 22

ـ القبض على المسيح عليه السلام:‏

‏  بعد أنْ أنهي المسيح  عليه السلام صلاته وتأكيد قبوله لإرادة الآب قال لتلاميذه ” ثُمَّ جَاءَ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ لَهُمْ: «نَامُوا الآنَ وَاسْتَرِيحُوا! هُوَذَا السَّاعَةُ قَدِ اقْتَرَبَتْ، وَابْنُ الإِنْسَانِ يُسَلَّمُ إِلَى أَيْدِي الْخُطَاةِ. قُومُوا نَنْطَلِقْ! هُوَذَا الَّذِي يُسَلِّمُني قَدِ اقْتَرَبَ!»” [12]، ثم جاء يهوذا بالجند ” وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ، إِذَا يَهُوذَا أَحَدُ الاثْنَيْ عَشَرَ قَدْ جَاءَ وَمَعَهُ جَمْعٌ كَثِيرٌ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَشُيُوخِ الشَّعْبِ. [13] ” فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّامًا مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ.” [14]ولما اقتربوا تقدّم إليهم يسوع ” فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ».

قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضًا وَاقِفًا مَعَهُمْ. فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»، رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ. فَسَأَلَهُمْ أَيْضًا: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». أَجَابَ يَسُوع: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ: إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ».” [15].

‏ لقد تقدّم من الذين جاءوا للقبض عليه وقدم لهم ذاته بنفسه، فهو وحده سيّد مصيره كما قال عن نفسه: ” لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضًا. هذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي».ً”[16].

وكان يهوذا قد جعل لهم علامة إذ قال ” وَكَانَ مُسَلِّمُهُ قَدْ أَعْطَاهُمْ عَلاَمَةً قَائِلًا: «الَّذِي أُقَبِّلُهُ هُوَ هُوَ. أَمْسِكُوهُ، وَامْضُوا بِهِ بِحِرْصٍ». [17]ولهذا السبب جعل لهم علامة منه ، إلا أن المسيح سألهم لماذا جاءوا بهذه الطريقة وكأنهم يريدون القبض على لص ، فَلَمَّا رَأَى الَّذِينَ حَوْلَهُ مَا يَكُونُ، قَالُوا: «يَا رَبُّ، أَنَضْرِبُ بِالسَّيْفِ؟»”  [18]ومن ثمّ استل بطرس سيفه ” وَضَرَبَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ الْيُمْنَى.” [19] .

لكن المسيح رفض ذلك ووبّخ ‏بطرس عليه ” فَقَالَ يَسُوعُ لِبُطْرُسَ: «اجْعَلْ سَيْفَكَ فِي الْغِمْدِ! الْكَأْسُ الَّتِي أَعْطَانِي الآبُ أَلاَ أَشْرَبُهَا؟».  [20] ” فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشًا مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟»..”[21] .
ثم مدّ يده بالشفاء فَأَجَابَ يَسُوعُ وقَالَ: «دَعُوا إِلَى هذَا!» وَلَمَسَ أُذْنَهُ وَأَبْرَأَهَا. [22]، وسلّم نفسه للجنود الذين لما رأوه مستسلمًا هكذا ‏بإرادته ” ثُمَّ إِنَّ الْجُنْدَ وَالْقَائِدَ وَخُدَّامَ الْيَهُودِ قَبَضُوا عَلَى يَسُوعَ وَأَوْثَقُوهُ،  [23]، ولما وجد تلاميذه أنَّه قدّم نفسه ‏لمسلّميه تركوه وهربوا” .‏

فحسب الاعتقاد المسيحي وانطلاقا مما سبق ذكره  فإن الشخص الذي قَبَضَ عليه اليهود لا ‏يمكن أنْ يكون سوى المسيح ، وهو الشخص نفسه الذي سيصلب بعد محاكمته.

– محاكمة السيد المسيح عليه السلام [24]

‏  بعد القبض على المسيح مباشرة واجه عليه السلام محاكمتَين مختلفتَين أمام محكمتَين مختلفتَين لكل منها قوانينها الخاصّة المستقلّة ونظامها الخاصّ بها، فقد وقف أمام ‏محكمة يهوديّة تعتمد على التقاليد اليهوديّة المستمدّة من شريعة موسى وقضاتها هم ‏رجال الدين من كهنة وفرّيسيين وكتبة، ومحكمة رومانيّة ذات صبغة مدنيّة ‏وعسكريّة وقاضيها هو الوالي الروماني بيلاطس البنطي.

أولاً : محاكمته أمام المحكمة اليهودية [25]  :‏

‏  مضى الجند بالمسيح من بستان جيسثماني إلى حنّان عظيم الكهنة حيث خضع لأول استنطاق ،ثم أرسله حنان موثقا إلى قيافا [26]، ” وَالَّذِينَ أَمْسَكُوا يَسُوعَ مَضَوْا بِهِ إِلَى قَيَافَا رَئِيسِ الْكَهَنَةِ، حَيْثُ اجْتَمَعَ الْكَتَبَةُ وَالشُّيُوخُ. “[27] ، وبدؤوا في محاكمته ليلاً. ‏وكانت محاكمته أمام مجلس السنهدرين(محكمة القضاء الأعلى اليهودية) ، محاكمة صوريّة لأنَّ رئيس ‏الكهنة، ومعظم الأعضاء كانوا قد قرّروا من قبل قتل المسيح عليه السلام ،ومن ثمَّ فقد ” َكَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ وَالْمَجْمَعُ كُلُّهُ يَطْلُبُونَ شَهَادَةَ زُورٍ عَلَى يَسُوعَ لِكَيْ يَقْتُلُوهُ، ” [28].‏

وبعد فشل المجمع في إدانة المسيح عليه السلام عن طريق الشهود الزور اتجه رئيس ‏الكهنة إلى المسيح نفسه ليحصل منه على اعتراف يُدينه في نظر المجمع ‏يؤدي به إلى الموت وَقَالَ لَهُ: «أَسْتَحْلِفُكَ بِاللهِ الْحَيِّ أَنْ تَقُولَ لَنَا: هَلْ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللهِ؟»؟” [29]، وكانت إجابته بالإيجاب تعني حكم الموت لأنَّهم سبق أنْ حاولوا ‏قتله أكثر من مرّة بسبب إعلانه أنَّه “اِبن اللَه ” وقالوا: ” أجَابَهُ الْيَهُودُ قَائِلِينَ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَل حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ، فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلهًا» [30]، وما كان من المسيح إلاّ أن يتقدّم إلى الموت الذي لأجله جاء وقال له ” أَنَا هو “[31] ، فَقَالَ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ. وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِسًا عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ، وَآتِيًا فِي سَحَابِ السَّمَاءِ».” [32].

‏  ونظرًا لأنَّ رؤساء اليهود لم يُؤمنوا بأنَّ يسوع الناصري هو المسيح المنتظر ابن ‏الله وبعد أنْ نال رئيس الكهنة الإجابة المطلوبة التي تحقّق غرضهم في قتل المسيح ‏قام  فمزّق ثيابه أمام المجمع موحيًا لهم خطورة الاعتراف ” فَمَزَّقَ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ حِينَئِذٍ ثِيَابَهُ قَائِلًا: «قَدْ جَدَّفَ! مَا حَاجَتُنَا بَعْدُ إِلَى شُهُودٍ؟ هَا قَدْ سَمِعْتُمْ تَجْدِيفَهُ!” [33]

‏فأجمعوا على أنَّه مستحقٌ الموت ” فَأَجَابُوا: إِنَّهُ مُسْتَوْجِبُ الْمَوْتِ”[34]، وبعد هذا الحكم ‏بصقوا على وجهه ولطموه وسخروا منه واستهزؤوا به وجلدوه وجدفوا عليه، وبعد أنْ حكموا عليه بالموت تشاوروا في كيفيّة تنفيذه ثمّ قرّروا تقديمه إلى الوالي ‏الروماني بيلاطس لينفّذ هذا الحكم ‏.

ثانياً : محاكمته أمام الوالي الروماني

ذهب أعضاء مجلس السنهدرين ومعهم جمهور غفير إلى بيلاطس البنطي ” ثمّ جاءوا بيسوع من عند قيافا إلى دار الْولاية، حيث خرج بيلاطس إليهم وقَال: “أيةَ شكايَةٍ تُقَدِّمُونَ عَلَى هَذَا الإِنْسَانِ؟”[35] أَجَابُوا وَقَالُوا لَهُ: «لَوْ لَمْ يَكُنْ فَاعِلَ شَرّ لَمَا كُنَّا قَدْ سَلَّمْنَاهُ إِلَيْكَ!» فَقَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاحْكُمُوا عَلَيْهِ حَسَبَ نَامُوسِكُمْ». فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لاَ يَجُوزُ لَنَا أَنْ نَقْتُلَ أَحَدًا». [36]“‏  وكانت عريضة الاتهام المقدمة ضده تتضمن الاتهامات الثلاثة الآتية :‏ ‏(1- أنه يفسد الأمّة.‏ 2 – يمنع أنْ تعطي الجزية لقيصر.‏ 3 – يجعل نفسه ملكًا على بني إسرائيل). وهذا ماورد في إنجيل لوقا “ابدأوا يشتكون عليه قائلينَ:إِنّنا وجدنا هذا يفسد الأُمةَ ويمنع أن تعطَى جزية لقيصر قَائلا: إنه هو مسيح ملك “[37] ، وواضح ‏أنَّهم غيَّروا الاتهام الموجّه ضده من التجديف الذي يُدينه حسب الناموس إلى الخيانة ‏للحكم الروماني والتي عقوبتها الموت حسب القانون الروماني، فقد كان هدفهم ‏القضاء عليه بأيَّة وسيلة، لذلك لفّقوا له هذه التُهم .

وقف المسيح عليه السلام صامتًا كما فعل أمام السنهدرين ليكذب الاتهامات، لكن ‏ اليهود أصروا على قتله كما كان قد أعلن من قبل مرات عديدة أنَّه لابد أنْ يُصلب ‏ويموت ويقوم في اليوم الثالث، ولمّا أراد بيلاطس أنْ يتحقّق من الاتهام الموجّه ليسوع وقَال له: ” ثُمَّ دَخَلَ بِيلاَطُسُ أَيْضًا إِلَى دَارِ الْوِلاَيَةِ وَدَعَا يَسُوعَ، وَقَالَ لَهُ: «أنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» أَجَابَهُ يَسُوعُ: «أَمِنْ ذَاتِكَ تَقُولُ هذَا، أَمْ آخَرُونَ قَالُوا لَكَ عَنِّي؟» أَجَابَهُ بِيلاَطُسُ: «أَلَعَلِّي أَنَا يَهُودِيٌّ؟ أُمَّتُكَ وَرُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَسْلَمُوكَ إِلَيَّ. مَاذَا فَعَلْتَ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هذَا الْعَالَمِ، لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذًا مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ: إِنِّي مَلِكٌ. لِهذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا، وَلِهذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي».” [38] ‏‏ هذا الجواب أكد لبيلاطس  براءة المسيح عليه السلام .

ثمّ خرج ليُعلن ‏براءته أمام الجموع :” أَنَا لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً وَاحِدَةً.” [39]ولكن هذا لم يرضيِ ‏اليهود)فَكَانُوا يُشَدِّدُونَ قَائِلِينَ: “إِنَّهُ يُهَيِّجُ الشَّعْبَ وَهُوَ يُعَلِّمُ فِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ مُبْتَدِئاً مِنَ الْجَلِيلِ إِلَى هُنَا” [40] ،  وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟” فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدّاً ” [41].

‏  وكانت لهم عادة أنّ يُطلق لهم الوالي أسيرًا واحدًا يطلبوا أنْ يطلقه لهم في الفصح [42] ‏‏، وكان هناك أسيرا مشهورًا يُدعي باراباس[43]  أُمسك في ‏فتنة حدث فيها قتل فطالبوا بيلاطس أنْ ” أَنْ يَفْعَلَ كَمَا كَانَ دَائِماً يَفْعَلُ لَهُمْ “[44]، ‏فخيّرهم بيلاطس بين باراباس ويسوع ” مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟” لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً. “[45] .

ولكن حدث شئ عجيب أذهل بيلاطس:” وَإِذْ كَانَ جَالِساً عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً:”إِيَّاكَ وذلِكَ الْبَارَّ لأَنِّي تَأَلَّمْتُ الْيَوْمَ كَثِيراً فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِهِ” [46].

ولكن الجموع صرخت طالبة باراباس بتحريض ‏من رؤساء الكهنة والشيوخ ، فقال لهم بيلاطس ” وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟. إني لم أجد فيه ‏علة للموت . فَأَنَا أُؤذبُهُ وَأُطْلِقُهُ ”  [47]، فكانوا يلجون بأصوات عظيمة طالبين ‏أنْ يُصلب. ” فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئاً بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ  قَائِلاً: “إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ. أَبْصِرُوا أَنْتُمْ”فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: “دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا ” [48].

وأطلق “باراباس” فجلد “بيلاطس” المسيح عليه السلام وألبسه العسكر إكليلاً من الشوك وألبسوه ثوب أرجوان ‏ووضعوا قصبة في يمينه وكانوا يسخرون ويستهزؤون به ويبصقوا في وجهه ‏ويلطموه على خده ويضربوه على رأسه قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: “أَأَصْلِبُ مَلِكَكُمْ؟” أَجَابَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ: “لَيْسَ لَنَا مَلِكٌ إِلاَّ قَيْصَرُ” فَحِينَئِذٍ أَسْلَمَهُ إِلَيْهِمْ لِيُصْلَبَ.” [49].

ـ صلب المسيح

‏  بعد الحكم على  يسوع المسيح بالصلب وجلده، خرج من دار الولاية حاملاً ‏صليبه الذي سيُصْلَب عليه، وسار ‏وسط حرّاسه من أربعة جنود وقائد مائة، ومحاطًا بجماهير غفيرة لا حصر لها، وكان ضمن هؤلاء كثيرون من الذين اِتّبعوه ‏عندما دخل أورشليم ظافرًا منتصرًا وكثيرون من أتباعه غير المعروفين لرؤساء ‏الكهنة وبعض أتباعه الذين كانوا يتابعونه من بعيد، كما فعل بطرس وقت المحاكمة .

ثم وصلوا بالمسيح إلى ” مَوْضِعِ جُلْجُثَةَ الَّذِي تَفْسِيرُهُ مَوْضِعُ «جُمْجُمَةٍ».”[50]”  ‏وجردوه من ملابسه وقسمها الجنود الأربعة على أنفسهم ثم القوا قرعة على ‏القميص ” أَخَذُوا ثِيَابَهُ وَجَعَلُوهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ لِكُلِّ عَسْكَرِيٍّ قِسْماً. وَأَخَذُوا الْقَمِيصَ أَيْضاً. وَكَانَ الْقَمِيصُ بِغَيْرِ خِيَاطَةٍ مَنْسُوجاً كُلُّهُ مِنْ فَوْق،فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: “لاَ نَشُقُّهُ بَلْ نَقْتَرِعُ عَلَيْهِ لِمَنْ يَكُونُ “[51]، ولم يبقَ له سوى مئزر، ثم قدموا له ” أَعْطَوْهُ خَلاًّ مَمْزُوجاً بِمَرَارَةٍ لِيَشْرَبَ.. ” وذلك لتخفيف آلامه ‏ولكنه ” وَلَمَّا ذَاقَ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَشْرَبَ ” [52] ،  ثم ألقوه على خشبة الصليب بقسوة وفظاظة وعنف ‏ودقُّوا المسامير  في يديه ورجليه مُعَلَّقين إيَّاه على الصليب.

وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ وَاحِداً عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. “[53] ” وَيَسُوعُ فِي الْوَسْطِ. “[54]  وذلك للتشهير به وزيادة في تحقيره وكان صليبه مرتفعًا عنهما زيادة في ‏السخرية،‏ وكان الجميع يعيِّرونه و أيضًا اللصان المصلوبان معه [55].

وبينما كان الجنود يدقُّون المسامير في يدَيه ورجلَيه بقسوةٍ وعنفٍ صلى لهم ‏وقال ” يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ “[56]  ، وكان يقف بالقرب من الصليب المعلَّق عليه كثيرات من النساء اللواتي صعدن ‏معه من الجليل منهن أُمه مريم العذراء وأخت أمه مريم زوجة كلوبا وسالومي ‏ومريم المجدلية ،وصلب المسيح عليه السلام ثم وضع فوق رأسه علة الحكم عليه كتب فيها “هذا ملك اليهود ” ، وبقي يسوع في هذه الحالة حتى الساعة التاسعة وكان الظلام الداكن قد انتشر على الأرض كلها ، هو يتألم ، وأخيرا صرخ يسوع صرخة مؤثرة شديدة “إلهي إلهي لماذا خدلتني ” فشعر بعطش شديد، خاصة من الحمى الشديدة التي انتابته ، وقال ” أَنَا عَطْشَانُ  ، و ” بَعْدَ هَذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: «أَنَا عَطْشَانُ». وَكَانَ إِنَاءٌ مَوْضُوعاً مَمْلُوّاً خَلاًّ فَمَلَؤوا إِسْفِنْجَةً مِنَ الْخَلِّ وَوَضَعُوهَا عَلَى زُوفَا وَقَدَّمُوهَا إِلَى فَمِهِ” [57].

وبعد أنْ أخذ الخلَّ رأى أنَّ كلّ شيء قد كَمُل إذ قد تمَّم كلّ ما جاء لأجله كما ‏سبق وخاطب الآب قائلاً ” الْعَمَلَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي لأَعْمَلَ قَدْ أَكْمَلْتُهُ. “[58] ، وعلى ‏الصليب كان عمل الفداء قد تمَّ ومن ثمَّ فقد نطق كلماته الأخيرة بصوتٍ عالٍ ‏ ” قَدْ أُكْمِلَ “[59]  ،ثم أحنى رأسه وصلى صلاته الأخيرة على الصليب مستودعًا روحه بإرادته بين يدي الآب “وَنَادَى يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «يَا أَبَتَاهُ فِي يَدَيْكَ أَسْتَوْدِعُ رُوحِي. وَلَمَّا قَالَ هَذا أَسْلَمَ الرُّوحَ.” [60] .

أسلم روحه بإرادته ورِضاه واِختياره كما قال: ” لِهَذا يُحِبُّنِي الآبُ لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لآخُذهَا أَيْضاً، لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذاتِي، لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذهَا أَيْضاً هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي”[61].

هذه هي القصة الكاملة ل’صلب’ المسيح عليه السلام كما ترويها الأناجيل الأربعة، لكن مجموعة من الباحثين في الفكر الديني المسيحي لاحظوا اختلافا واضطرابا في هذه الروايات المتعلقة بقضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام، وهو ما سنتناوله في المحور الثالث بحول الله.


الهوامش

[1] علاء أبو بكر – المسيحية الحقة كما جاء بها المسيح بين الالتزام و التحريف ودعوة الإسلام – الناشر مكتبة وهبة – ط1- 1418هـ/ 1997م/ ص: 225

[2] ساجد مير ،المسيحية -دراسة وتحليل- ،دار النشر والتوزيع ، الرياض ، ص: 137

[3] إنجيل مرقس الإصحاح 14: 12-13-14-15… 18-19-20-21

[4] منير خدام – المسيح في الفكر الإسلامي الحديث وفي المسيحية –سلسلة المسيحية والإسلام – ص: 332

[5] إنجيل  لوقا الإصحاح 22/39

[6] بستان زيتون تقع على جبل الزيتون ، الذي يقع مباشرة على مشارف القدس قديما ( أنظر ميشل بيجنت – ترجمة وتعليق محمد الواكد – صحف المسيح كشف السر الأعظم في التاريخ – دمشق دار الأوائل للنشر والتوزيع ط 1- 2008/ ص: 137

[7] إنجيل لوقاالإصحاح22/40

[8]  إنجيل متى الإصحاح26/38

[9] إنجيل متى الإصحاح 26/39

[10] إنجيل لوقاالإصحاح22/42

[11] إنجيل لوقاالإصحاح22/43

[12] إنجيل متى 26 /45-46

[13] إنجيل  متى26 /47

[14]  إنجيل يوحنا 18/3

[15] إنجيل يوحنا18/4-8‏

[16] إنجيل يوحنا10/18

[17] إنجيل مرقس 14/44

[18] إنجيل  لوقا22 /49

[19] إنجيل لوقا22/50

[20] إنجيل يوحنا18/11

[21] إنجيل متى26/52-54

[22] إنجيل  لوقا 22/51

[23] إنجيل  يوحنا18/12

[24] مجموعة من رجال الفكر من الديانتين الإسلامية والنصرانية – مناظرة بين الإسلام والنصرانية –الإدارة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد –الإدارة العامة للطبع والترجمة الرياض – 1407- ص 96

[25] علاء أبو بكر – المسيحية الحقة كما جاء بها المسيح بين الإلتزام والتحريف ودعوة – ص:252

[26] إنجيل يوحنا الإصحاح 18/24

[27] إنجيل متى الإصحاح 26/57

[28] السنهدرين هو : محكمة القضاء الأعلى اليهودية ( أنظر محمد فاروق فارس الزين – المسيحية والإسلام والاستشراق- المطبعة العلمية دمشق- ط 2- 1422هـ/ 2002م/ص 229 )

[29] إنجيل  متى الإصحاح26  /63

[30] إنجيل  يوحنا الإصحاح 10 /33

[31]  إنجيل مرقس الإصحاح 14/62

[32] إنجيل  متى الإصحاح 26/64

[33] إنجيل متى26/65

[34] إنجيل  متى26/66

[35] إنجيل  يوحنا18/28-29

[36] إنجيل يوحنا18/30-31

[37] إنجيل لوقا23/2

[38] إنجيل يوحنا18/33-37

[39]. إنجيل يوحنا18/38

[40]  إنجيل لوقا 23/5

[41] إنجيل متى27/12-14

[42]  متى27/15،مرقس15/6؛ لوقا23/17

[43] صيغة يونانية للإسم الآرامي بارآبا ومعناها في القواميس الكتابية المسيحية على التوالي هما ابن وآب أي أن الإسم معناه ابن الآب ، وهو لص ومجرم مثير للشغب( جمال الدين الشرقاوي – قضايا جديدة في الإسلام والمسيحية – مركز التنوير الإسلامي- ج 1 ص 11)

[44]  إنجيل مرقس15/8

[45] إنجيل متى27/17-18

[46] متى27/19

[47]  لوقا23/22

[48] متى27/24-25

[49] يوحنا 19/1-16

[50]” مرقس15/22

[51]”  يوحنا19/23-24

[52] متى27/34

[53] مرقس15/27

[54] يوحنا19/18

[55] مرقس15/29-32؛ ‏متى27/39-44

[56] لوقا23/34

[57] يوحنا19/28-29

[58] يوحنا17/4

[59] يوحنا19/30

[60] لوقا23/46

[61] يوحنا10/17-18

 

 

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.