منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(4) قضية “صلب”المسيح من خلال إنجيل “برنابا”

(4) قضية "صلب"المسيح من خلال إنجيل "برنابا"/ د. مصطفى العلام

0

(4) قضية “صلب “المسيح من خلال إنجيل “برنابا” [1]

د. مصطفى العلام

في هذه السلسلة التي تتناول قضية ‘صلب’ المسيح وفق المعتقدات المسيحية، تحدثنا في المحور الثالث من عن تناقضات واختلافات الأناجيل الأربعة حول هذه القضية، أما في المحور الرابع فإننا سنتناول قضية’صلب’ المسيح من خلال إنجيل ‘برنابا’، باعتباره قد برأ المسيح عليه السلام من دعوى الصلب،كما تحدث عن ليلة الصلب نافيا أية صلة ليسوع بالمصلوب، بل أكد أن المصلوب ماهو إلا ‘يهوذا الإسخريوطي’ لا يسوع، وهو بذلك طرح قضية ‘صلب’ المسيح طرحا مقاربا لما جاء في الدين الإسلامي الحنيف.

وتجدر الإشارة إلى أن المسيحيين لايعترفون بإنجيل ‘برنابا’ ويعتبرونه من الأناجيل ”المنحولة” أو ”الأبوكريفية” (التي لم تصادق عليها المجامع الكنسية)، لأنه يخالف الأناجيل الأربعة في أمور جوهرية، منها نقضه لدعوى ألوهية المسيح، وتنديده ب’بولس’، ورفضه لتبشيره، وكذا تصريحه ببشارة عيسى عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم في مرات عديدة، لذلك يشير ‘أحمد شلبي’ إلى أن إنجيل ‘برنابا’ يمكن أن يكون صلة وصل بين الديانتين المسيحية والإسلامية قائلا:« ذلك لأن هذا الإنجيل يمكن أن يكون حلقة الاتصال بين المسيحية والإسلام، أو أنه هو الحلقة المفقودة بين هاتين الديانتين، ولا تعترف الكنيسة بهذا الإنجيل ولا تقيم وزنا لما ورد فيه».[2]

فما هي إذن تفاصيل قصة ‘صلب’ المسيح كما يرويها ‘برنابا’ في إنجيله؟

يهوذا الخائن هو الذي صلب وليس يسوع

ذكر ‘برنابا ‘ في إنجيله أنه: « لما دنت الجنود من يهوذا الخائن من المحل الذي كان فيه يسوع سمع دنو جم غفير، فلذلك انسحب إلى البيت خائفا، وكان الأحد عشر نياما، فلما رأى الله الخطر على عبده أمر جبريل وميخائيل ورفائيل وأورل سفراءه أن يأخذوا يسوع من العالم، فجاء الملائكة الأطهار، وأخذوا يسوع من النافذة المشرفة على الجنوب، فحملوه، ووضعوه في السماء الثالثة في صحبة الملائكة التي تسبح الله إلى الأبد »[3].

فمن خلال هذا الكلام، يتضح أن الله أنجى المسيح عليه السلام من اليهود برفعه إليه، ولعل الإشكالية المطروحة هنا هي: كيف علم ‘برنابا’ بهذا الأمر إذا كان التلاميذ الإحدى عشر نياما؟، ويتابع برنابا سرد ما حدث بعد رفع المسيح فيقول: «ودخل يهوذا بعنف إلى الغرفة التي أصعد منها يسوع وكان التلاميذ كلهم نياما، وأتى الله العجيب بأمر عجيب، فتغير يهوذا في النطق وفي الوجه فصار شبها بيسوع حتى أننا اعتقدنا أنه يسوع، أما هو فبعد أن أيقظنا أخذ يفتش لينظر أين كان المعلم لذلك تعجبنا،وأجبنا أنت هو معلمنا أنسيتنا الآن» [4].

ثم إن المسيح حسب رواية ‘برنابا’ وبخ كثيرين ممن اعتقدوا أنه مات وقام قائلا: «أتحسبوني أنا والله كاذبين، لأن الله وهبني أن أعيش حتى قبيل انقضاء العالم كما قلت لكم، الحق أقول لكم،إني لم أمت بل يهوذا الخائن احذروا لأن الشيطان سيحاول جهده أن يخدعكم، لكن كونوا شهودي في كل بني إسرائيل، وفي العالم كله، لكل الأشياء التي رأيتموها وسمعتموها »[5].

تبشير ‘برنابا’ بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

فالقصة التي أوردها ‘برنابا’ عن الصلب تخالف شكلا ومضمونا ما ورد في الأناجيل الأربعة، وقد ورد في إنجيله ما يشير إلى نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: «وإني وإن كنت بريا ولكن بعض الناس لما قالوا في حقي أنه الله وابن الله كره الله هذا القول، واقتضت مشيئته بأن لا تضحك الشياطين يوم القيامة علي ولا يستهزؤون،فاستحسن بمقتضى لطفه ورحمته أن يكون الضحك والاستهزاء في الدنيا بسبب موت يهوذا ويظن كل شخص أني صلبت، لكن هذه الإهانة والاستهزاء يبقيان إلى أن يجئ محمد رسول الله، فإذا جاء في الدنيا نبه كل مؤمن على هذا الغلط، وترفع هذه الشبهة من قلوب الناس» [6].

ويتضح مما سبق أن بين الأناجيل الأربعة وإنجيل ‘برنابا’ فرق كبير في الاعتقاد المسيحي حول قضية ‘صلب’ المسيح، فالأناجيل الأربعة تؤكد: بأن عيسى عليه السلام صلب، وإنجيل ‘برنابا’ يقول بأنه لم يصلب ولم يمت بل رفعه الله إليه لأنه من قبل وعد بذلك،«وإلى جانب هذا هناك من الناس لما سمع مقالة الصلب اعتقد أن المسيح نبي كاذب، لأنه وعد بأنه لن يموت إلا قبيل قيام الساعة »[7]

فإنجيل برنابا يؤكد أن الذي صلب يهوذا الخائن بعد أن غير الله صورته وشكله، وإذا رجعنا إلى إنجيل ‘برنابا’ فسنجد فيه حوارا بين المسيح و ‘برنابا’، حيث يدور هذا الحوار حول مسألة الصلب فيسأل ‘برنابا’ المسيح عليه السلام قائلا: “لماذا سمح الله أن يقع عليك عار القتل بين اللصوص ؟ وإذا كان الله رحيما فلماذا عذبنا بهذا المقدار، مما جعلنا نعتقد أنك كنت ميتا، وقد بكتك أمك حتى أشرفت على الموت ؟ فأجابه يسوع قائلا: «صدقني يا برنابا إن الله يعاقب على كل خطيئة مهما كانت طفيفة عقابا عظيما، لأن الله عز وجل يغضب في الخطيئة، فلذلك لما كانت أمي وتلاميذي الأمناء الذين كانوا معي وأحبوني قليلا حبا عاليا، أراد الله البر أن يعاقب على هذا الحب بالحزن في الوقت الحاضر حتى لا يعاقب عليه بلهب الجحيم، فلما كان الناس قد دعوني الله وابن الله، على أني كنت بريئا في العالم، أراد الله أن يهزأ الناس به في هذا العالم يموت يهوذا معتقدين أني (أنا) مت على الصليب» [8].

فلماذا يا ترى ترفض المجامع والكنائس إنجيل ‘برنابا’ ؟ هل لكونه يخالفها في قضية’صلب’ المسيح؟ أم لكونه أقرب الأناجيل للإسلام ؟ أم لشيء آخر ؟.


الهوامش

[1] هو يوسف وقد سماه الحواريون ‘برنابا’، ومعنى هذه الكلمة ابن الواعظ، كان يهوديا من اللاويين، وهو من التلاميد السبعين على الأرجح، باع جميع ما يملكه من أرض وقدم ثمنه للحواريين ليستعينوا به في الدعوة إلى المسيحية ومساعدة الفقراء المسيحيين، وهو خال ‘مرقس’.وأول نسخة اكتشفت لإنجيله في مكتبة البابا سكتس الخامس بروما ( علي عبد الواحد وافي، الأسفار المقدسة في الأديان السابقة للإسلام، ـ دار نهضة مصر للطباعة والنشر ـ 1981م، ص: 73 )

أحمد شلبي: مقارنة الأديان ـ المسيحية ـ مكتبة النهضة المصرية / ط 10- 1998، ص:185[2]

[3] إنجيل برنابا 215-1/8

[4] إنجيل برنابا 216-1/7

[5] متولي يوسف شلبي ـ أضواء على المسيحية ـ الدار الكويتية للطباعة والنشر الطبعة 2، ص:77

[6] عبد الرحمن بن سليم البغدادي – الفارق بين الخالق والمخلوق –ا ضبط وتعليق أحمد حجازي السقا، مطبعة مورافتلي، مصر الطبعة الثانية 1987م، ص474

[7] يوسف شلبي –أضواء على المسيحية – ص 76

[8] إنجيل برنابا 220-14/19

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.