منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) بين يدي قضية “صلب” المسيح ـ عليه السلام

(1) بين يدي قضية "صلب" المسيح ـ عليه السلام/د. مصطفى العلام

0

(1) بين يدي قضية “صلب” المسيح ـ عليه السلام

د. مصطفى العلام

تمهيد

يحتفل العالم المسيحي بكل طوائفه بميلاد السيد المسيح عليه السلام من خلال الانتقال من السنة الميلادية الحالية 2021 إلى السنة الميلادية الجديدة 2022. ومع هذا الحدث نعود لقضية مهمة شغلت الباحثين في الفكر الديني المسيحي، وهي قضية ‘صلب’ المسيح كما يعتقدها المسيحيون،حيث أننا سنتناول هذا الموضوع من داخل الفكر الديني المسيحي نفسه، من خلال التركيز على تناقضات الأناجيل الأربعة حوله، ومن خلال ما طرحه إنجيل” برنابا ” حوله أيضا، وأخيرا من خلال شهادات بعض الباحثين في الفكر المسيحي الذين يعارضون فكرة ‘صلب’ المسيح عليه السلام. وكل هذا سيتم من خلال خمسة محاور أساسية:

المحور الأول: بين يدي قضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام

المحور الثاني: أحداث ومراحل قضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام

المحور الثالث: تناقضات الأناجيل الأربعة حول قضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام

المحور الرابع: قضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام من خلال إنجيل برنابا

المحور الخامس: بعض شهادات المفكرين المسيحيين حول قضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام

فما هي إذن أهم الوقائع والأحداث التي تشكلت منها قضية صلب المسيح ـ عليه السلام ـ حسب الاعتقاد المسيحي؟

1: قضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام في التصور المسيحي

قبل القيام بالتحليل والمناقشة في مسألة الصلب لا بد من تعريف هذا المصطلح لغة واصطلاحا:

– ‘الصلب’ لغة واصطلاحا:

جاء في لسان العرب: «صَلَبَ الصُّلبُ، والجمع أَصلُبٌ،وأصلابٌ، وصَلَبَ، وصَالبٌ « [1] وباعتبار « الصلابة سمي الظهر صُلباً « [2]، والصليب: كل ما كان على شكل خطين متقاطعين من خشب أو معدن أو نقش أو غير ذلك.

أما اصطلاحا فصلب الضحية يعني «تعليقها على الصليب تنفيذا لحكم الإعدام فيها، وكان يتم ذلك بربط اليدين والرجلين به، أو بصورة أفظع. وذلك بتسمر الجسم بمسامير عن الأجواء اللحمية،وكثيرا ما كان يسبق الصلب تعذيب الضحية « [3].

ـ بين يدي قضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام في الاعتقاد المسيحي

تعد قضية ‘صلب’ المسيح من القضايا الجوهرية في العقيدة المسيحية التي تستقي منها مقوماتها الدينية والفكرية على حد سواء، حيث أنها ارتبطت بقضية أخرى وهي «قضية الخطيئة التي ارتكبها آدم فتاب الله عليهم بدم المسيح « [4]. وهي عقيدة راسخة منذ القدم ولم يطرأ عليها أي تغيير لحد الآن «هكذا تقول عقائد النصارى بالأمس واليوم وغدا ما لم يطرأ على أنماط التفكير جديد« [5]، وفي الوقت الذي أعلن فيه المسيح عليه السلام رسالته بدأت مواجهة اليهود له، وأنكروا أن يكون هو «المسيح المنتظر خوفا على مكانتهم وسيادتهم وخاصة الفريسيين[6] ورؤساء الهيكل« [7]،فلما دعاهم ليهتدوا ثاروا ودبروا له جريمة القتل العمد، «وأوقعوا من جهة نظرهم الصلب والقتل، وجاهدوا وفاخروا بأنهم قتلوا رسول الله« [8].

ففي اعتقاد المسيحيين إذن فإن المسيح قد صلب، وأنه مات على الصليب فهذه حقيقة لا خلاف فيها بين أوساط المسيحيين، بل هي الأمر الوحيد الذي اتفقوا حوله في شأن المسيح، لكنهم اختلفوا في دوافع الصلب، وفي النتائج المترتبة عليه.

وقد ذكرت الأناجيل المؤامرة التي حيكت ضد المسيح عليه السلام وكيفية تنفيذها على أرض الواقع من خلال التعصب اليهودي و في ظل الحكم الروماني، غير أنها لم تجمع على رواية واحدة متواترة، بالإضافة إلى أن هذه الروايات المتعلقة بحادثة صلب المسيح عليه السلام ـ كما يزعمون ـ فيها من الاضطراب والاختلاف الشيء الكثير، وهذا ماسنقف عنده في المحور الثالث بحول الله.

تعتبر حادثة صلب المسيح ـ حسب الاعتقاد المسيحي ـ أحد أهم أحداث المعمورة , حيث يعتقدون «أن الله أنزل ابنه السيد المسيح ليموت على الصليب ليطهر البشر من خطيئة أبيهم آدم « [9], بل وخطاياهم جميعا , وهو ما يطلق عليه «نظرية الفداء، أو نظرية التكفير. وهذا ما تؤكده الأناجيل في إصحاحات مطولة في صلب المسيح ذاكرة الكثير من تفاصيل القبض عليه، ومحاكمته، وصلبه ثم دفنه، و قيامته وصعوده إلى السماء « [10] ـ

والعدالة الإلهية تقرر أن من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها، والمنطق السليم يحكم بأن العقوبة تحل بالفاعل الحقيقي فقط، «ولكنه التعصب الأعمى والتفكير السقيم الذي يفكر به رجال الكنيسة ويحشون به أذهان المغفلين « [11].

فما ذنب عيسى عليه السلام حتى يصلب ليكون كفارة عن ذنوب الآخرين ؟، وهل من المنطق السليم أن يؤاخذ الإنسان بجريمة غيره ؟، وهل صلب المسيح فداءا للناس كافة أم لخراف بني إسرائيل الضالة ؟وهل هذا الفداء لمن جاءوا قبله أم هو فداء لمن جاءوا بعده؟،وهل كان صلب المسيح لتحقيق العدل والرحمة ؟، وأي عدل ورحمة في تعذيب غير المذنب بغير ذنب ؟، وإذا كان المسيح ابن الله كما يزعمون فأين كانت عواطف الأبوة آنذاك ؟، وأين هو الحنان الأبوي حينما كان الابن الوحيد يلاقي ألوان العذاب بدون ارتكاب أي ذنب ؟ وأين هي الصورة التي رسمها المسيحيون عن الله عز وجل، والذي يسمونه الأب، ويطلقون عليه صفة الرحمة ؟

2ـ قضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام في تصور اليهود

فاليهود يرون أن الصلب هو العقوبة الطبيعية العادلة التي كان يستحقها المسيح عليه السلام،لأنه جدف على الله وادعى أنه ابن الله، وعقوبة التجديف حسب الشريعة الموسوية هي الموت صلبا لكل يهودي يجدف على الله، ويسوع واحد من اليهود، «وقد شهدوا عليه بالتجديف على الله، فأدانوه بهذه الجريمة، فهو بهذا يستحق عقوبة محتومة، ويلقى جزاءاً عادلا هو الصلب« [12].

وتجدر الإشارة إلى أن الصلب «لم يكن عقيدة عند اليهود، ولم تتحدث التوراة ولا الأنبياء عنه « [13]. فإذا ما نظرنا إلى نصوص التوراة نجدها تؤكد على هذا الأمر، ومثاله ما ورد في سفر حزقيال ” النَّفْسُ الَّتِي تُخْطِئُ هِيَ تَمُوتُ. اَلابْنُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الأَبِ، وَالأَبُ لاَ يَحْمِلُ مِنْ إِثْمِ الابْنِ. بِرُّ الْبَارِّ عَلَيْهِ يَكُونُ، وَشَرُّ الشِّرِّيرِ عَلَيْهِ يَكُونُ.” [14].

3ـ قضية ‘صلب’ المسيح عليه السلام في تصور المسلمين

أما عقيدة الصلب عند المسلمين فهي «بسيطة لا تعقيد فيها « [15]، وهي أيضا «فصل الخطاب في موضوع الصلب والفداء « [16]. مصداقاَ لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ۚ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾” [17]. ويبين لنا ابن كثير تفاصيل قضية ‘صلب’ المسيح الحقيقية وفق التصور الإسلامي لها، حيث أن الذي صلب شخص آخر، وأن الحق سبحانه رفع سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام إليه وسينزل في آخر الزمان.

يقول “ابن كثير” في تفسيره هذه الآيات البينات من سورة النساء: « كَانَ مِنْ خَبَرِ الْيَهُودِ -عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ وَسُخْطِهِ وَغَضَبِهِ وَعِقَابِهِ-أَنَّهُ لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى، حَسَدُوهُ عَلَى مَا آتَاهُ اللَّهُ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَاتِ، الَّتِي كَانَ يُبَرِّئُ بِهَا الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَيُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ، وَيُصَوِّرُ مِنَ الطِّينِ طَائِرًا ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَائِرًا يشاهَدُ طَيَرَانُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ بِهَا وَأَجْرَاهَا عَلَى يَدَيْهِ، وَمَعَ هَذَا كَذَّبُوهُ وَخَالَفُوهُ، وسَعَوْا فِي أَذَاهُ بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهُمْ، حَتَّى جَعَلَ نَبِيُّ اللَّهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يُسَاكِنُهُمْ فِي بَلْدَةِ، بَلْ يُكْثِرُ السِّيَاحَةَ هُوَ وَأُمُّهُ، عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ لَمْ يُقْنِعْهُمْ ذَلِكَ حَتَّى سَعَوْا إِلَى مَلِكِ دِمَشْقَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ -وَكَانَ رَجُلًا مُشْرِكًا مِنْ عَبَدَةِ الْكَوَاكِبِ، وَكَانَ يُقَالُ لِأَهْلِ مِلَّتِهِ: الْيُونَانُ-وَأَنْهُوا إِلَيْهِ: أَنَّ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَجُلًا يَفْتِنُ النَّاسَ وَيُضِلُّهُمْ وَيُفْسِدُ عَلَى الْمَلِكِ رَعَايَاهُ. فَغَضِبَ(٨) الْمَلِكُ مِنْ هَذَا، وَكَتَبَ إِلَى نَائِبِهِ بِالْقُدْسِ أَنْ يَحْتَاطَ عَلَى هَذَا الْمَذْكُورِ، وَأَنْ يَصْلُبَهُ وَيَضَعَ الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، وَيَكُفَّ أَذَاهُ عَلَى النَّاسِ.

فَلَمَّا وَصَلَ الْكِتَابُ امْتَثَلَ مُتَولِّي بَيْتِ الْمَقْدِسِ(٩) ذَلِكَ، وَذَهَبَ هُوَ وَطَائِفَةٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي فِيهِ عِيسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، اثْنَا عَشَرَ أَوْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ -وَقِيلَ: سَبْعَةَ عَشَرَ نَفَرًا-وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَيْلَةَ السَّبْتِ، فَحَصَرُوهُ هُنَالِكَ. فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِمْ وَأَنَّهُ لَا مَحَالَةَ مِنْ دُخُولِهِمْ عَلَيْهِ، أَوْ خُرُوجِهِ عَلَيْهِمْ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ؟ فانتَدَب لِذَلِكَ شَابٌّ مِنْهُمْ، فَكَأَنَّهُ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَثَالِثَةً وَكُلُّ ذَلِكَ لَا يَنْتَدبُ إِلَّا ذَلِكَ الشَّابُّ -فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ-وَأَلْقَى اللهُ عليه شبه عيسى، حتى كأنه هو، وفُتحَت رَوْزَنَة مِنْ سَقْفِ الْبَيْتِ، وَأَخَذَتْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سِنةٌ مِنَ النَّوْمِ، فَرُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ [اللَّهُ](١٠) تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ [وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا](١١) ﴾ الْآيَةَ [آلِ عِمْرَانَ: ٥٥].

فَلَمَّا رُفِعَ خَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ فَلَمَّا رَأَى أُولَئِكَ ذَلِكَ الشَّابَ ظَنُّوا أَنَّهُ عِيسَى، فَأَخَذُوهُ فِي اللَّيْلِ وَصَلَبُوهُ، وَوَضَعُوا الشَّوْكَ عَلَى رَأْسِهِ، فَأَظْهَرَ الْيَهُودُ أَنَّهُمْ سَعَوْا فِي صَلْبِهِ وَتَبَجَّحُوا بِذَلِكَ، وَسَلَّمَ لَهُمْ طَوَائِفُ مِنَ النَّصَارَى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ وَقِلَّةِ عَقْلِهِمْ، مَا عَدَا مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَعَ الْمَسِيحِ، فَإِنَّهُمْ شَاهَدُوا رَفْعَهُ، وَأَمَّا الْبَاقُونَ فَإِنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَّ الْيَهُودُ أَنَّ الْمَصْلُوبَ هُوَ الْمَسِيحُ(١٢) ابْنُ مَرْيَمَ، حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّ مَرْيَمَ جَلَسَتْ تَحْتَ ذَلِكَ الْمَصْلُوبِ وَبَكَتْ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَاطَبَهَا، وَاللَّهُ(١٣) أَعْلَمُ.

وَهَذَا كُلُّهُ مِنِ امْتِحَانِ اللَّهِ عِبَادَهُ؛ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْحِكْمَةِ الْبَالِغَةِ، وَقَدْ أَوْضَحَ(١٤) اللَّهُ الْأَمْرَ وَجَلَّاهُ وَبَيَّنَهُ وَأَظْهَرَهُ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى رَسُولِهِ الْكَرِيمِ، الْمُؤَيِّدِ بِالْمُعْجِزَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ وَالدَّلَائِلِ الْوَاضِحَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى -وَهُوَ أَصْدَقُ الْقَائِلِينَ، وَرَبُّ الْعَالَمِينَ، الْمُطَّلِعُ عَلَى السَّرَائِرِ وَالضَّمَائِرِ، الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السموات وَالْأَرْضِ، الْعَالِمُ بِمَا كَانَ وَمَا يَكُونُ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ(١٥) يَكُونُ-: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أَيْ: رَأَوْا شَبَهَهُ فَظَنُّوهُ إِيَّاهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ [وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ](١٦) ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: مَنِ ادَّعَى قَتْلَهُ مِنَ الْيَهُودِ، وَمَنْ سَلَّمه مِنْ جُهَّالِ النَّصَارَى، كُلُّهُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذَلِكَ وَحَيْرَةٍ وَضَلَالٍ وسُعُر. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ أَيْ: وَمَا قَتَلُوهُ مُتَيَقِّنِينَ أَنَّهُ هُوَ، بَلْ شَاكِّينَ مُتَوَهِّمِينَ.

﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ أَيْ مَنِيعَ الْجَنَابِ لَا يُرَامُ جَنَابُهُ، وَلَا يُضَامُ مَنْ لَاذَ بِبَابِهِ ﴿حَكِيمًا﴾ أَيْ: فِي جَمِيعِ مَا يُقَدِّرُهُ وَيَقْضِيهِ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَخْلُقُهَا وَلَهُ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ، وَالْحُجَّةُ الدَّامِغَةُ، وَالسُّلْطَانُ الْعَظِيمُ، وَالْأَمْرُ الْقَدِيمُ.

قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ سِنَان، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ المِنْهَال بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عباس قال: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَرْفَعَ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، خَرَجَ عَلَى أَصْحَابِهِ -وَفِي الْبَيْتِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ-يَعْنِي: فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَيْتِ، وَرَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً، فَقَالَ: إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ(١٧) مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِي. ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ يُلْقَى عَلَيْهِ شَبَهِي، فَيُقْتَلُ مَكَانِي وَيَكُونَ مَعِي فِي دَرَجَتِي؟ فَقَامَ شَابٌّ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ ذَلِكَ الشَّابُّ، فَقَالَ: اجْلِسْ. ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِمْ فَقَامَ الشَّابُّ فَقَالَ: أَنَا. فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ ذَاكَ.

فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَه عِيسَى وَرُفِعَ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَة فِي الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ. قَالَ: وَجَاءَ الطَّلَبُ مِنَ الْيَهُودِ فَأَخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ وَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ(١٨) مَرَّةً، بَعْدَ أَنْ آمَنَ بِهِ، وَافْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: كَانَ اللَّهُ فِينَا مَا شَاءَ ثُمَّ صَعِدَ إِلَى السَّمَاءِ. وَهَؤُلَاءِ الْيَعْقُوبِيَةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا ابْنُ اللَّهِ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ.

وَهَؤُلَاءِ النُّسْطُورِيَّةُ، وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: كَانَ فِينَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مَا شَاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ. وَهَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ، فَتَظَاهَرَتِ الْكَافِرَتَانِ عَلَى الْمُسْلِمَةِ، فَقَتَلُوهَا، فَلَمْ يَزَلِ الْإِسْلَامُ طَامِسًا حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ.
وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي كُرَيب، عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، بِنَحْوِهِ « [18]


 الهوامش

[1] ابن منظور –لسان العرب- دار صادر،بيروت ط 3،1414هـ 1994م،ص: 426 [2]الراغب الأصفهاني ـ مفردات ألفاظ القرآن ـ تحقيق صفوان عدنان داودي، دار الأنصار، ط 1، 1305هـ1985 م، ص 489

[3] سارة بنت حامد بن محمد العبادي ـ موقف اليهود والنصارى وإبطال شبهاتهم حوله ـ مكتبة الرشد، ط 1 – 1426هـ 2005م، ص: 423

[4] محمد عيسى ـ سلسلة البراهين في كشف خداع المنصرين ـ الجزء الأول ـ خدعة الخطيئة الأصلية ـ الطبعة التجريبية، ص32 ـ بتصرف ـ

[5] صابر طعيمة – التاريخ اليهودي العام- ج 1،دار الجيل للنشر والطبع والتوزيع، الطبعة 2، 1983 م، ص: 357

[6] يطلق عليهم اليهود المنعزلين، وذلك لقولهم بالبعث وقيامة الساعة، ويعتقدون بالملائكة والشياطين، ولا يقدمون القرابين في المعابد وهم أشبه ما يكونون بالزهاد والمتصوفة، يهتمون بالتوراة كثيرا كما يهتمون بالتلمود، يعتقدون بأن الحاخامات سلطة عليا، وأن أقوالهم صادرة عن الله وأن مخافتهم هي مخافة الله، ويرون أن الحاخامات معصومون من الخطأ(عبد الله الفرحات، الأديان المعاصرة ط 2 / 1406-1985م، جمعية الدعوة الإسلامية العالمية ص60

[7] عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني – مكايد يهودية عبر التاريخ –،، دار القلم دمشق، ط 6، 1996 م ص: 31

[8] داوود علي الفاضلي – أصول المسيحية كما يصورها القرآن- مكتبة المعارف للنشر والتوزيع الرباط. ص 93

[9] سعود بن عبد العزيز الخلف , دراسات في الأديان اليهودية والنصرانية، مكتبة أضواء السلف، ط 1،1418هـ 1997 م , ص 225

[10] ـ محمد مجدي مرجان , المسيح إنسان أم اله، مكتبة النافدة٬ الطبعة الثانية 2004م. ص: 150

[11] محمد علي الصابوني- النبوة والأنبياء – دار الصابوني –القاهرة- ط 1/ 1418هـ-1998 م.ص:202

[12] عبد الكريم الخطيب – المسيح في القرآن والتوراة و الإنجيل – دار المعرفة للطبع والنشر بيروت –الطبعة 2-ص: 347

[13] محمد عاشور اليهود في عصر المسيح , دار القلم دمشق , دار الشامية بيروت ص 107

[14] سفر حزقيال الإصحاح 18/ 20

[15] عبد الوهاب النجار – قصص الأنبياء –مكتبة وهبة، ط 3 ص: 422

[16]. محمد علي الصابوني – النبوة والأنبياء – ص:201

[17] سورة النساء الآية 155- 156 -157-158

[18] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، النسخة الإلكترونية

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.