منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خطبة: خمسة أوصاف ولد بها المصطفىﷺ

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني / خمسة أوصاف ولد بها المصطفىﷺ

0

خطبة: خمسة أوصاف ولد بها المصطفىﷺ

للشيخ عبد الله بنطاهر

الحمد لله جعل ولادة المصطفىﷺ إرواء لكل غليل، فأنزل عليه القرءان شفاء لكل عليل، وأرسله بشريعة تخفف عنا الصعب والثقيل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا مثيل، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله اصطفاه من نسب له في الشرف أصل أصيل، ومن سلالة هي لكل مجد علامة ودليل، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين لهم في نشر دين الله الباع الطويل، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم نهاية الدنيا بمتاعها القليل.

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

قدمنا لكم في الجمعة الماضية أن هذا الشهر يسمى شهر الربيع النبوي؛ ليس فقط لأنه شهر ولاة المصطفيﷺ؛ بل لأن الله تعالى جمع فيها أحداثا كثيرة يحمل إلينا اليوم ذكرياتها؛ فكان هذا الشهر مناسبة تفرض علينا الحديث عن سيرتهﷺ، وقد صادف هذا الشهر ما تحدثت عنه وسائل الإعلام أن الذي كان يسيء للنبيﷺ برسومه البئيسة قد مات في حادثة سير واحترق حتى تفحم؛ وذلك لأن الله تعالى قد كلف النبيﷺ بتبليغ دين الإسلام، وفي المقابل والجزاء تكفل الله تعالى بعصمته وحمايته من شرور الناس، فقال تعالى: {يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ بَلِّغۡ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمۡ تَفۡعَلۡ فَمَا بَلَّغۡتَ رِسَالَتَهُۥۚ وَٱللَّهُ ‌يَعۡصِمُكَ مِنَ ٱلنَّاسِ}، وقال سبحانه: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ ‌ٱلۡأَبۡتَرُ}؛ أي: إن مبغضك -أيها النبي- هو الأذل الحقير.

المزيد من المشاركات
1 من 61

ولكن ليس من الغريب أن يسيئ الكفار للمصطفيﷺ؛ فقد وقع هذا حتى في حياتهﷺ، فقالوا عنه: إنه مجنون وساحر وشاعر إنما يعلمه بشر…؛ بل من الغريب أن يجهل المسلم سيرتهﷺ، وكيف يحب الإنسان من يجهل ويجهل من يحب!؟ وأغرب من ذلك أن يهجُر المسلم اتباعهﷺ، وأن يجاهر بمعصيتهﷺ؛ والله تعالى يقول: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}.

لَوْ كانَ حُبُّكَ صَادِقاً لأَطَعْتَهُ * إنَّ الْمُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ

ومن أجل محاربة هذا الجهل بسيرتهﷺ سنخصص خطبة اليوم بخمسة أوصاف ولد بهاﷺ وتميز بها؛ فقد ولدﷺ (خاتما مختوما مختونا مسرورا يتيما)

الوصف الأول: ولد المصطفىﷺ خاتما للأنبياء يدل عليه قول الله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتِم النَّبِيِّينَ}، ولم يسجل التاريخ بعدهﷺ شخصا ادعى النبوة فنجح، وكل من ادعى ذلك فمجرد كذاب ماكر؛ بدأ من مسيلمة الكذاب، إلى ميرزا غلام أحمد القادياني في الهند المسمى مسيلمة البنجاب، والبنجاب إقليم من أقاليم الهند.
وإنما كان المصطفىﷺ خاتم الأنبياء لأنه جاء رسولا للعالمين، ودينه يصلح لكل زمان ومكان، حقيقة تفزع كل من يعادي الإسلام؛ لأنها ليست مجرد كلام؛ بل لها أصل فيما وقع في الماضي، وعلاج لمشاكل ما يقع في الحال، وتأثير فيما يتوقع في المآل.

الوصف الثاني: ولد المصطفىﷺ مختوما، بين كتفيه خاتم النبوة وهو عبارة عن نقطة سوداء تشبه الخال عليها شعيرات، وقد رآه عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم؛ فقد روى الحاكم وصححه أن حبرا من أحبار اليهود صادف وجودُه في مكة من أجل التجارة ولادةَ النبيﷺ، فرآى تلك الليلة علامات كونية قرأها في التوراة تدل على ولادة خاتم الأنبياء فسأل أهل مكة؟ فقيل له: ولد اليوم يتيم لعبد الله بن عبد المطلب، فسارع لرؤيته فوجد فعلا بين كتفيه خاتم النبوة، وأخبر أمه ومن حضر معها بأن هذا الطفل هو خاتم الأنبياء والمرسلين.

الوصف الثالث: ولد المصطفىﷺ مختونا، والختان (ويسمى عندنا طهارة الأطفال) هو سنة سيدنا إبراهيم عليه السلام، وقد ثبت علميا ما فيه من الفوائد الصحية؛ قال الحاكم في مستدركه: «وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِﷺ وُلِدَ مَخْتُونًا مَسْرُورًا».

الوصف الرابع: ولد المصطفىﷺ مسرورا؛ وقد ثبت ذلك أيضا بالتواتر؛ وكلمة «مسرورا» تدل على أمرين:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 19

1) أنهﷺ ولد مقطوع الحبل السُّري الذي يربط الجنين بأمه وهو في بطنها وهو المسمى بالأمازيغية (أبوض) وهذا الذي عليه جمهور أهل السير.

2) وقيل: من السرور وهو الفرح؛ وهذا يخالف ما عليه العادة عند الولادة حيث ما من طفل إلا ويولد بالصرخة، والصرخة تدل على ألم مّا، تسمى الاستهلال وتدل على حياة المولود تترتب عليها الأحكام الشرعية؛ قال سيدنا علي رضي الله عنه:

ولدتك أمك يا ابن آدم باكيـــــا * والناس حولك يضحكون سرورا

فاعمد إلى عمل تكون إذا بكوا * في يوم موتـك ضاحكا مسرورا

ولكن النبي المصطفىﷺ ولد مسرورا، والسرور يتنافى مع الصراخ، والصراخ والسرور ضدان لا يجتمعان.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين أجمعين والحمد لله رب العالمين.

الحمد لله رب العالمين…

أما بعد فيا أيها الإخوة المؤمنون؛

أما الوصف الخامس: فقد ولد المصطفىﷺ يتيما؛ وذلك عندما تزوج والده عبد الله بأمه آمنة سافر في تجارة إلى الشام ولم يعلم بأن زوجته حامل بجنين سيتغير وجه العالم على يديه، وبقيت آمنة تنتظر عودته، لتزف له بشراها، ولتخبره بالجنين الذي بدأ يتحرك في أحشائها، ولكن القافلة رجعت بكل رجالها إلا عبد الله زوج آمنة، لقد مرض في الطريق ومات في المدينة التي سوف تكون يوما منطلق دعوة الجنين التي خلفه في بطن زوجته.

تصوروا -يا عباد الله- حال آمنة أم النبيﷺ: امرأة في زهرة شبابها، تزوجت بزوج تبادله الود والحب والعطف والحنان، وهي تنتظر رجوعه على شوق أحر من الجمر لتفاجئه بهذا البشرى التي تحمل في أحشائها، إذا بها تفاجأ بموته؛ هل تحسون بالألم الذي اعتصر قلبها وبالمعاناة التي تعاني منها والمصطفىﷺ جنين في بطنها؟ ولكن رغم كل هذا فقد استمرت الحياة، وولد النبيﷺ ليغير العالم، فمن الذي يستطيع أن يتصور يومئذ أن هذا الجنين الذي سيولد يتيما سيتغير العالم على يديه؟

هكذا تعلمنا السيرة في ولادة المصطفىﷺ أن اليأس لا محل له في قلب المؤمن، {وَلَا تَاْيۡـَٔسُواْ مِن ‌رَّوۡحِ ‌ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ لَا يَاْيۡـَٔسُ مِن ‌رَّوۡحِ ‌ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ} {وَمَن ‌يَقۡنَطُ مِن رَّحۡمَةِ رَبِّهِۦٓ إِلَّا ٱلضَّآلُّونَ}؛ فرغم الهزيمة التي تعاني منها الأمة المسلمة في كثير من الأصعدة، فلا ينبغي للمسلم أن ييأس وهو يعاني، لا ينبغي له أن يقنط وهو يتألم؛ بل يجب أن يكون رجاؤنا في الله كبيرا، ونعمل من أجل تحقيق هذا الرجاء ليلا ونهارا، ونصبر في أداء هذا العمل صبرا كثيرا.

ألا فاتقوا الله عباد الله وأكثروا من الصلاة والسلام على رسول اللهﷺ…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.