منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ظاهرة انتزاع الأطفال من ذويهم في الغرب

ظاهرة انتزاع الأطفال من ذويهم في الغرب/ موفق شيخ إبراهيم

0

ظاهرة انتزاع الأطفال من ذويهم في الغرب”

بقلم: موفق شيخ إبراهيم

تواترت الأخبار في عالم تحوَّل إلى قرية صغيرة، تفيد حالات سحب المؤسسة الاجتماعية “السوسيال” لبعض أطفال المسلمين في بعض دول غرب وشمال أوربا.

وللأمانة العلمية فإني أؤكد على أن أبناء المسلمين، وإن كانوا مستهدَفين أكثر من غيرهم، إلا أنهم ليسوا الوحيدين.

وملاحظة أخرى أشير فيها إلى أن في ألمانيا وهولندا مثلاً، يتم انتزاع الأطفال من ذويهم، في حال ثبوت تقصير الوالدين أو أحدهما تجاه أولادهم، وبحكمٍ من القضاء، يأخذ في عين الاعتبار تقرير المراقب الذي يأتي مرتين في الأسبوع ليتأكد من الحالة.

ومن هنا فإن صراخ أفراد العائلة فيما بينهم، أو الحركة الزائدة للطفل، والتي تلحق الأذى بأقرانه في المدرسة، وكذا انشغال الأم بضيوفها أو بالتلفاز أو الهاتف لساعات طويلة، كل هذا قد يلحق الضرر، ويهدد استقرار العائلة.

والحالة في السويد مختلفة إلى حدٍّ كبيرٍ، فإن “السوسيال” هي سلطة عليا تفوق جهاز الشرطة، ودون سلطة المحاكم الإدارية، لكن من المؤسف وجود تواطؤ أكيد بينها وبين القضاء، وبينها وبين مراكز الرعاية الاجتماعية. والحصاد المرُّ لهذا التنسيق المشبوه هو تحول هذا الجهاز إلى مجموعة من “المافيات”، تعمل على الاتجار بالبشر بشكل ممنهج ومقنن ومشوب بحقد صليبي جليٍّ وواضح.

وهذا مؤشر على أن بعض الحاقدين من أصحاب القرار، خاصة في دولة السويد، لا زالوا يعيشون أجواء وثقافة الحروب المقدسة التي كانت في العصور الوسطى. هذه حقيقة، وكفانا تضليلاً للرأي العام وإخفاء للحقائق وتزييفاً لوعي الجماهير.

وقائع لا يمكن تصور أحداثها، إذ لا يعقَل أن تختطَف فتاة مسلمة، من مدرستها وبدون إخبار أهلها، لمجرد ارتدائها الحجاب في سنٍّ مبكرة، أو طالب انتقد دروس الثقافة الجنسية، التي تدعو إلى ممارسة الفاحشة بثوب مزخرف ومخادع. أو طالبة تحافظ على غشاء بكارتها بسبب ما تلتزم به من مبادئ! ومن يتم اختطافه يذهب إلى عائلات بديلة ثرية يتعرض فيها إلى استغلاله جنسياً، أو إلى دور الرعاية الاجتماعية التي لا تعرف للقيم الإنسانية معنى.

وثالثة الأثافي أن ثلاثة من كل أربعة ممن تنحوا عن أهليهم، يصابون بحالات اكتئاب طويلة الأمد. ووفق إفادة المركز الوطني لمكافحة الجريمة في السويد، فإن قانون مراقبة الأجانب، وانتشار ثقافة الكراهية والعنصرية المقيتة، وبسبب خوف ربّ العائلة على هوية أولاده، يهرب بهم إلى المجهول، ليدفع ضرائب متتالية، تفوق الخيال ونتوء بحمل ثقلَها الجبال.

القانون الصادر في السويد منذ سنة 1982م، ظاهره الحفاظ على الطفل، إلا أنه يتسبب بنزع سبعة عشر ألفاً عن ذويهم كل عام، وعلى مدى عقود فقد بدأت الآن الأصوات تتعالى من أناس من السكان الأصليين في السويد، يتحدثون عن قسوة هذا القانون الجائر الذي بمقتضاه لا ينتزَع الولد لتعاطيه المخدرات أو لسرقة قام بها، بل لأن أبويه انشغلوا عنه ولو لبرهة يسيرة من الوقت! والآن في أوساط العائلات المسلمة، لا يجرؤ الوالدان على توجيه أولادهم خشية أن يتسببوا في خسارتهما لهم، وهاجس الخوف هذا يقضُّ مضاجعهم، فلا يرقأ لهم جفنٌ ولا تكتحل أعينهم بنوم!

ومن الوقائع الثابتة والمؤلمة، على سبيل التمثيل لا الحصر، وفق ما أذاعه راديو السويد الناطق باللغة العربية، بتاريخ 10/11/2021م، قيام مصلحة الرعاية الاجتماعية في السويد؛ بأخذ طفل بعد يومين من ولادته!

قسم الأمومة في مستشفى “سودرتاليا” أبلغ مصلحة الرعاية الإجتماعية قلقهم حول سلامة الطفل. والأب لا يتحدث اللغة السويدية، ولم يجَب طلبه بوجود مترجم في زياراته. كما أفاد محامي الطفل أن المحكمة الإدارية، قد قامت بحذف جزء من التحقيقات التي تصبُّ في مصلحة الأبوين، مما يبعث القلق على انعدام الحيادية في المؤسسات القضائية، في بلد تدعي فيه تقديس حرية الفرد “الليبراتس”.

عشرات الحالات المأسوية، لا يحتمل المقام ذكرها هنا، ومما كتِب لها الانتشار الواسع، حالة تلك العائلة السورية التي فقدت خمس أولاد لها، بذريعة عدم توفر أهلية التربية ومقوماتها عند الأبوين (دياب وأمل)، وذلك منذ سنة 2018م وحتى اللحظة!

وفي وقت سابق ظهرت أقلام حرَّة تدق ناقوس الخطر، ولعل أبرزها كتاب: “الاتجار المربح بالبشر”، لمؤلفه السياسي والبرلماني السابق “أوفي سبيدن”. والمتوفر باللغتين الإنكليزية والسويدية على منصَّة Amazon. فمن رام التوسع في معرفة تفاصيل هذه المعضلة الشائكة، فلينظرها فيه.

بعد الفراغ من توصيف الظاهرة، لا بد من وضع رؤى وحلول تساعد على الحدِّ من خطورة الموقف وتأزم المشهد، بسبب ما لحق بالإنسانية والفطرة البشرية ومنظومة القيم من انتكاسات وارتكاسات تنبأ عن خطر محدق ودمار محقَّق. ولعل في التالي ما يسهم في عملية الإصلاح المرجوة وتصويب للمسار، ولو بشكل نسبي إذ بوارق الأمل مع بالغ الأسف، لا تلوح في الأفق على المدى المتوسط أو القريب. ومن الرؤى التي اهتديت إليها:

– العمل الحثيث على ترشيد العملية التربوية، للآباء وللأبناء على حدٍّ سواء. وكم من الحالات التي يستعمل فيها الأبوان؛ الضرب والتعنيف بالألفاظ القاسية لأبنائهم.

– العمل على تعريف الأجيال المسلمة الصاعدة بقوانين البلد المضيف، واحترام تقاليده؛ التي لا تخدش حرية الآخرين وكرامتهم.

– تضافر الجهود وتجميع الإمكانات بغية التعامل مع الحالات التي وقع فيها سحب أطفال من أسرهم بروية وحكمة، ودراسة الخيارات القانونية والهوامش المتاحة والقابلة للتطبيق، على مستوى الأفراد والمؤسسات الموجودة والفاعلة على أرض الحدث في مملكة السويد وغيرها.

وأخصُّ منها المراكز الإسلامية، من مثل اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا، والهيئات المرجعية التي لاقت القبول من عامة المسلمين المقيمين على ساحتها الجغرافية، من مثل المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث. والمؤسسات التي تعنى بالشأن القانوني، من مثل منظمة الكرامة في “جنيف” والرابطة الإسلامية الحقوقية في بريطانيا. وللمؤسسات الإعلامية دور أساس في توصيف الحالات وفق معايير الشفافية وبعيداً عن الأدلجة، من مثل Middle East Eye ميدل إيست آي، وأيضاً مراكز الدراسات، من مثل مركز أوكسفورد للدراسات الإسلامية، ومن مثل الجمعية الدولية للعلوم والثقافة في مدينة “أبسالا” السويدية، وكذا مؤسسة قرطبة للحوار العربي الأوربي.

– ضرورة أن يكون المسلمون في الساحة الواحدة على قلب رجل واحد، وما نكرهه في الجماعة، خير مما نحبه في الفرقة.

– حثُّ العلماء ورجال الفكر وأصحاب الأقلام النظيفة، حكامَ بلدان المسلمين، على ممارسة الضغوط على الاتحاد الأوربي والمؤسسات المعنية لإنهاء هذه المأساة وضبط القوانين الفضفاضة ذات الصلة.

– فضح الممارسات الخاطئة، للمافيات التي تعمل على تغيير ثقافة الآخرين ومعتقداتهم، أمام الرأي العام الغربي، والإشارة إلى أن جزءاً من الضرائب التي يدفعها الأوربيون تذهب لخدمة

الفاسدين والبراغماتيين في مراكز الرعاية الاجتماعية، خاصة في مملكة السويد، والدعوة إلى انتفاضة جماهيرية في الشارع السويدي لإنهاء هذه المأساة.

– التعاطف مطلوب وبشدَّة، مع كل أبوين مكلومين بفراق ولدهما، والتجييش الإعلامي ضمن أطره الصحيحة هو من الضرورة بمكان، مع ملاحظة التأكد من صحة أي معلومة ننشرها ونبني عليها، وإنِ اعتراها التهافت وانتفت الصحة، فنكون قد قدمنا خدمةً مجانية لليمين المتطرف الذي يضرب على وتر “الإسلام فوبيا”، ويعمل ليل نهار ضدَّنا!

– ضرورة العمل على مشاركة أبناء المسلمين من أصحاب الكفاءات العلمية، في وزارات ومؤسسات الدولة المضيفة، بغية المشاركة في اتخاذ القرار، ولو على المدى البعيد.

– بذل الجهد المستدام، من جهة الأبوين دون كلل أو ملل، والخروج على وسائل الإعلام لشرح مأساتهم، في حال إفلاسهم من المرجعيات القضائية.

– التواصل الحثيث مع شخصيات فاعلة من أهل السياسة والإعلام، واستعمال أوراق القوة الناعمة بغية استصدار قوانين تخفف من حدَّة هذه الظاهرة النكدة.

– العمل على توسيع رقعة المدارس الإسلامية بغية استيعاب أبناء المسلمين، وتعزيز هويتهم.

– النأي عن توجيه السباب والشتائم للدول المضيفة، وكذا الشحن الإعلامي العاطفي؛ الذي لا يجدي نفعاً ولا يغير واقعاً. وله انعكاساته السلبية على الوجود الإسلامي هناك.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.