منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مفهومي: الابتلاء والفتنة

مفهومي: الابتلاء والفتنة/ أنيسة بنعيم سحتان

0

مفهومي: الابتلاء والفتنة

أنيسة بنعيم سحتان

الابتلاء لغة:

أما الابتلاء: فيقال: بلوت الرجل بلوا وبلاء وابتليته: اختبرته. وبلاه يبلوه بلوا: إذا جربه واختبره. وبلاه الله بلاء وابتلاء: أي اختبره وامتحنه. وأبلاه بالألف وابتلاه بمعنى. والاسم: البلوى والبلوة والبلية والبلية والبلاء ([1]).

والمعروف أن الابتلاء يكون في الخير والشر، يقال في الخير: أبليته، وفي الشر: بلوته بلاء ([2]). ومنه قوله تعالى: ” وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٗۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَۖ “[ الأنبياء: 35 ]  .

وجاء في لسان العرب: “وقال الأعرابي: أبلى بمعنى أخبر، وابتلاه الله: امتحنه، والاسم: البلوى والبلية والبلاء، وبلي بالشيء بلاء وابتلي” ([3])

وقال الفيروز آبادي: ” وابتليته: اختبرته، وابتليت الرجل فأبلاني: اختبرته فأخبرني، وامتحنته واختبرته، كما بلوته بلولا وبلاء، والاسم: البلوى والبلية والبلاء، الغم كأنه يبلى الجسم، والتكليف بلاء، لأنه شاق على البدن أو لأنه اختبار”([4]) .

وقال الفيومي في المصباح لمنير: “بلي الثوب يبلى، من باب تعب، بلي بالكسر والقصر وبلاء بالفتح والمد، أي: خلق. فهو بال “([5]) .

وفي المعجم الوسيط:” ابتلاه” جربه وعرفه، والبلاء: الحادث ينزل بالمرء ليختبر به، والبلاء: الغم والحزن، والبلاء: مبالغة الجهد في الأمر، والبلى: القدم، والبلوى: المصيبة، والبلي: الشديد البلى، البلية: المصيبة، وجمعها بلايا، والبلية في الجاهلية: الناقة يموت صاحبها فتحس على قبره حتى تموت”([6]) .

ذكر الراغب الأصفهاني: ” أن البلاء يكون منحة ويكون محنة، وذلك عندما زاد وجها ثالثا، فقال:” والثالث: أن اختبار الله تعالى لعباده تارة بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، فصارت المحنة والمنحة جميعا بلاء، فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة أعظم البلاءين” ([7]).

الفتنة لغة:

جاء في المعجم الوسيط: ” الفتنة الاختبار بالنار والابتلاء، وفي التنزيل العزيز:“وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٗۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَۖ “[ الأنبياء: 35]، والإعجاب بالشيء والاستهتار به والتدله بالشيء والاضطراب وبلبلة الأفكار، وفي التنزيل العزيز: ” فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنْهُ اُ۪بْتِغَآءَ اَ۬لْفِتْنَةِ” [ آل عمران: 7 ] ، والعذاب وفي التنزيل العزيز:” ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ هَٰذَا اَ۬لذِے كُنتُم بِهِۦ تَسْتَعْجِلُونَۖ” [ الداريات: 14 ] ، وفتنة الصدر الوسواس([8]) .

وفي المفردات في غريب القرآن: ” أصل الفتن إدخال الذهب النار لتظهر جودته عن رداءته، واستعمل في إدخال الإنسان النار. قال تعالى:”يَوْمَ هُمْ عَلَي اَ۬لنّ۪ارِ يُفْتَنُونَۖ” [ الذاريات: 13 ]، “ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ “[ الذاريات: 14 ]، أي: عذابكم، وذلك نحو قوله: ” كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ اُ۬لْعَذَابَۖ” [ النساء: 55 ]، وقوله:”اِ۬لنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا” [غافر: 46]، وتارة يسمون ما يحصل عنه العذاب فيستعمل فيه. نحو قوله:   “أَلَا فِے اِ۬لْفِتْنَةِ سَقَطُواْۖ” [التوبة: 49]، وتارة في الاختبار نحو: ” وَفَتَنَّٰكَ فُتُوناٗۖ ” [ طه: 40 ]، وجعلت الفتنة كالبلاء في أنهما يستعملان فيما يدفع إليه الإنسان من شدة ورخاء، وهما في الشدة أظهر معنى وأكثر استعمالا، وقد قال فيهما: ” وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٗۖ ” [ الأنبياء: 35 ] “([9]).

وقال الرازي في مختار الصحاح: فتنت الذهب والفضة إذا أحرقته بالنار؛ ليبين الجيد من الرديء. ولذلك يسمى الصائغ الفتان، وكذا الشيطان ([10]) .

فكأن الأصل في استعمال الفتنة هو الاختبار والامتحان، ومنه قوله تعالى : «الْمُؤْمِنَ خُلِقَ مُفَتَّنًا»([11]) أي: ممتحنا يمتحنه الله بالذنب، ثم يتوب، ثم يعود، ثم يتوب.

وقد كثر استعمالها فيما أخرجه الاختبار للمكروه . ثم كثر حتى استعمل لفظ الفتنة بمعنى الإثم: والكفر، والقتل، والقتال، والإحراق، والإعجاب بالشيء، والإزالة، والصرف من الشيء ([12]).وهو ما نعرض له في معناها الاصطلاحي المبني على الاستعمال .

معنى الابتلاء والفتنة في الاصطلاح

والمقصود بالاصطلاح هنا هو الاستعمال القرآني لهذين اللفظتين، ذلك الاستعمال المبني في الأصل على المعنى اللغوي لهما .

أما الابتلاء فقد ورد في القرآن على ثلاثة أوجه:

الأول: بمعنى النعمة، يقول تعالى:”وَلِيُبْلِيَ اَ۬لْمُومِنِينَ مِنْهُ بَلَآءً حَسَناًۖ”[ الأنفال: 17 ] أي: ولينعم.

الثاني: بمعنى الاختبار والامتحان، كما في قوله تعالى: “هُنَالِكَ اَ۟بْتُلِيَ اَ۬لْمُومِنُونَ” [ الأحزاب: 11 ] وقوله تعالى: “لِيَبْلُوَكُمُۥٓ أَيُّكُمُۥٓ أَحْسَنُ عَمَلاٗۖ” [ هود: 7، الملك: 1 ]  .

الثالث: بمعنى المكروه، يقول تعالى: “وَفِے ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٞۖ “[ البقرة: 48، الأعراف: 141 ]، أي: محنة.

والبلاء هنا المصيبة بالشر، فسمي بأصل معنى البلاء – وهو الاختبار – لأنه اختبار لمقدار الصبر، فالبلاء مستعمل في شدة المكروه، من تسمية الشيء باسم ما يؤول إليه على طريقة المجاز المرسل.

وسمي الغم بلاء، من حيث إنه يبلى الجسم . وسمي التكليف بلاء؛ لأن التكاليف مشاق على الأبدان، أو لأنها اختبارات؛ ولهذا قال عز وجل:” وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّيٰ نَعْلَمَ اَ۬لْمُجَٰهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّٰبِرِينَ وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمُۥٓۖ” [ محمد: 32 ] .

واختبار الله تعالى لعباده تارة بالمسار ليشكروا الله، وتارة بالمضار ليصبروا، فصار المنحة والمحنة جميعا بلاء . فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر .

والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر . فصارت المنحة أعظم البلاءين .

ولهذا قال عبد الرحمن بن عوف  : « ابْتُلِينا بالضَّرَّاء فَصَبَرْنَا، وابتُلِينا بالسَّرَّاء فَلَمْ نَصْبِرْ»)[13] .

وقال تعالى : ” وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٗۖ ” [ الأنبياء: 35 ] [14] .وقال تعالى:” بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٞۖ” [ البقرة: 48 ] . راجع إلى المحنة التي في قوله تعالى: “يُذَبِّحُونَ أَبْنَآءَكُمْ”[ البقرة: 49 ] وإلى المحنة حيث أنجاهم .

وإذا قيل: ابتلى فلان كذا وأبلاه فذلك يتضمن أمرين:

  • أحدهما: تعرف حاله والوقوف على ما يجعل من أمره .
  • والثاني: ظهور جودته ورداءته .

وإذا قيل: بلا  الله كذا، وابتلاه ، فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته، دون التعرف لحاله والوقوف على ما يجهل من أمره، إذ كان الله علام الغيوب. وعلى هذا قوله عز وجل: “وَإِذِ اِ۪بْتَل۪يٰٓ إِبْرَٰهِـيمَ رَبُّهُۥ بِكَلِمَٰتٖ فَأَتَمَّهُنَّۖ” [ البقرة: 123 ]([15]) .

وقد شاع إطلاق لفظ (البلاء)– بصيغة اسم المصدر– على الاختبار بالشر والمكروه، وما ورد منه مستعملا في الخير فإنما ورد بصيغة الفعل، كقوله تعالى: “وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةٗۖ” [ الأنبياء: 35 ] وقوله تعالى :”وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمُۥٓۖ” [ محمد: 32 ] ([16]) .

وأما الفتنة في الاصطلاح، فقد وردت في القرآن على أحد عشر وجها:

1– بمعنى العذاب، كما في قوله تعالى: ” ذُوقُواْ فِتْنَتَكُمْ “ [ الذاريات: 14 ] .

2– بمعنى الشرك، قوله تعالى “وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ اَ۬لْقَتْلِۖ “ [ البقرة: 215 ].

3– بمعنى الكفر، كقوله تعالى: ” لَقَدِ اِ۪بْتَغَوُاْ اُ۬لْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ اَ۬لُامُورَ” [ التوبة: 48 ].

4– بمعنى الإثم: كقوله تعالى: “فَلْيَحْذَرِ اِ۬لذِينَ يُخَالِفُونَ عَنَ اَمْرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ”[النور: 61].

5– بمعنى التعذيب والحرقة: كقوله تعالى:” اِنَّ اَ۬لذِينَ فَتَنُواْ اُ۬لْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَٰتِ”  [ البروج: 10] .

6– بمعنى القتل والهلاك، كقوله تعالى: “فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ اَن تَقْصُرُواْ مِنَ اَ۬لصَّلَوٰةِ إِنْ خِفْتُمُۥٓ أَنْ يَّفْتِنَكُمُ اُ۬لذِينَ كَفَرُوٓاْۖ”[ النساء: 100 ]

7– بمعنى الصد من الصراط المستقيم، كقوله تعالى:” وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ اِ۬لذِےٓ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ “[ الإسراء: 73 ] .

8– بمعنى الحيرة والضلال، كقوله تعالى: ” وَمَنْ يُّرِدِ اِ۬للَّهُ فِتْنَتَهُۥ فَلَن تَمْلِكَ لَهُۥ مِنَ اَ۬للَّهِ شَيْـٔاٗۖ”  [ المائدة: 43 ] .

9– بمعنى العذر والعلة، كقوله تعالى:”ثُمَّ لَمْ تَكُن فِتْنَتَهُمُۥٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَۖ “[ الأنعام: 24 ]

–10 بمعنى الجنون والغفلة: كقوله تعالى: “فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَييِّكُمُ اُ۬لْمَفْتُونُۖ “6″[ القلم: 5، 6 ].

11– بمعنى البلاء والمحنة، كقوله تعالى: “اَحَسِبَ اَ۬لنَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوٓاْ أَنْ يَّقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَۖ “[ العنكبوت: 1 ] .

والفتنة من الأفعال التي تكون من الله تعالى، ومن العبد، كالبلية، والمصيبة، والقتل، والعذاب، ونحوه من الأفعال المكروهة. ومتى كان من الله إنما يكون على وجه الحكمة، ومتى كان من الإنسان بغير أمر الله ([17]) يكون ضد ذلك؛ ولهذا يدم الله الإنسان بأنواع الفتنة في كل مكان، نحو قوله تعالى:”وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ اَ۬لْقَتْلِۖ”  [ البقرة: 190 ] وقوله تعالى:” اِنَّ اَ۬لذِينَ فَتَنُواْ اُ۬لْمُومِنِينَ وَالْمُومِنَٰتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ اُ۬لْحَرِيقِۖ  “[ البروج: 10 ] ([18]) .

المعنى المشترك بين كل من الابتلاء والفتنة : هو الاختبار والامتحان للإنسان في الشدة والرخاء، سواء كان هذا الاختبار للصبر، أو للشكر، أو للأجر، أو للتوجيه، أو للتأديب، أو للتمحيص والتمييز، أو لغير ذلك من الأغراض الشرعية الصحيحة ([19]). وكذلك لفظ البلاء مع زيادة في المعنى الذي نريده بلفظ” البلاء ” وهو الحادث الذي فيه شدة ومشقة وينزل بالمرء لغرض اختباره وامتحانه به.


([1]) لسان العرب، لابن منظور، مادة: (بلا )14/84

([2]) الكليات، لأبي البقاء الكفوي، ص: 34

[3])) لسان العرب، ابن منظور، مادة: ( بلا ) 14/84

([4]) القاموس المحيط، الفيروز آبادي مادة (بلى) ، ص: 1264 . مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة: بلي، ص:145

([5]) المصباح المنير، للفيومي، مادة (بله)، ص: 24

([6]) المعجم الوسيط، إبراهيم مصطفى، أحمد حسن الزيات، حامد عبد القادر، محمد علي النجار، مجمع اللغة العربية، أشرف على طبعه عبد السلام هارون، مطبعة مصر، 1371ه، 1961م، مادة (بلاه) 1/71 .

([7]) مفردات ألفاظ القرآن،  للراغب الأصفهاني، مادة (بلى)، ص: 145

([8]) المعجم الوسيط، 2/680

([9]) المفردات في غريب القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة (فتن) 2/471-472

([10]) مختار الصحاح، للرازي، مادة: (فتن) ص: 205

([11]) أخرجه عبد بن حميد في مسنده، ص: 225 . والطبراني في المعجم الكبير، 11/304 . والبيهقي في شعب الإيمان 5/419 كلهم عن ابن عباس .

([12]) النهاية في غريب الحديث والأثر، لمجد الدين أبي السعادات المبارك بن محمد الجزري، المعروف بابن الأثير 3/411

([13]) أخرجه الترمذي في سننه 4/642 . ومعمر بن راشد في جامعه 11/457 . وعبد الله بن المبارك في الزهد ص172. وأبو نعيم في حلية الأولياء 1/100 . قال الترمذي: هذا حديث حسن.

 ([14])بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز، الفيروز آبادي 2/274-275 .

([15]) بصائر ذوي التمييز 2/275 .ومعالم التنزيل للبغوي 1/111 . وإرشاد العقل السليم لأبي السعود 2/123. مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص: 73 .

([16]) تفسير التحرير والتنوير، محمد الطاهر بن عاشور 13/192

([17]) لأن ما كن في أمر الله فهو مشروع فلا يذم، كقوله: )وَابْتَلُواْ اُ۬لْيَتَٰم۪يٰ حَتَّيٰٓ إِذَا بَلَغُواْ اُ۬لنِّكَاحَ فَإِنَ اٰنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداٗ فَادْفَعُوٓاْ إِلَيْهِمُۥٓ أَمْوَٰلَهُمْ( [ النساء: 6 ].

([18]) انظر: مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني، مادة (فتن). وبصائر ذوي التمييز، الفيروز آبادي، 4/167-169. والكليات، لأبي البقاء الكفوي، ص: 692.

([19]) السنن الإلهية في الأمم والأفراد، مجدي عاشور، ص:280

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.