منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

صديقي المسلم (قصة قصيرة)

مجيد فلوح

5

بعد تردد طويل قررت أن أتصل به، وأخبره بكل شيء.

صديقتي في العمل تخبرني أنه يسأل عني، يحن إلى صوتي، يطلب زيارتي، يهتم لأمري، يستخبر أحوالي.

دائما يحثها على مكالمتي، ويَسْتَنِيبُهَا لزيارتي، ويُوَكِّلُها أمر الاهتمام بي.

لم أتعود أن يهتم بي أحد، عشت في أسرة كبيرة، محافظة، أذهب إلى الكنيسة كل أحد، وأحب المسيح، ومع كل هذا كنت منعزلة عن الجميع.

قررت أن أخبره، اخترت الوقت المناسب، اعتبرت فارق الزمن بين بلدينا، وحملت الهاتف، جهات الاتصال على هاتفي قليلة، معدودة على رؤوس الأصابع، لا أحتاج تركيب الأرقام، ولا كشف الأسماء، ما هم إلا بضع معارف هو على رأسهم.

المزيد من المشاركات
1 من 46

أخذ الهاتف يرن، هجم علي التردد مرة أخرى، كدت أتنكب وأكف الاتصال، وأعود إلى حال الصمت، ولكنه لم يترك لي فرصة، أجابني بسرعة، وهتف باسمي، والبهجة على لسانه.

تتزاحم الكلمات على شفتيه، لا يقهرها إلا قلة دربته على لغتي. مع ركاكة التراكيب التي يستعملها، والتي لا يستسيغها أساتذة اللغة، أجد لها حلاوة، وعليها طلاوة، تنبض بالحياة، وتنزل معها السكينة.

ثم هدأ وعاد إلى فطرته، صديقي هذا، يحسن الإصغاء، كنت أظن عند لقائي به المرة الأولى، أن جهله بلغتي هو سر طبعه هذا، ولكن اكتشفت أن هذه خصلته الجميلة.

يختلف السكون في حضرته عن الفراغ الذي يحيط عالمي الصامت.

سأل عن أحوالي، فانكب قلبي يحدثه، قلت له: لست بخير؛ هل تعلم يا صديقي أنني بعت شقتي التي سكنت فيها سنوات عمري، وانتقلت إلى حي جديد مع جيران جدد.

تنفست الصعداء بهذا الانتقال، فقد كدت أفقد حياتي، كان يسكن فوق شقتي، قاتل متسلسل.

  • كيف؟ سأل صديقي.
مقالات أخرى للكاتب
1 من 7

ذات يوم طرقت الشرطة بابي، وسألوني عن معرفتي بجاري، وأخبروني أنه قتل سبعة نسوة من عمري، وأني كنت التالية!

كان يكفي أن تطرق الشرطة بابي لأصاب بالهلع، أتذكر حين زرتكم في بلدكم، ونزلت في المطار، وقصدتني الشرطة لتفتيشي؟

  • نعم، أذكر

قلت لي حين ذاك، ليس من عادتهم أن يفتشوا أصحاب الجوازات الأجنبية بتلك الطريقة، خاصة إذا كانت شقراء حسناء فارعة الطول فيروزية العينين، لولا الوقار الذي كان يصاحب كلماتِكَ لظَنَنْتُ أنكَ تغازلني.

طلبوا أن أنزع حذائي، ذلك الحذاء الطويل الذي كان يصل إلى ركبتي، ذا الكعب العالي، احتجت إلى مساعدتهم لنزعه، فاختلط الخوف بالسخرية، وضع الشرطي ركبته على الأرض، كما فعل الأمير مع فتاة الرماد.

ثم استرسلت أخبره، أنني احتجت إلى حصص مطولة مع طبيب نفسي، دامت أشهر.

أخذ يسألني صديقي عن أختي، التي كانت ترقد في المستشفى التي تشتغل فيه أمه، صديقتي في العمل.

كنت ممرضة قبل أن أتقاعد، تصغرني أم صديقي بخمس سنوات، وكنا نرعى مرضى الزهايمر، وكانت صديقتي تخبره عن أحوالي، وأن أختي بدأ يصيبها بعض الجنون، وأن هذه الأمراض النفسية متوارثة في عائلتنا، لأن أمي أيضا أصيبت باختلال في عقلها عقب ولادتي أنا الصغيرة في العائلة بسنوات قليلة.

ثم سألني عن ابني، وأخبرته أنه وجد صديقة، واستقر في عمله، وأنه مقبل على الزواج.

هل يعتقد صديقي أنه أصابني ما أصاب أمي وأختي، خاصة وأنني أخبرته سابقا أن ابني كان منطويا على نفسه، مدمنا على الطعام، ومصابا بالسمنة المفرطة وما يصاحبها من اختلالات..

ثم قاطعني بقوله: “هل تعلمين أنني أذكرك كثيرا في مواعظي”

لم أخبركم أن صديقي هذا هو خطيب ومربي مسلم، نعم شاب في الثلاثين من عمره حين عرفته، ولكن عليه وقار الشيوخ.

قال صديقي: “أحدثهم عن حبك العظيم للأنبياء، جميع الأنبياء، لا يُذكر نبي في حَضرتك إلا بَرقت عيناك من محبتهم، تعلمتُ هذا الدرس منكِ، كان قلبي يهتز ويَرف إذا ذُكر حبيبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم أكن أفعل مع باقي الأنبياء إلا بعدما لقِيتك، وجالستك، فتشرب قلبي من قلبك محبتهم”.

هذه المحبة اكتسبتها في حضوري المستمر للكنيسة التي كانت في حينا، كان الراهب يحدثنا عن الأنبياء وخصالهم الحميدة فسكن حبهم قلبي، الحمد لله.

ولكن مهما بلغت سعادتي حين يذكر الأنبياء، لم تكن كسعادتي، حين ارتحلت لزيارة صديقي المسلم، كانت أمه تخبرني دائما أن لها ابنا متدينا، وتحثني على زيارة بلادها للسياحة.

تمتع السياح ببديع جمال البلاد وخضرتها، ومذكرات عمرانها وتاريخها، وتمتعت أنا بالسياحة في قلوب الصالحين من أهلها.

أول ما استقبلني صديقي المسلم أخبرته بعد جلسة قصيرة أنني أرغب في الإسلام، وسألته عن السبيل، فطاف بي على زمرة من الخلان، واحتفلوا بي احتفالا لم أشهد مثله في حياتي.

ولدت ولادة جديدة، وحملت محبة جديدة إلى موطني، وربطت حبل قلبي بحبال قلوب المسلمين أينما كانوا، حملت كل ذلك في قلبي…

صديقي، أخبرك الآن أنني بخير، وأن تلك الأيام التي قضيتها بينكم كانت أسعد أيامي.

وأخبرك أن مكالمتك كانت بلسم جراحي…

 

5 تعليقات
  1. محمد فاضيلي يقول

    ادام الله عليك فضله ورضاه ونعمه سيدي

  2. م.بوغابة يقول

    امتعتنا بالقصة الجملية المشوقة الرائعة سيدي عبد المجيد و دمتم باطلالتكم موفقين دائما وبارك الله فيكم مع اطيب التحيات.

  3. عبد العزيز قريش يقول

    رائعة الأسلوب والدلالة؛ وما رأيت جار المسلم الصادق إلا مسلما بترجمة فعله لاعتقاده وإيمانه وأقواله.
    سلم قلمك ودام تألقك

  4. عبد العزيز قريش يقول

    رائعة الأسلوب والدلالة؛ وما رأيت جار المسلم الصادق إلا مسلما بترجمة فعل الجار لمعتقداته وإيمانه وأقواله معيشا يوميا يستتشق منه جار المسلم الصادق عبق الإسلام.
    سلم قلمك ودام تألقك

  5. Merieme يقول

    بالتوفيق ان شاء الله

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.