منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مريام وكورونا المغربية (قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

0

قرر الشيخ امبارك بعد مرور أسبوعين على أخده الحقنة الثانية المضادة لفيروس كورونا المستجد زيارة ابنه بمدينة الدار البيضاء، بعد غياب دام عدة سنوات.
بشوقه الكبير لابنه الوحيد ، وضع يده على جرس الباب بعد عدة رنات فُتِحَ الباب ، فاستقبلته امرأة ، وسألته بلغة غريبة استنتج من ملابسها أنها خادمة ، و من ملامحها أنها غير مغربية، حيث وجد صعوبة في التواصل معها ، تكلمت طويلا ثم أغلقت الباب .

تشاءم كثيرا سي امبارك من هذا الاستقبال ، ظل ينتظر لحظات وكأنها ساعات ، وقبل أن يقرر ماذا يفعل ، ظهر ابنه مبتسما ، فاتحا الباب و ذراعاه على مصراعيهما، بعد عناق بالأحضان قبَّل يده و قاده إلى قاعة الضيوف .
فربح ابنه عبد الغني بزيارته، لكن زوجته ميريام استقبلته بفتور شديد، قال سي امبارك لولده متسائلا بعد أن لَمَّحَتْ زوجته بكلمات جارحة عن الزيارة في الظروف الراهنة ، وهي تغادر الصالة :
كيف تستحمل زوجتك يا ولدي؟..إنها عصبية جدا، و تفتقر إلى اللباقة .
أجابه ابنه عبد الغني دون تردد :
بالحب يا أبي ، من الصعب أن تستحمل امرأةً عصبية إلا إذا كنت تحبها ، ولولا حبي لها، و إعجابي بشخصيتها ، ما سار مركبنا كل هذه السنين.
قاطعه والده قائلا :
بل قل بالصبر وربما (قَلَّتْ لَعْقَلْ) ، أي حب هذا الذي يجعلك مستسلما لجبروتها ،من لم يهد عْقْلُهُ قَلْبَهُ.. فَقَدْ ضل الطريق .
انقطع الحديث بينهما، عند دخول الزوجة رفقةابنيها إِلْياس و صوفيا ، وعطرها الفرنسي الساحر في المقدمة يغزو المكان ، تتبختر في مشيتها ، واثقة من أنوثتها ، و تتكلم بدلال و بإيقاع موسيقي ، وكأنها أميرة من العصور الوسطى، و خلفها الخادمة تجر عربة صغيرة جدا ، تحتوي على كؤوس الشاي و قطع من الحلوى .
ظل يداعب حفيديه بتحفظ كبير ،تحسبا لأي انتقاد من طرف كَنَّتِهِ ميريَام ، فجأة وصلت إلى مسامعهم زغاريد من قلب الشارع ، وشرعوا في الضحك ، فصاح الطفل إِلْياس :
لقد جاءت كورونا، بكّرت اليوم في المجيء.
صاح العجوز :
هل عندكم كورونا تزغرد وهي قادمة ؟!..
ضحك الجميع من ملاحظته، و استدرك عبدالغني الموقف قائلا لوالده :
إنها فتاة مصابة بالجنون ، لا أحد يعرفها ، ظهرت بالمنطقة في الأيام الأولى من ظهور كورونا ، فسموها كورونا ، تعلن عن قدومها بالزغاريد و تطرق الأبواب طلبا للطعام ، ثم تختفي .

صباحا لم يكن سي امبارك راضيا على زوجة ابنه وهو يراها تتزين و تتعطر بملابس عصرية لتلحق بعملها ، وقد آعتاد في عُرْفِهِ الذي تربى عليه أن الزوجة لا تتزين إلا لزوجها ، ظل يستغفر ربه في سره ، وأحيانا يغمض عينيه ، مخاطبا نفسه :
” إنها جميلة و تتجمّل أكثر كأنها تصر على فتنة الآخرين ، كان عليها أن تحجز زينتها في غرفة نومها ، بدل أن تنظر إلى المرآة بين الفينة و الأخرى، وتعدل من تبرجها في حضورنا ” .
خرج لحظة خروج الزوجين للعمل و الطفلين للمدرسة ، وبقاء الخادمة وحدها ، على أمل العودة ساعة رجوعهم .
زار سي امبارك بعض معارفه ، بمدينة الدار البيضاء التي لم يزرها منذ وفاة زوجته ، حيث آعتاد هو وزوجته على زيارة ابنهما الوحيد و معارفهما ، كل ثلاث سنوات تقريبا .
عبدالغني لم يكن غنيا لكنه يعيش عيشة الأغنياء ، تحمل المشاق في طلب العلم و المعرفة ، و رغبة في متابعة دراسته ، انتقل من مدرسة ابتدائية بقريته النائية إلى الاعدادية بورزازات ، فالثانوية بمراكش ، ثم الأقسام التحضيرية بالدارالبيضاء ، و أخيرا المدرسة المحمدية بالرباط التي تخرج منها مهندسا ، و تزوج بزميلة له مهندسة تنتمي لعائلة مفرنسة ، وعاشا على الطريقة الأوربية في المعيشة والحياة ، وحَوَّلا بيتهما إلى متحف بتزيين جدرانه و زواياه بتحف فنية و لوحات زيتية ، متحف مِيرْيام من الصعب أن يدخل إليه أحد من أفراد عائلة عبد الغني أو يمكث فيه أكثر من بضع دقائق .
مدام مِيرْيام شمالية المولد و النشأة من اب مغربي و أم فرنسية ، آية من آيات الله في الجمال ، قَدٌّ معتدل ..قِوام متناسق..شعر أشقر..عيون خُضر..بشرة ناعمة..حين تبتسم جاذبية ابتسامتها تفوق جاذبية الأرض، تجعل عبد الغني يدور في مدار فلكها دون توقف .
لا تهتم كثيرا بعادات المغرب ، ولا تتقيد بطقوسه، أيام عيد الأضحى تقضيها في أحد فنادق طنجة أو اكادير ، و أحيانا تسافر إلى فرنسا ، مولعة بالسفر والسياحة ، و تعشق التجوال بين المتاجر في العواصم، و تحب الاستمتاع بمباهج الحياة في بذخ مبالغ فيه .
جلس سي امبارك بجانب حارس السيارات يدردش معه في انتظار عودة ابنه وزوجته ، من خلال الدردشة معه ، عرف أن الخادمة التي تشتغل في بيت ابنه مستوردة من الفليبين، وهي ظاهرة أصبح يلجأ إليها الأثرياء و عشاق المظاهر ، وحين سأله مستغربا :
” وهل المغرب أصبح يفتقر إلى اليد العاملة من الخادمات ؟.. ”
أجابه موضحا :

” خوفا من تسريب أخبار أو معلومات عنهم ، يفضلون الأجنبية ، ويقولون أن الخادمة المغربية علبة سوداء تسرب كل أسرار البيت و أخباره إلى الجيران و الغرباء، لذلك يختارون خادمة أجنبية لا تتكلم إلا اللغة الانجليزية ، حتى لا تجتمع بالجيران أو تختلط بالمغاربة .
استمر الحديث بينهما إلى أن سمعا الزغاريد فالتفت سي امبارك مستغربا ، قال الحارس مبتسما :
” ها قد حلت كورونا بيننا، (رافعا صوته ) إنها تظهر و تختفي مثل الهلال ”
اقتربتْ منهما فتاة طويلة ..نحيلة.. سمراء..تميل سمرتها إلى سواد..بملابس محتشمة ..متسخة ، و خلف تلك الملابس نصيب ضئيل من الجمال ، بنظرات حادة و تعابير وجه لا تخضع للسيطرة العصبية ، وشفتين مكتظتين حجما و شكلا ، وشعر قصير مجعد غير مصفف ، وعمر يتراوح بين العشرين و الثلاثين ، تتكلم بكلمات متقاطعة تتخللها الزغاريد ، و جمل غير مترابطة تتمحور حول استعدادها للعرس ، و زواجها بسيدها صاحب الفيلا المطلة على البحر ، و في جمل أخرى عن تعرضها للاغتصاب من طرف ابنه ، بتحريض من والدته ليقطع الطريق على الحاج حتى لا يتزوج بها ، وفي جمل أخرى عن هروبها المتواصل ، هروبها من جسدها..من ذاتها..من واقعها..وفي جمل متفرقة عن مكوثها في الضريح وتعرضها للتحرش ، و عن إقامتها في المقبرة و تعرضها للاغتصاب ، و عن استغلالها في البيوت ، و عن ابتزازها في الشوارع .. حكايا بجمل لا أول لها و لا آخر .
ظل سي امبارك يستمع لها و يتأمل في وجهها ، فلهجتهما واحدة و ملامح وجهها مألوفة لذيه ، لكن لا يدري أين رآها قبل ذلك .
وهم بصالة الضيوف يتناولون العشاء، كان الحديث يدور بين عبدالغني وزوجته أغلبه باللغة الفرنسية، لكن سي امبارك ظل صامتا و باله مشغول، فجأة وقف صارخا :
” ميمونة ..إنها ميمونة بنت الحاج الروحي، الفتاة التي تنادونها كورونا، اسمها ميمونة ابنة قريتي، جاءت إلى المدينة عن طريق أحد السماسرة لتشتغل خادمة في إحدى الفيلات ثم اختفت ، وقد مضى على اختفائها أكثر من أربع سنوات ”
ظل يحكي لهم عن ميمونة اليتيمة التي غادرت مقاعد الدراسة بالقسم السادس بعد وفاة والدها، وخروجها لسوق الشغل ، وكيف اشتغلت عندعائلة غنية بالبيضاء لسنوات طويلة الى ان اختفت .
اتصل سي امبارك عبر الهاتف بأهلها وبمعارفه، وفي الصباح انطلق الجميع يبحث عن كورونا، ولم يعثروا عليها، مسحوا الحي و الأحياء المجاورة إلى أن وجدوها في ركن منزو بمنزل آيل للسقوط .
عرضوها على أطباء بالمستشفى العمومي، و أقاموا لها محضرا بمديرية الأمن ، واتفقوا على أن يتابع حالتها المرضية طبيب نفساني بمدينتها .
عند قدوم المساء، وقفت ميريام ببهو بيتها وهي ترى سي امبارك يقود حشدا من الملأ يدخلون بيتها ..متحفها ..محرابها ،كظمت غيظها على مضض ، التقت عَيْنا مريام بِعينَيْ كورونا، و شتان مابينهما، مِيرْيام من المغرب النافع ، عرفت الرفاهية منذ نعومة أظافرها ، و طلباتنا أوامر ، وميمونة من المغرب غير النافع ، عرفت الفقر منذ ولادتها ، تنفذ طلبات وأوامر الآخرين لتعيش تحت رحمتهم  لذلك كلتاهما لم ترتح للاخرى ، زغردت كورونا ثلاث مرات ،ابتسمت ..ضحكت ..قهقهت ، ثم سألت ميريام بنوع من السخرية :
هل بإمكاني أن أقبلك ، و أضمك إلى صدري ؟.. لا تخافي لن التهمك ، فقط أدعوك الى عرسي الذي سيقام خلال هذا الأسبوع .
لم تجب ميريام بل وجهت خطابها إلى زوجها عبدالغني قائلة :
متى تنتهي هذه الحفلة؟..نريد أن نرتاح نحن متعبون من العمل .
الذين يفهمون اللغة الفرنسية نظر بعضهم إلى بعض باستغراب ، ثم وقفوا ،فجاء رد عبد الغني سريعا لأول مرة لا يدور في مدار فلكها ويتكلم معها بلهجة مغربية صارمة :
هؤلاء ضيوفنا الليلة، سيبيتون عندنا ، و في الصباح سأنقلهم بسيارتي إلى البلدة ، لكن الحاج الراقي أقسم بأغلظ الأيمان ألا يبيت هؤلاء الضيوف إلا في منزله ، وقد أبلغ أهل بيته لتجهيز وجبة العشاء ، وهم الآن في الانتظار ، وقفوا جميعا وبدأ انسحاب الضيوف الواحد تلو الآخر، لم يرافقهم عبد الغني إلى الباب بل إلى حيث يذهبون أمام أنظار مريام التي اعتبرت كورونا عدوة لها ، كورونا الحقيقية أفسدت حياتها خارج البيت ، و كورونا المغربية أفسدت حياتها داخل البيت .

…………مع تحيات

المزيد من المشاركات
1 من 24
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.