منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

نرجس (قصة قصيرة)

العيدي هشامي

0

على الشاطئ، وحيدة تتسكع بين الخيالات، تنعشها رائحة الملح الباردة، تدب فيها قوة ما أحوجها إليها، ثوبها الرهيف يلتصق على جسدها النحيف، يرسم الندى شكلها تماما، يتلاعب بشعرها الأسود الكثيف المبعثر، كالنملة تطأ رمال الشاطئ شبرا شبرا ٠٠ تضحك وتبكي، تهلوس، تغرق في صمت رهيب، تعدو نحو الموج وهو ينكسر على المنتهى، تكلمه بصوت مبحوح، ربما تحاول الإمساك بموجة ما٠٠فقط، الأصيل يمنحها مزيدا من الدخيرة، يسمح لها بمزيد من الذهاب والإياب، زرقة البحر غضب منحته الطبيعة لهذا الكائن الغامض، وبياض العباب خدعة السلم الكبرى، حمرة الشمس وهي على وشك الإختفاء، إعلان بيأس جديد، وآنتظار آخر ٠٠٠الألوان بالنسبة لها مجرد مسميات، ،ما يوجد خلفها هو الحقيقة٠٠كل لون بالنسبة لنرجس هو مجرد طيف وخدعة، وكل خطوة تخطوها، ما هي إلا مجرد لون؟
ما يؤرق نرجس- الأم الشابة، ذات الثلاثين – هو الأفق البعيد، الهنالك الهنا٠٠عمق البحر، دواخل البحر اللعينة، وما ينفثه على الشط ٠٠٠
كلما أرهقها السير والترقب، أفردت على الرمل وغرست مقلتيها الخضراوتين في أبعد مدى، في أبعد لمحة يمكن أن تعبر إليها عين بشر، ومن هنالك إلى أقرب حبة رمل إليها ٠٠تترنح بين القريب والبعيد ٠٠برودة الليل تجدع وجهها المستدير الشاحب، وتلقي بوشل خفيف على وجنينها الناضبتين، تمسح سيلان الأنف الضئيل بكفها الصغيرة المنتفخة ٠٠الكفان والرجلان، أطراف عانت قساوة البرد والحر معا٠٠٠تهدأ للحظة قصيرة، تهدأ تماما٠٠تتعطل حواسها ومشاعرها لدرجة الصفر٠٠وبعد ذلك تنغمر في بكاء مسموع، شهيق وزفير من غير كلمات، ربما هي نهاية يوم آخر على غرار أيام طويلة خلت٠٠٠
في كل صباح، تستيقظ مدعورة، تنسلخ من فراشها النثن، تقصد دورة المياه ونها إلى الشاطئ، قد تشرب إحدى مشتقات الحليب، أو تحمله إلى وجهتها.
قصر قامة نرجس لا يسعفها في الخطوات السريعة، تلعن طولها طوال الوقت وهي تهرول نحو الشاطئ، ومع ذلك فهي أول زوار البحر وآخر من يبقى بين أحضانه ٠٠تنتظر وديعة نفيسة، ولو مجرد حرف من حروف ياسمين، صغيرتها التي خطفها البحر ذات محاولة للعبور إلى الضفة الأخرى٠٠
نجت نرجس وابتلع البحر ياسمين .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.