منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عمامةُ ناصرٍ (قصة قصيرة)

عمامةُ ناصرٍ / للأديب الحسن شعيب

1

عمامةُ ناصرٍ

الأديب: الحسن شعيب

سعيداتٍ كانت النسوةُ، وهن يغسلن الأغطية وأكواما من الملابس ذات صباح ربيعي جميل، في الساقية الثرة لتلك القرية النائمة بين قمتي تِيسِيلي ومْرِيَّة في واحة تودغة بالريف الجنوبي المغربي. كُنَّ يتكئن على عصي تساعدهن حين يركلن يمينا وشمالا الأغطية السميكة بأرجلهن الرقيقة المتشققة ويَدُسْنها، والرغوة تخرج منها غير ناصعة أولا، لكنها تصير بيضاء ناصعة بعد تكرار العملية وطول مدة الركل وكثرة دلاء الماء المسكوبة؛ بعدها تمسك اثنتان الغطاء من طرف واثنتان من الطرف الثاني فيعصِرْنَهُ عصرا، ثم يُعَلَّقُ على جذع شجرة من أشجار الصفصاف المتناثرة كيما تنشفه الشمس، وكانت الأغطية والأفرشة والعمائم والقمصان والسراويل الفضفاضة المعلقة على الأغصان تؤثث المشهد هناك. أما غسل الغطاء الصوفي السميك، والذي يسمونه “أحندير” فهو جزء من الأشغال الشاقة لنساء الدوار، كيف لا وهو يغطي عشرة أطفال دفعة واحدة، إنه ثقيل جدا حين استعماله وحين طَيِّه، فكيف حين يكون مبللا؟ إنه لينوء بالعصبة أولي القوة، فكيف بالقوارير؟

كانت النسوة مسرورات منهمكات في عملهن، وأهازيجهن الأمازيغية العذبة تملأ المكان، يزيد المشهد جمالا ماءُ الجدول المنسابُ رقراقا صافيا تماما كصفاء قلوب تلك النسوة التي لم تلوثها ريح الحضارة بعد. وبينما هُنَّ منشغلات بأغطيتهن وأهازيجهن، أبصرن فجأة شيئا أبيض طويلا قادما مع تيار الماء الجاري؛ توقفت حركات الأرجل، وصمتت الحناجر، وتوجهت الأعين صوب ذلك الجسم القادم من الأعلى وسط الجدول. لم يكن الوقت كافيا للمراهنة حول طبيعة الشيء القادم مع التيار، وقد كُنَّ فيما سبق يُرَاهِنَّ على بضع حبات من الجوز، أو على حزمة من الفْصَّة (أعشاب تقدم علفا للأبقار) أو شيء من هذا القبيل. بطرف عصا كانت تتوكأ عليها إيطو، التقطت الجسم الذي وصل، حملته بين يديها، وصاحت: “إنها عمامة، إنها عمامة!”. وبينما كن يُقَلِّبْنها بين أيديهن، كانت طفلة صغيرة اسمها “ربيعة” قادمة تجري نحوهن بكل ما تملك من سرعة، حتى إن فردة حذائها البلاستيكي الأسود فُقِدت أثناء عدوها. توقفت لاهثة وقالت: “سمعت أن عمي داني قد تشاجر مع عمي ناصر، فتبادلا لَكْما وركلا، وسقطا معا في الساقية، وقد يكون أحدهما أغرق الآخر”. بعض النسوة أسقطن “قد” من كلام ربيعة، وأضفن إلى المتن حواشي أخرى من إملاء خيالاتهن الجامحة، وهكذا ففي البوادي يبدأ الخبر سطرا صغيرا عاديا في الصباح، ليصبح نشرة أخبار عند الظهيرة، أو فقرة وربما كتابا كاملا من الأكاذيب والأراجيف في المساء. قالت إيطو: “ناصر إذن هو القتيل، هذه عمامته، رأيت عمي داني هذا الصباح حاملا مِسْحَاته، ذاهبا لسقي شجيراته، ولم يكن يضع عمامة، هل يكون عمي داني قد قتل عمي ناصر فعلا؟ ولماذا؟ اللهم الطف بنا يا رب”.

في ذلك الصباح، كان عمي داني متوجها إلى أحد حقوله ليسقي شجيرات زيتون له هناك، وكانت عملية السقي متعِبة في ذلك الحقل، حيث إن المنطقة رملية، ويصعب حبس الماء عن طريق سد عادٍ من الأوحال. رأى أن سقي زيتوناته بحاجة إلى سد منيع “تيرفت”، فكر أن يذهب للوادي، ويحمل منه حجارة يَرُصُّها رصا بطول متر ونصف تقريبا، وبعرض ثمانين سنتمرا، ثم يغطي ما رصه من حجارة بغطاء بلاستيكي سميك يتم شراؤه عند بقال الدوار “سيدي موح” لهذا الغرض. حين وصل عمي داني إلى حقله، لم يجد الحجارة التي كان قد جلبها من النهر، فأحس بغضب كبير، وهو الذي يغضب بسبب وأحيانا بدون سبب. بدأ يستطلع الجوار، فرأى ناصرا قد انتهى لتوه من رص الحجارة، وبدأ الماء يتدفق داخل حقله. أمعن النظر في السد الذي بناه ناصر، وتعرف على كل صخرة من تلك الصخور التي جلبها من النهر، وهناك ثارت ثائرته.

المزيد من المشاركات
1 من 48

مد داني يده مباشرة إلى القطعة البلاستيكية التي حبس بها ناصرٌ الماء وسحبها، فخرج الماء متدفقا بين الصخور المصفوفة، وبدأ الماء يعود من الحقل إلى الجدول؛ فعل ذلك بسرعة ودون تفكير، بينما كان ناصر في الطرف الأقصى لحقله. رجع عمي ناصر سريعا إلى الطرف الأعلى حيث أَسْبْسُو (فم الحقل أو الفتحة التي يسقى منها الحقل). مرت اللحظاتُ ما قبل الكارثة سريعة؛ وقف الكهلان الخمسينيان وجها لوجه، صلعة داني تقابل عمامة ناصر، وذقنه الذي نبتت شعيراته كما اتُّفق في مقابلة ذقن حليق وشاربين طويلين كشاربي سعد زغلول. كان داني أطول قليلا من صاحبه، لكنهما كانا رقيقين مثل غصن شجرة رمان. بدأ المشهد بنظرات تقطر غضبا من الطرفين، وبزفير كأنه فحيح أفعى، كاد الرجلان أن يتبادلا الركلات واللكمات قبل الكلمات، لكنها على كل حال، وفي مواقف مثل هذه تتوج الحفلة.

– إن لم تكن تعلم يا ناصر، فاعلم أنني أنا من نقلت هذا الحجارة من النهر واحدة واحدة؟ قال داني؛

– واحدة واحدة أو اثنتين اثنتين، لا يُهِمني، أنا وجدتها قرب أَسْبْسُو خاصتي ، ثم بأي حق تفسد عملا بدأته؟ رد ناصر مقاطعا؛

– هل تكذبني يا هذا؟، هذه الأحجار لي، ووصولها إلى هنا كان بكد وجهد، اذهب إلى النهر أيضا واجلب لك حجارة إن أردت أن تسقي شجيراتك، ألا تخجل أن تسقيها من عرق جبيني أنا؟

– الناس يا داني تتصارع على المال والنشب، وأنت تجادلني في بضعة صخور، اذهب وابحث لك عن أحجار أخرى، فهذه ليست لك، وإن كانت لك فهات دليلا. هل معك شاهد أنك قد حملتها من النهر؟ البينة على المدعي يا عدي!

– هي البينة إذن واليمين، وشيخ القبيلة، والقانون؟ اعلم إذن أنني أنا آخذ حقي بيدي، واعلم أنك ظلمتني بسرقتك لأحجاري، ولا تقل إنها تافهة، فمن يسرق بيضة يا ناصر يسرق دجاجة… عمي داني لا يعلم شيئا أبدا عن المناجم القريبة من بلدته والتي تنهب كل يوم، ولا يعلم شيئا عن اللصوصية الاحترافية المُتغلفة بالمصلحة الوطنية، لا يعلم لأنه لم يعرف طريق المدرسة قط كما هو حال جميع الساكنة. لو علم بالسرقات الحقيقية ومبالغها وأصحابها، فكيف يكون غضبه وهو الذي أقام ثورة من أجل بضعة أحجار؟

استأنف داني كلامه، قائلا: “أنت لم تظلمني أنا فقط، بل ظلمت الحجارة حين نسبتها إليك زورا، ولو كان لها لسان إذن لأخبرتك أني صاحبها ولتبرأت منك، الحجارة مخلوقات مثلنا يا ناصر…”

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

– هههه، ماذا يقول هذا المجنون؟ الحجارة مخلوقات… ههه

– … وظلمت عمامتك يا هذا، أليس عندك مرآة في البيت؟ أظن أن هذه العمامة لم تر ماء منذ أشهر، ألم تر بقع الزيت والمرق التي تلطخها؟ إن لم تكم رأيتها، فلا بد أن تشم رائحتها العطنة، أليس في بيتكم منشفة؟ هل تمسح يدك في عمامتك بعد أن تغمسها في الزيت؟ إن شجيرات الزيتون مخلوقات أيضا، وتتأذى مثلنا بالكذب وبالروائح الكريهة، ألم تسمع هذا في حديث إمامنا في مسجد الدوار؟ … ومتى كنت أصلا تلقي بالا لما يقوله فقيهنا؟

– انظر للأصلع ذي طمرين ماذا يقول؟ كيف تتحدث عن عمامة يفوق ثمنها قيمة كل الأسمال التي تلبسها مجتمعة؟ كيف يفهم أمثالك في العمائم؟ العمامة علمٌ. هذه العمامة اشتريتها من سوق الأثواب بفاس… إن آخر نقطة وصلت إليها أنت هي “أيت عيسى أوبراهيم”، فكيف تعرف فاسا… أنت سمعت عن فاس، لكن لم ترها، ولو زرتها لفهمت سر دعاء الأعراب هنا بأن يذهب الله بنا إلى فاس، ويذهب بأهل فاس إلى الجنة…

ابتعد الرجلان عن حقل ناصر، وسارا بمحاذاة الساقية الكبيرة، وابتعدا أيضا عن كل لباقة وحوار متمدن، كما ابتعدا عن جوهر الموضوع ولبه. “فاس… اذهب أولا إلى الجحيم أنت وعمامتك”، قالها داني وهو يهوي بصفعة قوية على خد ناصر أفقدته توازنه، فخر مغشيا عليه، أما العمامة المنسوبة لفاس فقد طارت من على رأسه ووقعت في الساقية. جرفتها المياهُ محافظةً على شكلها الدائري أولا، لكن طرفها سرعان ما علق بغصن كان طافيا قبل أن توقفه صخرة؛ عندها تمددت بطول أمتارها الثلاثة، والمياه تجري من فوقها ومن تحتها، بقيت صامدة وهي تتموج في الساقية مثل ثعبان مائي قبل أن يجرفها الماء، فسافرت مع الماء تارة تعلو وتارة تنزل حتى أوقف قدومُها أهازيج النسوة اللواتي كن يغسلن الأفرشة، والتقطتها إيطو.

شكا ناصر داني إلى شيخ القبيلة، الذي يفصل عادة في النزاعات الصغيرة. مثُل داني بين يدي الشيخ، واعترف بالمنسوب إليه (تعنيف ناصر وإغراق عمامته). تقدم أحد وجهاء القبيلة ممن حضروا الجلسة وقال: “إن قال داني بأنه حمل الحجارة من النهر فقد حملها، فهذا الرجل لم نعرف عنه كذبا أبدا”، وقال آخر: “صحيح، لكن كان عليه أن يشكو ناصرا لشيخ القبيلة، لا أن يأخذ حقه بيده، لو أن كل واحد أخذ حقه بيده إذن لعمت الفوضى”. صحيح أن ناصرا كانت له سوابق أخرى في حوادث مماثلة، لكن الذي قاله بين يدي شيخ القبيلة كان عجيبا، فقد رأى أن شرف الرجل عمامتُه وشارباه، لا كما يظن البعض دينه وخلقه، قال لشيخ القبيلة بأن سقوط عمامته من على رأسه أشد إيلاما له من صفعة داني ومن وقوعه أرضا. “إسقاط العمامة مسألة شرف” أضاف ناصر. فرد عدي بأنه ضربه، وكان قصده من ضربه أن يؤدبه ويوجعه ويرده عن غيه، لكنه أبدا لم يقصد عمامته بسوء، وإن كان قد نبهه إلى رائحتها النتنة.

بعد المرافعات والسجالات، وكلمات الوجهاء، اقتنع شيخ القبيلة أن الصخور الملساء الضخمة تعود ملكيتها لداني، لكنه رأى في تصرفه تجاوزا لسلطة القانون الذي جعله حكما في القضايا الصغرى، لذلك أصدر حكما بأن يصالح داني ناصرا على قالبي سكر، يُعِدُّ منه هذا الأخير براد شاي لمن حضروا مجلس الصلح ذلك اليوم، ويحتفظ لأسرته بالباقي، أما الحجارة فهي ملك لداني ولا يحق لناصر استعمالها لغرض السقي إلا بإذن من صاحبها وعن طيب خاطر منه.

كانت مادة السكر شحيحة يومئذ، وكان رب الأسرة يَضِنُّ بما بين يديه منه على أهل بيته، ويحتفظ به مخبأ في مكان آمن لمناسبة جليلة أو لضيف شريف، لذلك فمن دعاك لشرب شاي وقتها فكأنما دعاك لحفل شواء في أيامنا هذه. خفيفةٌ هي خصومات البادية، وخفيفةٌ هي قضاياها وأحكام شيوخها. المهم أن الجميع رضي بالحكم، غير أن ناصرا طلب أيضا من شيخ القبيلة أن يغرم داني ثمن عمامته، “أليس هو الذي أسقطها في الماء فضاعت”؟ أما داني فكان له مطلب أيضا، فقد أخبر شيخ القبيلة أن السُّكَّر لم يُرَ في بيته منذ أكثر من شهر، وطلب مهلة لشرائه حين يبيع محصوله من الثمر، أو بتعويض السكر بما يشاء ناصر من عناقيد الثمر، وليس السكر كالثمر، فالثمر كانوا يقدمون أنواعا منه علفا للبهائم بعد أن فضل عن حاجتهم، بل كانوا يقايضون نواه بالملح أو اللفت أو الجزر القادم على ظهور البغال من قبائل أيت هاني المجاورة. موازين العرض والطلب جعلت جيد الثمر أرخص من السكر الأبيض.

قُرِع باب شيخ القبيلة في تلك الأثناء، جاءت ربيعة وأحضرت عمامة ناصر، بعد أن غسلتها النسوة مع أفرشتهن، وبعد أن نشفت تحت أشعة الشمس؛ دخل ابن الشيخ إلى المجلس وفي يده العمامة، وأخبر والده أن النسوة قد عثرن عليها، وهن يغسلن الثياب في ساقية الدوار، وقد غسلنها جيدا، وأرسلنها إلى شيخ القبيلة بعدما علمن بالحكاية وبانعقاد مجلس للصلح. تناول شيخ القبيلة العمامة، وقال لناصر: “هل هذه عمامتك؟”، رد عليه: “نعم هي ذي عمامتي”، قال داني: أقسم أنها لم تكن هكذا قبل سقوطها في الماء ورحلتها في الجدول، لقد كانت بها بقع كثيرة سوداء، ألا أستحق جائزةً كوني السبب في تنظيف هذه العمامة؟ لولا صفعتي لبقيت هذه العمامة على رأس ناصر تؤذي رائحتها الجميع”. ضحك بعض من في المجلس حين سمعوا مقالة داني حول فضله في تنظيف عمامة خصمه. وكان في المجلس رجل وقور بقي ساكتا، لكنه تكلم أخيرا، وكان اسمه مولاي امحمد،  قال: “سبحان من أنطق داني بالحكمة! إنه في كل شر خير، لو لم يأخذ ناصر حجارة داني، ما تشاجرا، ولو لم يتشاجرا ما حصل الصفع، ولولا الصفعة ما سقطت العمامة وما غُسلت لتصبح بهذا البياض الناصع، ألا ترون أن في كل هذا خيرٌ؟ فلتسمعوا جميعا: عادت عمامة ناصر الفاسية بعد رحلة تطهير في الساقية، أما قالبا السكر المحكوم بهما على داني فأنا أغرمهما، ونلتقي مساء غد في بيت ناصر لنشرب الشاي، أنتم مدعوون جميعا”.

بعد نهاية المجلس، أخرج داني من حقيبته الجلدية المعلقة على كتفه الأيسر، والمختبئة تحت إبطه الأيمن، أخرج منها ورقة زرقاء من الأوراق التي تلتف حول الورقة البيضاء التي تلف قوالب السكر، لفها بعناية بعد أن دس فيها أعشابا يابسة التقطها من الحقول، ثم أخرج عود كبريت من صندوق صغير به صورة أسد، أشعل اللفافة وشرع في التدخين، خنقته الرائحة فسعل قليلا. هو يرى أن تدخين التبغ والسجائر حرام ومضر بالصحة، لذلك لا يرى بأسا في التدخين البديل؛ دخن نصف اللفافة، ثم أطفأها، وأعاد نصفها الباقي إلى حقيبته؛ أما ناصر فقد لف عمامته، وقد أصبحت بيضاء جميلة، لفها عدة مرات على رأسه، ثم غادر بيت شيخ القبيلة، وصوت صفعة داني مازال يطن في أذنيه.

تعليق 1
  1. Ilous يقول

    قصة رائعة.
    إشارة فقط: كلمة عادٍ ليس اسما منقوصا ليتم حذف الياء في حالتي الرفع والجر،فالياء فيها للنسب، فنقول: “عاديٍّ”

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.