منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(1) نشأة الحركة الوطنية المغربية الحديثة “الحركة الوطنية المغربية الحديثة؛ المسار وظروف النشأة”

بقلم عبد الحفيظ الإدريسي :( 1) نشأة الحركة الوطنية المغربية الحديثة "الحركة الوطنية المغربية الحديثة؛ المسار وظروف النشأة"

0

(1) نشأة الحركة الوطنية المغربية الحديثة

الحركة الوطنية المغربية الحديثة؛ المسار وظروف النشأة

بقلم عبد الحفيظ الإدريسي

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

نشأت الحركة الوطنية في منتصف العشرينات كفكرة ، وتبلورت كحركة في بداية الثلاثينات وتعود أصولها الأولى إلى الاصطدام السلبي والإيجابي مع أوروبا.

المزيد من المشاركات
1 من 25

حملت الحركة الوطنية المغربية الحديثة على عاتقها إرثا ثقيلا؛ بعد توقيع السلطان “المولى عبد الحفيظ” على معاهدة فاس مع السلطات الفرنسية في 30 مارس 1912. هذه المعاهدة أنتهت مرحلة طويلة من تاريخ المغرب المستقل وأدخلت البلاد في مرحلة جديدة تمثلت في فقدان الاستقلال، وفرض الحماية الفرنسية على المغرب.

ثم عرفت الحركة الوطنية المغرية مسارا إصلاحيا دعويا من جهة، وحركيا فكريا من جهة أخرى، وكانت لها صفحات وشهادات تعبر عن مواقفها المرتبط بالوقائع والأحداث المتسارعة التي عرفها المغرب في تلك المرحلة من تاريخه.

وسأحاول في هذه المقالات أن أتحدث عن ظروف نشأتها، وعن مسارها وتطوراتها، وسأخصص مقالا لترجمة موجزة لأهم الشخصيات التي كان لها تأثير في الحركة الوطنية المغربية الحديثة، عسانا نستفيد من  تاريخنا، ونعيد قراءته قراءة فاحصة متبصرة.

أولا: مفاهيم

1- الحركة اصطلاحا:

الحركة هي جماعة أو جماعات من الأشخاص تتوحد فيما بينها لتحقيق هدف وغرض سياسي، وقد تتبنى أفكارا ونظريات مختلفة لكن يجمعها ائتلاف واحد. وغالبا ما تنتهي الحركة بتحقيق هدف التحرير السياسي. أما روح الحركية والقدرة فهو: “الباعث المتجذر في قلوب الرجال، من غضب على عدو غاشم، أو مطمح تعلقت به آمال، أو إرادة ألهمتها عقيدة، أو زخرف نهضت له أمة لها في الكون رسالة”[1].

2- مفهوم الإصلاح:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

الإصلاح هو التغيير إلى الأفضل، ذلك أن مقابل الإصلاح هو الإفساد وهو فن الممكن مسترشدا بالتعاليم الدينية مستظلا بالعناية الإلهية ضمانا لسلامة الاختيار والطريق.

والإصلاح مفردة قرآنية ذات دلالة عظيمة، وقد جاءت في القرآن والسنة بصيغ متعددة، والإصلاح مهمة ووظيفة الأنبياء عليهم السلام كما قال تعالى عن شعيب عليه السلام ” قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ”. (هود:88).

فالمراد بالإصلاح هنا، “ما أعربت عنه دعوات الإصلاح؛ التي انبثقت من داخل العالم الإسلامي في العصور الحديثة، وحدَّدتْ أهدافها ضمن محاولات التجديد والبعث للحضارة الإسلامية في مواجهة التحديات الأوربية، الغازية بجيوشها وبضائعها، وأنظمتها وأفكاره.”[2].

3- مفهوم حركة الإصلاح:

عرفت التيارات الإصلاحية بأنها الحركات والدعوات “التي تحرك قطاعات من البشر لإصلاح ما فسد، في الميادين المختلفة، انتقالا بالحياة إلى درجة أرقى في سلم التطور الإنساني”[3].

ويشير المصطلح إلى التيار الفكري أو المذهبي، وهو عبارة عن حركات فكرية تنتهجها مجموعة من الأشخاص أو الجماعات التي تتبنى فكرا أو اتجاها واحدا، ويكون هدفهم من ذلك تغيير النظام القائم بأبعاده المختلفة، سواء أكانت سياسية، أو اجتماعية، أو اقتصاديّة، واستبداله بنظام يحمل أفكاراً جديدة، وهذا النوع من التيارات لا يأخذ صفة الديمومة، إلّا إذا تحول إلى حزب، أو تنظيم يحمل دستوراً وله مبادئه وأهدافه، وحضوره السياسيّ.

4- التمييز بين الإصلاح والثورة.

ليس ثمة فرق في المضمون الإسلامي والعربي بين مصطلح الإصلاح ومصطلح الثورة من حيث عمق التغيير وشموله، وإنما من حيث الأسلوب في التغيير؛ فكلاهما يعني التغيير الشامل والعميق.

إن الثورة “غالبا ما تسلك سبل العنف والفجائية والسرعة في التغيير، بينما تتم التغييرات الإصلاحية بالتدريج”[4]، فهي نقطة تحول في الحياة الاجتماعية. وقيل هي “التغيير الجذري المفاجئ في الأوضاع السياسية والاجتماعية، بوسائل تخرج عن النظام المألوف ولا تخلو عادة من العنف، وهو علم تغيير المجتمع تغييرا جذريا وشاملا، والانتقال به من مرحلة تطورية معينة إلى أخرى أكثر تقدما”[5].

فالإصلاح يتخذ طابع السلمية ولا يوجد فيه عنف وهياج على نحو ما هما عليه في الثورات. أما الثورة فتدل على الإطاحة بنظام قديم وإقامة نظام اجتماعي تقدمي جديد.

إلا أن هذا المفهوم في علوم الاجتماع الغربية لا يعني التغيير الجذري والشامل، الذي تعنيه الثورة بل يعني الإصلاح في العلوم الغربية الترقيع والتغيير الجزئي فهو غير شامل وغير جذري. أما في الاصطلاح العربي الإسلامي يتميز الإصلاح عن الثورة في الأدوات التي يتم بها التغيير، إذ في الثورة عنف وهياج لا يوجدان في أدوات الإصلاح على نحو ما هما عليه في الثورات، وفي الإصلاح تدرج، قد لا ترضى عن وثيرته الثورات.

ثانيا: نشأة الحركة الوطنية المغربية الحديثة

الحركة الوطنية المغربية هي حركة اجتماعية سياسية حضارية ولدت في ثلاثينيات القرن العشرين، لمناهضة الحماية الفرنسية والإسبانية على المغرب، واستمرت هذه المقاومة السياسية في المطالبة بالإصلاح والمساواة مع الفرنسيين المقيمين بالمغرب، لكن رفض سلطات الحماية لهذه المطالب أدى إلى إصدار، وثيقة الاستقلال سنة 1944م، “واندلاع المقاومة المسلحة ابتداء من سنة 1953م، حيث قام الشعب المغربي بالمظاهرات ضد المحتل، وبتأطير من حزب الاستقلال، وقد اندلعت انتفاضات قوية في مناطق متعددة من المغرب. وفي نفس السنة كانت أقوى انتفاضة في وجدة بتنظيم مناضلين من حزب الاستقلال كذلك. وقد طال الساحة السياسية المغربية نوع من الشلل والاضطراب الناتجين عن أجواء الاستياء العارم.

ظهرت أصوات تطالب بالإصلاحات السياسية لمحاربة الاستعمار، كمشروع دستور المغرب لسنة 1908، “ومن هذه الأصوات أبو الفيض الكتاني، الذي دعا إلى الجهاد وطرد المعمرين من البلاد، وألف رسائل عديدة تدعو لمقاومة المحتل. كان تأثيره من الأهمية بمكان إذ كانت الدروس في الوعظ والإرشاد التي كان يلقيها في القرويين تجمع حوله جمهورا غفيرا.”[6] وشارك والده في هذه الحركة الجهادية، وحضر معه مؤتمر القبائل المغربية بمكناس عام 1326 هـ، الذي ألف وأصلح فيه الشيخ أبو الفيض بين بعض القبائل، واتفقوا على جهاد المستعمر الفرنسي والإسباني.

لكن تباين موقف المجتمع المغربي من الحماية في سنواتها الأولى، بين مؤيد وآخر معارض وثالث مهادن نسبيا، حيث انقسم الناس في التعامل مع الظاهرة الاستعمارية الحادثة إلى أصناف، صنف منهم فروا من الواقع وفضلوا الهجرة، كما هو حال عائلة كنون العريقة في العلم، وآخرون عبروا عن مواقفهم بما يمكن تسميته بالمقاومة السلبية بمظاهرها المتعددة كلزوم البيت وعدم مبارحته وعدم استعمال وسائل النقل التي من صنع الأجنبي كما فعل بعض علماء فاس. والصنف الثالث هو الآخر من العلماء وذوي السلطة من قواد العهد القديم خصوصا آثروا التعامل مع فرنسا وسلطات الحماية بوصفها إدارة جديدة لمقاليد الحكم في البلاد. يقول العروي: “ماذا يفعل القوّاد والشيوخ إذا أصبحوا يواجهون جيشا يدّعي أنه يحاربهم باسم السلطان الشرعي؟”[7].

وتعتبر الحركة الوطنية المغربية “امتدادا لحركات الجهاد التي كانت تنطلق من المساجد والزوايا والرباطات لصد الغزو الإسباني والبرتغالي على السواحل المغربية.”[8] إذ بعد انتهاء مرحلة طويلة من تاريخ المغرب المستقل ودخول البلاد مرحلة جديدة تمثلت في فقدان الاستقلال، إثر توقيع السلطان المولى عبد الحفيظ على معاهدة فاس مع السلطات الفرنسية في 30 مارس 1912، مما ولد شعورا قويا بالانتماء للوطن وقد كان هذا الإحساس هو السبب الرئيسي لتصدي القبائل المغربية للاحتلال الأجنبي بواسطة مقاومة مسلحة.

لكن تأريخ فترة الحركة الوطنية يبقى أمرا معقدا بسبب ارتباط جزء كبير من الحاضر السياسي بتلك الفترة الزمنية، حيث تعود بعض الاختلافات بين الباحثين أحيانا إلى حضور الانتماء السياسي، كما أن الكتابات الاستعمارية تقدم أحيانا وجهات نظر مختلفة، لذلك عند الحديث عن الحركة الوطنية المغربية الحديثة؛ “فنحن مطالبون بالتمييز بين مرحلتين اثنتين. مرحلة أولى تبتدئ مع بداية الحركة وتنفعل مع أطوار التطور التي مرت بها تحت الاحتلال الأجنبي. ومرحلة ثانية هي تلك التي أعقبت استعادة الاستقلال ولا تزال في خطاب بعض الأحزاب المغربية مستمرة حتى اليوم”[9].

ثالثا: المفهوم الجديد للحركة الوطنية الإصلاحية

جاءت الحركة الوطنية بمفهوم إصلاحي جديد يستمد من العصر كيانه ووجوده وأسلوبه، التعلق بالوطن وحبه والدفاع عنه وإصلاحه والنزعة الإصلاحية التي تمثلت في الفكرة السلفية تستمد جذورها من النزعة الإصلاحية التي ظهرت في كثير من أدوار التاريخ المغربي، ويختلف المفهوم بمقدار ما يختلف الأسلوب. “فهو يجمع بين المفاهيم جميعها، ما يعني تحرير الوطن من الأجنبي، ويهني توحيد الوطن الممزق، ويعني القضاء على الخرافات والانحرافات الأخلاقية والدينية والاجتماعية، ويعني الفكرة الإصلاحية التي تتسع لتشمل إقامة نظام جديد للمجتمع وللاقتصاد وللدولة. وبعض هذه الأفكار اتسمت بها الحركة الثورة الريفية وتجلت فيها أعظم ما يكون التجلي”[10].

خاتمة

لقد مرت الحركة الوطنية المغربية في نشأتها كباقي الحركات، بمراحل تحكمها الظروف الإقليمية والدولية العالمية بما تقتضي مصلحة البلاد.

و واجهت التيارات الإصلاحية في العصر الحديث تحديات كبرى، كان أبرزها التخلف الموروث عن عصور التراجع الحضاري للمسلمين، حاولت أن تقدم بديلا لفكرة الجمود والتقليد الموروثة عن ذلك العصر وتحدي الغزو الاستعماري الغربي الحديث، وفي مواجهته فجرت دعوات وحركات التحرر الوطني التي قادها الإصلاحيون الإسلاميون على امتداد بلاد المسلمين كما حاولت صياغة معالم مشروع حضاري بديل للمشروع الغربي، وقادرة على منافسته.


 

[1]– عبد السلام ياسين، حوار الماضي  والمستقبل. (مطبوعات الأفق، الدار البيضاء. الطبعة الأولى: 1994م). الصفحة: 85.

[2]– ذ.عباس أرحيلة، “حركة الإصلاح في المغرب الحديث”. (مقال نشر موقع إليكتروني: مشاهيد24، بتاريخ:  28مارس 2015).

[3]– محمد عمارة، مسلمون ثوار. (دار الشروق، ط:3/ 1408هـ – 1988م)،. الصفحة: 13.

[4]– محمد عمارة، معركة المصطلحات بين الغرب والإسلام، الصفحة: 134

[5]– محمد عمارة، مسلمون ثوار. ( مصدر سابق)، الصفحة: 13.

[6]– حسن أحمد الحجوي، العقل والنقل في الفكر الإصلاحي المغربي. الصفحة: 70.

[7]– عبد الله العروي، “الجذور الاجتماعية للوطنية المغربية؛ 1830-1912”. (طبعة: 1977م). الصفحة:24.

[8]– حسن أحمد الحجوي، العقل والنقل. (مصدر سابق). الصفحة: 19.

[9]– سعيد بن سعيد العلوي، الحركة الوطنية المغربية، (جريدة الشرق الأوسط الإلكترونية، الجمعة 24جمادى الآخر 1435هـ 25 أبريل 2014م).

[10]– عبد الكريم غلاب، “تاريخ الحركة الوطنية بالمغرب من نهاية الحرب الريفية إلى بناء الجدار السادس في الصحراء”، (الطبعة الثانية). ج: 1 / ص:17.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.