منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

العدو القريب.. مُضمرٌ يهدد الأفراد وتاريخ الأمم!

أنور بلبهلول

0

تصبح الحياة ذات معنى عندما يكون هناك صراع على جل المستويات يضفي عليها معنى باعتباره محرك الحياة كما يذهب كارل ماركس نحو التطور والتقدم في سياقات متعددة ومركبة تتطلب العداء والتباين في التوجهات بين الحق والباطل الخير والشر الذات والغير.. يبقى هذا الأمر موضوعيا وعليه تنبني سيرورة الحياة والتاريخ والطبيعة. ومن ثم لا يجب عدُّ تواجد الأعداء أو المنافسين مسألة سلبية أو التفكير في كونها تضر بالسلام أو الاستقرار لأن ذلك لا يمت للرصانة الفكرية بشيء.

يمسي الأمر خطيرا عندما لا ندرك الأعداء ونصنفهم أنهم كذلك، حيث لا نستفيد من رصيد التحفيز والاجتهاد والمجابهة لتقوية ملكة الإبداع في المقاومة والتجديد الدائم المحافظة على الذات سواء الفردية أو الثقافية أو الأخلاقية الدينية كي يبقى التوازن ميزة الصراع بين الأفراد والثقافات والأمم حتى لا نسقط في التوحيد القسري لأنماط العيش الذي يميز فئة واحدة وينسحب على الجميع كما يحدث الآن؛ فإدراك الأعداء والوعي بهم أنهم كذلك مهم في هذا السياق للحفاظ على التوازنات وحفظ الذوات بجميع أصنافها.

يعدو الأمر في غاية الخطورة عندما نقتصر في تحديدنا للأعداء ونحسبهم من حيث المجال أنهم يوجدون بالخارج “العدو البعيد”، وننسى أن هناك أعداء بالداخل “العدو القريب”.

ربما لا يمكننا الاختلاف على أن العدو القريب أشد خطورة من البعيد، إنه معنا بالقرب منا إنه يعمل على تدميرنا، ملم بكل تفاصيلنا، يعرفنا، يكفي أنه يتعايش معنا فهو يعلم نقاط ضعفنا وقوتنا أكثر من العدو البعيد، لعلها أخطر الوضعيات التي يمكن أن تعيشها جماعة أو أمة تعمل جاهدة على تطوير ذاتها من خلال حقل الممكنات المتاحة لها دون جدوى، لا ترى أي نتيجة بفعل تواجد العدو بالقرب منها وبشكل مضمر يعرقل كل المحاولات التي تتوخى البناء.

إن إمكانية تواجد العدو القريب في مجتمعاتنا العربية واردة جدا، بل يمكن القول بأنها حقيقة واقعة، ذلك أن العدو البعيد لم يعد يعمل بنفسه، بل يعتمد وكلاء له للقيام بما يجب القيام به. يتضح لنا هذا في العديد من البلدان العربية سياسياً واقتصاديا، هناك ترجمة لمشاريع الغرب في أوطاننا لا تتوافق مع توجهاتنا ومصلحتنا؛ إلا أن العدو القريب يعمل على تنفيذها باحترافية وفعالية، بكل أمانة! ما يجعل العدو القريب أشد فتكاً من العدو البعيد مسألتين إثنتين:

المزيد من المشاركات
1 من 83

– قدرته الرهيبة على تدمير كل المحاولات التي تتوخى التغيير بحكم القرب والتعايش الدائم ومعرفته بكل الخطوات.

– عدم التفكير بإمكانية وجود عدو قريب يرهن كل مستجداتك وخطواتك لحسن النية، وعدم احتمالك لمسألة تواجده هو ما يجعل الوضع أكثر تعقيداً، ذلك أننا نراه بتلك البراءة الكاملة بينما هو عدونا الخفي.

إذن العدو القريب مشكل عظيم يهدد المسارات السليمة في حياة الأفراد لما يميزه من خداع وخيانة ونفاق، سواء كان سياسياً مسؤولاً، صديقا أو فردا من العائلة.. يبقى بنفس الخطورة. ذلك أن الوعي بحقائق الأمور كما هي كانت إيجابية أم سلبية يتكيف معها الوعي والجهاز السيكولوجي، بل ويتفاعل معها بشكل يؤسس لتنافس أو صراع إيجابي، عكس العدو القريب الذي قد لا يدركه الكثير منا وهو يعمل في صمت على تهديم كل ما نقوم به دون إدراك مسبق لذلك.

ساهمت الرأسمالية المتقدمة في تقوية النزعة الفردية وتنامي المنافسة غير الشريفة، الأمر الذي أفرز أشكالا غير أخلاقية وأقل إنسانية، ساعدت في بروز العدو القريب الذي يميز الكثير من العلاقات الاجتماعية للأسف اليوم. وبروز أشخاص هكذا هو نتاج للفردانية المتقدمة والانصهار الكلي في تقسيم المجتمع وتراجع اللحمة والوحدة التي كانت تميز المجتمع الآلي كما يسميه إميل دوركايم. هذا فيما يخص العدو القريب الذي يتعلق بالعلاقات الاجتماعية بين الأفراد. أومن بأن العدو القريب أيا كان فهو عنصر خطر على الفرد أو الجماعة؛ لكنني أعتقد أن العدو القريب عندما يكون حاكماً أو مسؤولاً يتولى تدبير وصناعة قرارات أمة حينها تتضاعف خطورة الأمر لأنه يصبح محاربا لطموح وإرادة شعب. ينتشر هذا النموذج للعدو القريب بشكل كبير في الأنظمة العربية التي يتجلى لنا أنها تحرص على تنفيذ ما يضر مصلحة الشعوب وتسهر على كبح جماح الإصلاح أكثر من ما تصلح، وتعتمد وصايا الخارج أكثر من الداخل. هذا ما يجعلني أكثر تخوفاً من العدو القريب عندما يكون حاكماً أو مسؤولاً لعظمة الخطر وجسامته.

إن ما يميز العدو القريب “الحاكم” في بلدان عربية كثيرة أنه رُفع عنه الغطاء الخفي وانكشفت حقيقته من طرف الأفراد بعدما أضحى يمارس العداء بشكل علني ورسمي ضد شعبه. ولعلها خطوة مهمة في التعامل مع العدو بصفة عامة حين ندرك أنه كذلك؛ فإننا نقطع نصف الطريق للتغلب عليه من خلال الإعداد والتحضير.

صفوة القول، إدراك حقيقة الأمور كما هي، أكانت سلبية أم إيجابية، في غاية الأهمية لكي لا نسقط في السذاجة، لا النوايا الحسنة. الحياة صراع، ومن ثم وجب معرفة الأعداء بكل أشكالهم حتى من لا يحترمون مبادئ الصراع الشريف، من يتقمصون أدوار الأوفياء والمخلصين وهم أخطر الأعداء على الأفراد والتاريخ ككل، لكن مهمتنا أن نعمل على التمييز والتمحيص في حقائق الأمور والأشخاص حتى لا نصبح ضحايا العدو القريب بغير علم.


المراجع:

– المهدي المنجرة: “الحرب الحضارية الأولى”.

– المهدي المنجرة: “عولمة العولمة”.

– جيل كيبل: “الفتنة: حروب في ديار المسلمين”.

– د.مراد الصغير: لقاءات فكرية حول دراسة السلوك داخل المجتمع المغربي

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.