منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حب جديد (قصة قصيرة)

عبد الكبير البغدادي

1

 

“ليته يكون الآن بين أحضاني، سأرسل له سيلا من القبلات، سألثمه ذات اليمين وذات الشمال، ستطوقه ذراعاي، سأذوب فيه”..هكذا تحدثت عنه “بشرى” قبل أن يستوقفها خياله… وتتلعثم شفتاها ويعقد لسانها…مجرد التفكير فيه يبعث فيها أشواقا تعانق السماء وتطاول الجبال الشماء، قلبها يكاد يغادر مكانه، هو وحده يشعرها بالدفء والأمان لما كانت تقابله، مجرد النظر إليه كان ملاذا لحيرتها، أما ما كان بعد النظرة فلن تستطيع كل معاجم الدنيا التعبير عن حقيقته، ولا كل الأقلام أن تستوعب معانيه، هي وحدها من تعرف تلك الحقيقة.

قالت ذات يوم لصويحباتها: “بحر حبه يغرق فيه قيس وليلاه ويتيه في دروبه جميل بثينة ويغار منه روميو جوليات…” تحدثت عنه بعينين متلألئتين وضفيرة متراقصة، وزادت: “كان طعامي إذا جعت، وشرابي إذا عطشت، أماني إذا خفت” ك لما تحدثت عنه إلا وترفع عينيها إلى السماء كأنه يسكنها أو نزل منها…

آه لتلك الأيام التي ملك فيها حبه كل كيانها؛ لا تبدأ يومها إلا برؤيته ولا تنام إلا على صوته، كم سهرت معه وسامرته، وكم مرة جالسته في السحر قبل الفجر، تذكره في العمل وفي الطريق وبين الجيران والخلان…

هي لا تدري لم هجرته… لقد كان مخلصا لها قريبا منها…لم يجافها ذات يوم، نِعم الرفيق والصاحب هو… معين مستأمن، شفاء لكل المدلهمات.. أضاء نوره عتمة قلبها فبدت لها كل الطرق سالكة…قلبها الآن يعتصر ألما وكمدا لفراقه، فكرت مرات أن تندفع وتفتح بابه وترتمي بين أحضانه وتسكب الدمعات تغسل ألم الفراق، وكلما صممت على ذلك وجدت قوة تمنعها، وتشعر بالضعف القاتل ينخر كيانها فتنصرف عنه، تاركة قلبا معلقا وجوى تخنقه العبرات وتقصر عنه العبارات…

المزيد من المشاركات
1 من 48

“هل تكون تلك مجرد ذكرى؟ لماذا يتعثر في نفسي قطار الأمل والرجاء، هل فُكت كل حبال المودة معه؟” قالت “بشرى” ذات يوم، وقد جافاها النوم لمَّا ذكرته، لم تكن تستطيع الإفصاح عن ذلك لأي شخص آخر، هو فقط من تريد منه أن يطفئ هذه النار المستعرة بين جوانحها، هو من خطف مفاتيح قلبها..

مدت يدها إلى زاوية في غرفتها الصغيرة وأخذت رواية لعلها تدخل عالما آخر، لكن سرعان ما رمتها، شيء ما اُقتطع منها، وهو وحده من يملكه…صارت بخطوات متتثاقلة نحو الغرفة المجاورة، شغلت جهاز التلفاز وأمسكت آلة التحكم تطوف العوالم شرقا وغربا بكل اللغات والأشكال…متعة عابرة سطحية لا غير، إنها لا تريد أن تسكن إلا عالمه هو، ومن ذلك العالم تريد أن تطل على كل العوالم كما كانت في سابق الأيام…

فكرت أن تجابه نفسها بالحقيقة المرة، فهي التي أخطأت في حقه، لم لا تندفع نحوه وترتمي بين أحضانه وتضمه إليها وتطفئ النار المتأججة بين أضلاعها؟…

قالت في حماسة على غير العادة: “أنا من أخطأت… أنا من ينبغي أن أبادر…” وشعرت بقوة جارفة تحملها فوق الأرض وتدفعها لفعل ذلك…

حمدا لله… ربما هي آثار كلمات صاحبتها “أم أيمن”..

قالت لها آخر مرة إن نفوسنا هي العقبة الكأداء التي تحجب عنا الكمال، وإننا إن عرفنا كيف نسوسها فتلك بداية الطريق التي تؤدي إلى كل المعالي…

لم لا تجرب نصيحة “أم أيمن”، فما أكثر المرات التي انتفعت بكلامها.. وهي التي أخذت الحكمة من فاه معلم المدرسة التي جمعتهما في الصفوف الأولى…

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

رجعت من العمل مساء، شربت كأس الشاي الذي أعدته على عجل… اغتسلت على الشكل الذي عهدته سابقا قبل كل لقاء معه، شعرت بدبيب المغامرة يسري في عروقها.. بعد قليل سيكون أمام عينيها وستغرق في بحر هيامه من جديد. لبست وتزينت، وخطت نحو باب الغرفة تمشي الهوينى، تمسك بمزلاج الباب وتديره في هدوء وتدلف نحو الصوان القابع في زاوية الغرفة… تفرش رداء خاصا، تفتح باب الصوان وتتحسس بلطف وتغمض عينيها، وتتعرفه من ملمسه وتقربه إليها، قبل أن تجد الشجاعة الكافية التي تجعلها تضمه وتسكب الدموع تغسل ذنب الفراق…

كانت يداها ترتجفان وهي تفتحه وتقرأ: ” بسم الله الرحمن الرحيم ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين…” وقبل أن تكمل الآية تجهش بالبكاء، وقد انفكت عقدتها وتهللت أسارير وجهها…أحست بعقارب حياتها تأخذ مكانها من جديد، وقد اعتدلت بوصلة قلبها وزالت الغشاوة التي غطت قلبها…

عادت لتكمل من جديد”…هدى للمتقين الذين يومنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون…”

دخلت عالمه من جديد، وقد تحركت شغاف قلبها من جديد، مع حب جديد…

 

تعليق 1
  1. عبدو يقول

    قصة رائعة تحمل بين طياتها ألم الشوق ولوعة الفراق التي تكتنف الكثيرين ممن فارقتهم لذة السجود بين يدي الرحمان رغبة ورهبة،ما اجملها تلك اللحظة واروع لذة المناجاة التي تصعد بالمرء وتنتشله من غياهب التيه الى صرح الحب والمحبة حيت تتيه الكلمات وتعجز العبارات وتعبر العبرات…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.