منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

خمس خطوات عملية لاستقبال رأس السنة الميلادية

خمس خطوات عملية لاستقبال رأس السنة الميلادية/للشيخ عبد الله بنطاهر التناني

0

خمس خطوات عملية لاستقبال رأس السنة الميلادية

للشيخ عبد الله بنطاهرالتناني

 

الحمد لله الذي أمرنا بالإيمان بنبوة سيدنا عيسى، وجعل لنا العبرة والفائدة بقصص سيدنا موسى، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تدفع عنا الوباء والضراء والبأساء، وأشهد أن سيدنا محمد عبده ورسوله الذي جاءنا بشريعة تذهب الحزن والأسى، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه الذين كانوا في الصالحين خير جلساء، وعلى التابعين لهم بإحسان ما تقابل الصباح والمساء.

أما بعد فيا أيها الاخوة المؤمنون؛ أوصيكم ونفسي أولا بتقوى الله وطاعته.

ها هي رأس السنة الميلادية تقترب، وهي أمر واقع نعيشه ونعيش معه ونعيش به، فراتبك الشهري يأتي إليك حسب دورانها، وتاريخ ولادتك في بطاقتك الوطنية مسجل بها، والسنوات الدراسية تمشي على أساسها؛ ولا حرج في ذلك ولا مانع منه شرعا؛ لأنها أمر واقع، والواقع لا يرتفع؛ إذن، كيف نتعايش معها بكيفية لا نقع بها في مخالفة ديننا؟ وما هي الخطوات(1) التي ينبغي للمسلم القيام بها في رأس السنة لحماية دينه وإيمانه؟

إنها خمس خطوات: العبرة، والأولية، والاستقلالية، والاغتنام، والتسامح.

الخطوة الأولى: على مستوى العبرة

فالعبرة هي إحساس يشعر به الإنسان في قلبه يدفعه إلى أمرين متلازمين هما: الإدراك، والاستدراك؛ فالإدراك نفسي، والاستدراك عملي؛ يقول الله تعالى فيهما: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.

أما الإدراك النفسي؛ فهو: أن يستشعر المسلم في رأس السنة العمر الذي يتآكل بالسنوات، وقد تكون عجافا من ناحية الأخلاق والأعمال الصالحة؛ ماذا قدم فيها؟ وماذا ضيع؟ ماذا فعل بمسؤولياته الطويلة والعريضة؟ وهل حضر لسؤال يوم القيامة جوابا؟ والرسولﷺ يقول بأن كل واحد يوم القيامة سيسأل: «عن شبابه فيما أبلاه، وعن عمره فيما أفناه»؛ فإذا ما استشعر المسلم تآكل عمره وقرب أجله، فحينئذ يدرك ما فعل من شر العمل وعمل الشر فيتوب إلى الله ويستغفره، ويراجع حساباته في الدنيا فيجتنب شرورا كان يرتكبها وذنوبا كان يمارسها قبل فوات الأوان.

وأما الاستدراك العملي؛ فهو: أن يغير المسلم ما بعمله وحاله؛ من سيئ إلى حسن، أو من حسن إلى الأحسن؛ مصداقا لقول الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}؛ فحينئذ يستدرك ما فاته من عمل الخير وخير العمل؛ فالعاقل من أخذ العبرة من غيره، والغافل من كان عبرة لغيره.

الخطوة الثانية: على مستوى الأولوية

لو كانت رأس السنة مرتبطة حقا بسيدنا عيسى عليه السلام، لكان الأولى به نحن المسلمين لأنه حقا من المسلمين؛ يقول الرسولﷺ فيما روى الإمام مسلم: «أنا أولى الناس بعيسى بن مريم في الأولى والآخرة، الأنبياء إخوة من عَلاَّت وأمهاتهم شتى ودينهم واحد، وليس بيني وبين عيسى نبي». نحن أولى بعيسى نتذكر معجزة ولادته دون أب كما خُلِق آدم دون أب ولا أم والله تعالى يقول: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون}. نحن أولى بعيسى نتذكر زهده وصبره وبره بأمه، وأنه لم يصلب بل رفعه الله إليه، وأنه -كما قال النبيﷺ- سينزل آخر الزمان، ليحكم بين الناس بشريعة القرآن.

الخطوة الثالثة: على مستوى الاستقلالية

يجب أن يكون المسلم ثابتا بذاته، مستقلا بهويته، لا ينساق وراء التبعية لغيره، ولا ينصهر في عادات غيره وثقافته، وبناء على ذلك ينبغي اعتبار رأس السنة يوما كسائر الأيام، لا فرق بينه وبين بقية الأيام إلا بالتقوى، فلا نتبع الصليبين في أعيادهم وعاداتهم وطقوسهم التي تخالف الإسلام؛ روى الترمذي عن حُذيفةَ أن رَسُولُ اللهﷺ قال: «لا تَكونوا إمَّعَةً: تقُولونَ: إنْ أحسَنَ النَّاسُ أحسنا وإنْ ظَلَموا ظَلَمنا، ولكنْ وطِّنُوا أنفُسكُم: إنْ أحسَنَ النَّاسُ أن تُحسنُوا، وإنْ أسَاءوا فلا تَظلِموا»؛ فالرسولﷺ لا يريد للمسلم أن يتشبه بغيره، لقد أكد لناﷺ ذلك فقال فيما روى أبو داوود: «من تشبه بقوم فهو منهم»؛ بل تبرأﷺ من يتشبه بغير المسلمين فقال فيما روى الترمذي: «ليس منا من تشبه بغيرنا» وويل لمن تبرأ منه الحبيب المصطفىﷺ.

الخطوة الرابعة: على مستوى اغتنام الفرص

ينبغي أن نعلم أن النبيﷺ حذرنا من تقليد النصارى منذ أربعة عشر قرنا، وأخبر بأن ذلك سيحدث في الأمة يوما ما، وقد حدث وعشناه اليوم، ورأس السنة أوضح دليل على ذلك؛ وإن هذا لبرهان ساطع على صدق حديث الرسولﷺ ولدليل ناصع على أنهﷺ ما ينطق عن الهوى، ينبغي ألا يفوت المؤمن فرصة من أجل الدعوة إلى دين الله سبحانه، وإلى التمسك بسنة رسول اللهﷺ؛ روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهﷺ «لَتَتّبِعُنّ سَنَنَ الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْراً بِشِبْرٍ، وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ. حَتّىَ لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرِ ضَبَ لاَتّبَعْتُمُوهُمْ» قُلْنَا: يَا رَسُولَ الله آلْيَهُودُ وَالنّصَارَىَ؟ قَالَ «فَمَنْ؟».

فبإطلالة واحدة لواقع الأمة نشاهد صدق هذا الحديث النبوي الشريف؛ إذ نجد الأمة مطبوعة بهذا التقليد طولا وعرضا، وفي شتى المجالات؛ فبإمكان المسلم أن يستغل حتى هذا التقليد الأعمى، لدعوة الناس إلى دين المصطفىﷺ، وهو الأجل والأعلى.

الخطوة الخامسة: على مستوى التسامح

نعم؛ يجب على المسلم ألا يتبع غيره في أعيادهم وعاداتهم وطقوسهم التي تخالف الإسلام؛ ولكن حرام عليه الاعتداء عليهم إن هم مارسوا هواياتهم وأهواءهم ببلادنا في أمن وأمان وإن خالفت ديننا؛ ألا ترى أنهم في بلادهم سمحوا للمسلمين ببناء المساجد والمراكز، ليس لممارسة شعائرهم الإسلامية فقط؛ بل سمحوا لهم بالدعوة إليها ونشر الإسلام بين ظهرانيهم وفي عقر دارهم، حتى تحول كثير من أبنائهم إلى الإسلام، بل تحولت بعض الكنائس إلى المساجد؛ فكيف لا نسمح لهم نحن بممارسة طقوسهم الدينية، وهواياتهم الرياضية في أمن وأمان؟!


(1)- الخُطْوة بالضم: ما بين القدمين، والخَطْوة بالفتح: المرة الواحدة؛ فكلاهما صواب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.