منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

انحرافات الشباب العقدية والفكرية وسبل علاجها

انحرافات الشباب العقدية والفكرية وسبل علاجها/ الدكتور عزيز أخميم

1

انحرافات الشباب العقدية والفكرية وسبل علاجها

الدكتور عزيز أخميم

باحث في الدراسات العقدية والفكرية

 

إن الحديث عن الشباب، حديث حبيب إلى النفس قريب منها، فالشباب ينبوع الحياة الدافقة المتجددة، وإشعاع الطاقة والقوة في هذا الوجود، وهو توهج الأمل وتوقده.

كما أن حماية عقيدة وفكر الشباب المسلم من الانحراف من أهم الضروريات التي ينبغي أن تتجه إليها الدراسات، ويعني بها الباحثون، فضلاً عن أن يتصدى لها المسؤولون عن سلامة المجتمع وأمنه، ذلك أن سلامة العقيدة والفكر من أهم الأمور التي تحقق استقرار المجتمع، بخلاف انحرافه فإنه يترتب عليه من المخاطر ما لا يترتب على غيره.

ولن أكتفي بالحديث عن انحرافات الشباب وضياعهم وتسجيل النقاط الاتهاميّة أو التجريمية ضدّهم، بل رأيت أن أعالج هذا الموضوع معالجة واقعية بعيدة عن النظريات الجافة، مستعينا في تقصي الواقع واستنباط حقيقة حالة الشباب الراهنة ومشاكله من تجربتي التي هي تجربة الآلاف من شباب هذه الأمة، ومن المعاناة التي يعانيها معظمهم في الوقت الحاضر، والتي أصبحت من صفاته المميزة.

إنّ هناك أموراً ثابتة في العقيدة والشريعة والسلوك لابدّ للمسلم أن يثبت عليها، وأنّ هناك أموراً متحركة يمكن للإنسان المسلم أن يحركها في حياته أو يتحرّك من خلالها، وهذا هو الخط الفاصل بين الثابت والمتحرك والمتحول في واقع الإنسان المسلم في حركة الحياة عندما يريد أن يكسب نفسه وحياته ويصنع تاريخه ليتحمّل مسؤولية ذلك كلّه كما تحمّل الجيل الماضي مسؤوليته في صنع تاريخه كما جاء في قوله تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ” [البقرة: 133]، فلابدّ أن يكون لهذا الجيل دور اختياري في إنتاج كسبه الفكري والعلمي ليواجه مسئوليته عنه أمام الله، فلا يجوز له أن يقلِّد الأمة التي تقدّمته في الزّمن لأنّ ذلك لن يكون عذراً له أمام الله الذي يريد لكل نفس أن تجادل عن نفسها يوم يقوم الناس لربّ العالمين.

ولعلاج هذه المشكلة أو التخفيف منها، ارتأيت – في هذه العجالة السريعة – أن أركز بشكل مختصر على بعض الحلول:

أولاً، على الشباب أن يفكِّروا في أصالتهم الفكرية والعملية المتمثِّلة في أصالتهم الإنسانية في الثّبات على الخط الإسلامي في حركتهم في الحياة، ولست أقصد بالأصالة أن يأخذوا بالماضي جملة وتفصيلاً، بل أقصد بها أن يؤكِّدوا إسلامهم في أي انفتاح على كل ما هو جديد في الفكر والسلوك.

ثانياً، أن يدخلوا في عملية مقارنة – إذا كانوا في موقع الموضوعية الفكرية – بين الفكر الإسلامي الذي ينتمون إليه في التزامهم بالإسلام وبين الفكر الشائع لدى الناس بفعل عوامل القوّة التي فرضته على الواقع، فقد يجدون في الإسلام فكراً متقدِّماً منفتحاً على المصالح الإنسانية الحقيقية، ويكتشفون في الفكر المعاصر فكراً متخلِّفاً بعيداً عن الواقعية في معالجة مشاكل الإنسان المتعدِّد الأبعاد من حيث المادّة والرّوح.

ثالثاً، أن لا ينفتح على الحريات الإنسانية من البعد الواحد الذي يمثّل الحالة الفردية للإنسان، بل لابد من التأمل الواعي للجانب الفردي والمجتمعي والعنصر المادي والروحي، بالإضافة إلى الانتباه إلى حقيقة إيمانية واحدة هي أن الإنسان من خَلْقِ الله، وعليه أن يتحرّك من موقع إرادة الله في حركته في الحياة وفي إدارة شؤون نفسه وشؤون الأرض، مما يجعل القضية مرتبطة بعلاقة الإنسان بربه وبنفسه وبالناس من حوله، وبالأرض التي يتحرّك عليها في واقعها البيئي والتنموي، وفي المخلوقات الحيّة أو النامية الموجودة على ظهرها.

رابعاً، يجب على العلماء أن يتفهموا شباب الأمّة ويتعرفوا على حاجاتهم الفكرية والعملية، ويفسروا لهم كل المجملات الإسلامية، لأنّ الشباب في قلقه الرّوحي يتطلّع إلى الوضوح في الرؤية والوعي في المعرفة، وهذا ما خلص إليه المجلس العلمي الأعلى في دورته الخريفية السابعة والعشرين المنعقدة يومي 21 و 22 دجنبر من السنة الماضية في مدينة مراكش، حيث اعتبر أن الأجيال الصاعدة أصبحت تتصرف بشكل لا ينسجم مع خلق هذه الأمة وتقاليدها وأعرافها، لذلك يجب على العلماء تصحيح مكامن الخلل، وإحداث صحوة خلقية لدى الشباب.

خامساً، إن الشباب طاقة وقوة هادرة، وإذا لم تستوعب هذه الطاقات في مسارات إيجابية وفضاءات إنسانية مشتركة، فسوف يفرغونها في انحراف فكري أو سلوكي، غلوًّا وتعصبًا أو تفريطًا وانحلالاً وتهاونًا، لذلك يجب على حكومات الدول أن تلبي احتياجات الشباب الاجتماعية من خلال حلول إيجابية، حيث توفر لهم فيها فضاءات مناسبة تستوعب طاقاتهم بصورة إيجابية بناءة.

وختاماً، فإني لا أزعم بهذه السطور قد قدّمت كل ما يمكن تقديمه من حلول للانحرافات العقدية والفكرية بين الشباب، لكنّني أختصر الحديث في كلمة واحدة، وهي أن الشباب ليس لذّة وشهوة وانفعالاً وأحلاماً سعيدة، بل هو مسؤولية وجودية ترتبط بالوجود كلّه، وإنسانيّة تتّصل بالإنسان كلّه، وروحيّة تنفتح على الله وعلى الدنيا والآخرة لتفكِّر في ذلك كلّه ولتحصل على سلامة المصير في كل أبعاده الدنيويّة والأخروية.

 

تعليق 1
  1. علي الغازي يقول

    بالتوفيق لك دكتور عبد العزيز
    دمت متألقا مبدعا معطاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.