منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فرص نجاح التطبيع مع الكيان الصهيوني “مقاربة تاريخية معرفية”

د. عماد الدين عشماوي

0

نقصد بالمقاربة التاريخية المعرفية محاولة رؤية الصراع العربي كما رواه التاريخ  وتكشفه المعرفة التي تجرد الحقائق من الوقائع، فهذه المقاربة، برأينا، تؤكد أن التطبيع كما يروج له الكيان الصهيوني والأنظمة العربية والمثقفين المطبعين محكوم عليه بالفشل مهما ظهر في الواقع العربي الرسمي بخلاف ذلك.

أولاً: فرص نجاح التطبيع تاريخياً

فشل التطبيع بين قادة الحركة التحريرية العربية وبين قادة الصهاينة في بدايات القرن الماضي  لأن الصهاينة لم تكن لديهم النية الصادقة وانكشفت حقيقتهم بسرعة ككيان استعماري إحلالي، كما فشل التطبيع عبر تجارب السلام في كامب ديفيد في السبعينيات من القرن الماضي ووادي عربة واتفاقات أوسلو في تسعينيات القرن الماضي، كما فشل في لبنان في ثمانينيات القرن الماضي من خلال التطبيع مع حزب الكتائب اللبناني وبث الفتنة بين اللبنانيين.

فالتاريخ طوال قرن ونصف من المواجهات، وسبعون سنة من نكبة فلسطين، يؤكد أنه يمكن للصهاينة أن يخططوا للتطبيع، وأن للأنظمة العربية أن تطبع وتتشارك مع الكيان الصهيوني، لكن الشعب العربي في أغلبيته، حتى اليوم، غير مستعد لأن يعترف بهذا الكيان الغاصب على حساب إخوانهم الفلسطينيين.

ثانياً: فرص نجاح التطبيع معرفياً

المزيد من المشاركات
1 من 62

ونقصد به دراسة التطبيع بين الأنظمة العربية والكيان الصهيوني على أسس معرفية تفتش عن الجوهري في العلاقة وصولاً للمستوى الحقيقي الذي يتم فيه إدراك الحقيقة الكلية والنهائية الكامنة وراءها  من خلال بناء نموذج تحليلي لعملية التطبيع ومآلاتها[1].

يقوم هذا النموذج على أن التطبيع كما يفهمه العدو الصهيوني مشروع هيمنة صهيونية يحقق الأمن والرخاء والاستمرار له، وهو الأمر الذي يحتاج إلى سيادة الرواية الصهيونية وقبولها من الشعوب العربية، وفي القلب منهم الفلسطينيين العرب، وهو مشروع مستحيل معرفياً، لأنه:

1-يستلزم تغيير عقائد العرب وتنازلهم عن ثقافتهم وتاريخهم وإلغاء هويتهم العربية والإسلامية.

2-وحتى لو تم ذلك، فكيف سيعالج الكيان الصهيوني ومن يطبعون معه، معاملته الوحشية للفلسطينيين وخططه المستمرة لدفعه للهجرة أو التهجير من أرضه والاستيلاء على مقدساته، ومعاملته العنصرية القائمة على التفرقة في الحقوق والواجبات داخل الكيان، وكيف سيبررونها للشعوب العربية وللعالم.

3-وقضية التطبيع ،  قضية خاسرة، لأنها قائمة على الاعتراف بفكرة الدولة الصهيونية اليهودية الخالصة، القائلة بالحفاظ على إسرائيل كدولة يسودها العنصر اليهودي من الناحية الديمغرافية، في حين أن أعداد الفلسطينيين تتزايد بمعدلات أكبر من الصهاينة، وهو ما يجعل  الدولة اليهودية مستحيلة، إلا بالقهر أو التهجير القسري للفلسطينيين، وهو ما يعني في الأخير فشل التطبيع.

4-وحتى لو تخطى الكيان الصهيوني كل ما سبق، فكيف سيتجاوز هاجسه الأمني وهاجس الزوال ومصير الصليبين الذي يطارده فيجعله لا تطمئن للعرب مهما طبعوا، فالتاريخ يعلمهم أن العرب ما إن يفيقوا من غفلتهم سيحرروا أوطانهم منهم، وهو الأمر الذي يجعل صدامهم بالعرب متوقعاً في كل لحظة مما يضعف أي فرصة لاستمرار التطبيع.

5-التطبيع، اليوم، قائم على ضغوط الولايات المتحدة الأمريكية على الأنظمة العربية، والتوحد حول الخطر الإيراني والخطر الإسلامي والقومي الداخلي واستمرار قيادات خانعة للكيان الصهيوني في السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية، فماذا لو تلاشى التهديد الإيراني للعرب، أو حدثت مصالحات تلك الأنظمة مع معارضتها الإسلامية والقومية، وظهر جيل جديد في منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية والأنظمة العربية قادر على تجاوز الخلافات والتوافق بشكل أفضل على حل القضية الفلسطينية حلاً عادلاً، كما حدث مراراً في التاريخ العربي، خاصة في ظل تردي واضح لمكانة الولايات المتحدة الأمريكية في العالم، والتي لن تظل مهيمنة على عالمنا مدى الدهر.

وفي الأخير فإن التاريخ والمقاربة المعرفية والمستقبل يقولون باستحالة نجاح استراتيجية التطبيع، على الرغم من كل ما نراه من تطبيع حكومي عربي مع الكيان الصهيوني.


[1] راجع مفهوم المعرفي والنموذج التحليلي، عند الدكتور عبد الوهاب المسيري، في:

المسيري، عبد الوهاب،”نحو نموذج تفسيري اجتهادي”، إسلامية المعرفة،السنة الرابعة، العدد السادس عشر(1999م)، ص150 وما بعدها.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.