منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مخاطر التطبيع والرؤية المستقبلية لتحرير فلسطين

مخاطر التطبيع والرؤية المستقبلية لتحرير فلسطين/ شيماء عيساوي

0

مخاطر التطبيع والرؤية المستقبلية لتحرير فلسطين

بقلم: شيماء عيساوي

إن بيت المقدس عرين الأمة، وجوهرتها النفيسة، أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، ومهد الرسالات السماوية، وأرض المعارك الاسلامية المجيدة، التي لا توجد فيها ذرة رمل واحدة إلا وقد رويت بدماء الصحابة، والتابعين، والمجاهدين، والسلف، كيف لا وهي جزء من عقيدتنا الإسلامية، وملك لجميع المسلمين، وقطعة من الوطن الإسلامي، لا يجوز التفريط في شبر واحد منها، وسأتناول في هذا المقال: فضل الشام وبيت المقدس، وفضل الجهاد ودوره في الحفاظ على الأمة وتحرير فلسطين، وعلى مفهوم التطبيع وخطره على الأمة، وأختم برؤية مستقبلية لتحرير فلسطين والأقصى بإذن الله تعالى.

فضل الشام وبيت المقدس

أرض الشام أرض مباركة؛ باركها الله تعالى في القرآن الكريم، ورسوله صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (الإسراء: 1). وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اللهم بارك لنا في شامنا اللهم بارك لنا في يمننا[1]. وهي أرض المحشر والمنشر، فقد روي عن أمنا ميمونة رضي الله عنها أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أفتنا في بيت المقدس، قال: “أرض المحشر والمنشر”[2]. فأرض الشام أرض مباركة، لا يمكن أن يدوم ملك ظالم فيها أبدا، لأنها موطن الطائفة المنصورة، ومعيار قياس صلاح الأمة وفسادها، فعن معاوية بن قرة عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، لاتزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة[3]. وهي أكثر البقاع التي وصى النبي صلى الله عليه وسلم بسكناها بعد مكة المكرمة، والمدينة المنورة، لأن خيرها وأمنها غالب؛ فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: “الخير عشرة أعشار، تسعة بالشام، وواحدة في سائر البلدان، والشر عشرة أعشار، واحدة بالشام وتسعة في سائر البلدان، وإذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم[4]. ومن أعظم فضائلها أن الملائكة باسطة أجنحتها عليها، فعن زيد بن ثابت قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم نُؤَلِّفُ القُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طُوبَى لِلشَّامِ»، فَقُلْنَا: لِأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا»[5].

أرض الشام ومنها فلسطين، وفي قلبها القدس، وفي قلب القدس المسجد الأقصى؛ أولى القبلتين، الذي اختاره الله تعالى ليكون محراب النبي صلى الله عليه وسلم في إمامته بالأنبياء، وبوابته إلى السماوات العلى، ليلة الإسراء والمعراج، فمن فضل الله وبركته أن يسر لنبيه النظر إلى بيت المقدس من منظارين، أولهما منظار إخبار، وثانيها منظار اعتبار، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ، قُمْتُ فِي الحِجْرِ، فَجَلاَ اللَّهُ لِي بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ»[6].

بالإضافة إلى ما سبق يعتبر الموقع الجغرافي لبيت المقدس بمثابة مركز العالم كما جاء في نظرية هارفارد للعالم البريطاني الذي قال: “إذا أردت أن تسيطر على أوروبا وآسيا وإفريقيا لابد أن تسيطر على القدس فهي مركز العالم”.

أهمية الجهاد وفضله

إيمانا منا بأن القضية الفلسطينية قضية مركزية، تخص أمة الإسلام ومستقبلها، يجب الاهتمام بكل ما يجري في فلسطين من أحداث سابقة وآنية في نفس الوقت، حتى لا ننسى ما عاناه الشعب الفلسطيني الأبي، ونفتخر بالمجاهدين الصابرين وبالمقاومة، ونحث أنفسنا على الجهاد، ونبين مكانته وفضله في الإسلام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «تَضَمَّنَ اللهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ، لَا يُخْرِجُهُ إِلَّا جِهَادًا فِي سَبِيلِي، وَإِيمَانًا بِي، وَتَصْدِيقًا بِرُسُلِي، فَهُوَ عَلَيَّ ضَامِنٌ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، أَوْ أَرْجِعَهُ إِلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ، نَائِلًا مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، مَا مِنْ كَلْمٍ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِ اللهِ، إِلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهِ حِينَ كُلِمَ، لَوْنُهُ لَوْنُ دَمٍ، وَرِيحُهُ مِسْكٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ يَشُقَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مَا قَعَدْتُ خِلَافَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ أَبَدًا، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ، ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ»[7]، بهذه الصورة الرائعة والجليلة يصور المصطفى صلى الله عليه وسلم الثواب والأجر الذي يناله المجاهد في سبيل الله؛ الذي ضحى بنفسه، وماله، وعائلته، في سبيل إعزاز كلمة لا إله إلا الله، والدفاع عن البلاد، وعن كل ما هو مقدس، فأي منزلة أسمى من تلك المنزلة الرفيعة العالية التي خص الله جل جلاله بها المجاهدين حين قال: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ  فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (آل عمران 169 – 170)، فأي بشارة، وأي كرامة، وأي تشريف، وأي تخليد، من الله عز وجل الذي أنعم على الشهداء بجنان الخلد، ودار النعيم، في تلك الحياة السرمدية، حتى تمنى الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديث أعلاه أن يقتل في سبيل الله، ثم تعود له الحياة فيجاهد ثم يقتل، لما عرف من ثواب الشهادة في سبيل الله، لذا كان الجهاد في شرعة الإسلام فريضة لابد منه لنيل العزة والكرامة، فهو شعار هذا الدين، وعز هذه الأمة وحصنها المتين، والغرض منه دفع كيد الكافرين والمعتدين، وإعلاء كلمة الحق، ونشر المبادئ الإنسانية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية. فما تركت أمة الجهاد في سبيل الله إلا هانت. وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ترك الجهاد فقال: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ، مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ»[8]، كما حث الله تعالى المؤمنين على الصبر والثبات، وعدم الفرار من ساحة الشرف، ومن ميدان النضال والكفاح، عند التقاء الحق بالباطل، فقال تعالى : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (الأنفال: 45)، فالجهاد مستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولا ينقطع بإذن الله ما بقي هذا الدين، لأنه الضمانة الخالدة لخلود الإسلام، وعلى هذا الأساس فهم المسلمون الأوائل دينهم، فاندفعوا لإقامته يجاهدون بأموالهم وأنفسهم، فكان الواحد منهم إذا طرقت سمعه صيحة من صيحات الجهاد، سار ونفر إلى بذل روحه نشيطا في سبيل الله، مشتاقا إلى لقاء الله، مؤمنا بموعود الله له، إما النصر أو الشهادة.

ومن أرقى واجبات العبودية لله في الأرض، وأسمى ما يمكن تقديمه للإسلام في هذا الوقت الذي أصاب المسلمين ما أصابهم من بلايا ورزايا؛ إحياء ما أماته المسلمون من سنة الجهاد، وذلك بالحرص تعليم الأطفال والشباب معنى الكفاح، والنضال، وكيفية الدفاع عن ممتلكات المسلمين وأراضيهم؛ الدفاع المعرفي والفكري، بدءا بجهاد النفس، ثم جهاد من أذاقونا الهوان والمهانة والذل والخسف على مدى قرون، ولن يتم صلاح هذه الأمة إلا بما صلح به أولها، من استمساك بعرى الإسلام، وتطبيق كامل وأمين لسنة النبي العدنان، الذي لم يترك طريقا من طرق الرحمة والخير، إلا ودل أمته عليه، ولم يترك سبيلا من سبل الشر إلا حذر أمته منه.

ورغم أن الجهاد فريضة مقدسة، إلا أن السنة النبوية تنهى عن تمني لقاء العدو، فعلى المسلم أن يطلب السلامة والمعافاة وألا يتعرض للبلاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أَيُّهَا النَّاسُ، لاَ تَمَنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وَسَلُوا اللَّهَ العَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ ظِلاَلِ السُّيُوفِ»[9].

مفهوم التطبيع والفرق بينه وبين الهدنة، والصلح، والمعاهدة

يعتبر مفهوم التطبيع من المفاهيم الجديدة، إذ أنه غير موجود في الشريعة الإسلامية؛ لا المنزلة، ولا المؤولة، بل هو من الشريعة المبدلة، والمفاهيم المعروفة في الشريعة الإسلامية: الهدنة، والصلح، والمعاهدة. والصلح يكون على إثر الحرب القائمة بين المسلمين والمشركين، إذ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صالح قريشا عام الحديبية على أن يضعوا الحرب عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف بعضهم عن بعض، ودخلت خزاعة في عهد رسول الله، ودخل بنو بكر في عهد قريش، ولكن بنو بكر اعتدوا على خزاعة ونقضوا عهدهم، وأعانتهم قريش بأنفسهم وبالسلاح، فكان ذلك نقضا للصلح الواقع بينهم وبين الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، فقدم وفد من خزاعة على رسول الله مستغيثين فقال الرسول الأمين: “لَا نَصَرْت إنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِي كَعْبٍ (يعني خزاعة) مِمّا أَنْصُرُ مِنْهُ نَفْسِي[10]، وتوجه رسول الله إلى مكة ففتحها الله عليه، والحال أن الصلح يكون مؤقت لقول العز بن عبد السلام رضي الله عنه: “فإن خيف على أهل الاسلام جاز التقرير بالصلح عشر سنين، رعاية لمصالح المسلمين، وتوقعا في هذه المدة إسلام بعض الكافرين، وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين فدخل منهم خلق كثير في الاسلام، ولا تجوز الزيادة عليها، لأن الكفر أنكر المنكرات فلا يجوز التقرير عليه إلا بقدر ما جاءت به السنة”[11].

وأما المعاهدة فتكون بين منتصر مسلم ومهزوم كافر، بمعنى لا مصالحة، ولا مسالمة، بين المؤمنين والمشركين، إنما تكون بينهم معاهدة مقابل جزية، أو أن يكونوا تحت حكم المسلمين ينفذون أوامرهم، وذلك بحمايتهم والتعايش معهم، كما فعل النبي الأمين صلى الله عليه وسلم مع يهود المدينة المنورة، فقد قال محمد بن كعب القرظي: “لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، وأودعته يهود كلها، وكتب بينه وبينها كتابا وألحق كل قوم بحلفائها، وكان فيها شرط عليهم: ألا يظاهر عليه عدوا، ثم لما قدم المدينة بعد وقعة بدر بغت اليهود، وقطعت ما كان بينها بين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد فأرسل إليهم فجمعهم وقال: “يا معشر يهود، أسلموا تسلموا، فو الله إنكم لتعلمون أني رسول الله“. وفي رواية أخرى: “أسلموا قبل أن يوقع الله تعالى بينكم مثل وقعة قريش ببدر“”[12]. وقال أبو حنيفة رضي الله عنه: “لا ينبغي موادعة أهل الشرك إذا كان بالمسلمين عليهم قوة”[13].

بقي مفهوم ثالث وهو الهدنة؛ وتكون في حالة الضعف لقوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (التوبة: 7).

قال السرخسي في فقهه: “أن قوما من المسلمين لو حاصرهم المشركين ولم يكن للمسلمين بهم طاقة، فدعوهم إلى الصلح والأمان كان أفضل للمسلمين أن يصالحوهم ويقبلوا أمانهم”[14].

حكم التطبيع

التطبيع بمعنى جعل الشيء طبيعيا، وإعادة العلاقات السياسية، والاجتماعية، وحتى الدينية إلى طبيعتها، ونعود نحن واليهود جيران في الإنسانية، وبيننا محبة ومودة، وتنسى كل الدماء التي أريقت، وكل المجازر، والمسالخ، والتعذيب، والتنكيل، الذي أصابنا على أيديهم، غير مقبول، لهذا لا يجوز الصلح، ولا الهدنة مع اليهود، لأنه منذ عهد موسى عليه السلام أصبحوا إما ظلمة معتدين، وإما مرابين، فكل عبقريتهم تتلخص في أعمال النهب والسرقة والمجون والجرائم، فقد خاطبهم لوثر قائلا: “أنتم معاشر اليهود كنتم منذ أكثر من خمسة عشر قرنا عنصرا لعنه الله، لا حكومة لكم ولا قانون ولا أنبياء ولا معبد ليس لكم مزية تفتخرون بها إلا خطاياكم”. وقال قيصر ألمانيا ولهم الثاني: “إن اليهود أصل كل بلاء العالم”. كما شهد شاهد من أهلها وهو الفيلسوف اليهودي كارل ماركس الذي قال: “من هو أصل اليهودية؟ أصلها تلهف وطمع عملي لتحصيل الفائدة الربوية. في ماذا تتلخص تقوى اليهودية الدينية؟ تتلخص في ابتزاز الأموال. ما هو إله اليهودية؟ إلههم المال”.

وقال جورج واشنطن الرئيس الأمريكي الأول: “إنهم يعملون ضدنا عملا أجدى من عمل جيش العدو، إنهم أخطر من العدو مائة مرة على حريتنا، وعلى القضية العظمى التي تشغل بالنا… من المؤسف جدا أن لا تكون كل ولاية قد طاردتهم منذ أمد طويل، بوصفهم أعظم جائحة اجتماعية، وأكبر عدو عرفته أمريكا قط”.

إن كان الكفار شهدوا في اليهود بهاته الشهادات المقيتة، ووصفوهم بأنهم خونة، لا شرف لهم، ويعتبرون كل الناس أعداء لهم، فكيف للمسلمين والعرب أن يطبعوا معهم باسم السلام والهدنة والصلح؟ ومن تمام عقيدتنا الإسلامية أن نؤمن بحتمية قتالنا لليهود، وبأن لنا يوما سننتصر فيه عليهم، تصديقا للحديث الصحيح الذي يقول فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ، فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِيُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ، فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ: يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللهِ هَذَا يَهُودِيٌّ خَلْفِي، فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ، إِلَّا الْغَرْقَدَ، فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ[15].

يقول عبد الله قادري: “ولعل الله سبحانه الحكيم العليم إنما يجمعهم في بلاد المسلمين في فلسطين، لينزل بهم هذا اليوم المنتظر وما سبقه من الإعداد لهم والتنكيل بهم. ولعل ما يحدث من زعماء بعض الشعوب الإسلامية من مودتهم وموالاتهم وتسهيل سبل بقائهم ما هو إلا تقدير سماوي يمهد لكتائب شباب الاسلام المجتهدين الطريق إلى قتلهم واستئصالهم هم وأذنابهم من أعداء الإسلام الذين يسمون بأسماء إسلامية، وهذا من الأدلة الصريحة على أبدية الجهاد في سبيل الله”[16].

ويقول  الدكتور محمد أحمد الراشد: “إن موقف المقاومة الفلسطينية الرافض للصلح مع يهود، تشهد له بإذن الله براهين شرعية، وقانونية، وعرفية، واقتصادية، تصححه، وتمنح له الصواب بمقدار وافر، يأذن له ويجيز أن تعكس رفضها في صورة قتال تنطبق عليه الأوصاف الشرعية لفريضة الجهاد … والشرع إنما أجاز الصلح الذي هو بمعنى الهدنة والموادعة، لا الصلح الذي بمعنى الإقرار الدائم للكفار باحتلال جزء من دار السلام، بل هذا الجزء الذي هو فلسطين له قدسية ومكانة خاصة استثنائية، ولم أجد فقيها واحدا يقول بجواز الصلح بمعناه الذي يشمل التنازل عن الأرض والإقرار باحتلالها على سبيل الاستطراد والدوام”[17].

إن ما نراه ونسمعه في مجتمعاتنا أن إسرائيل تعمل من أجل السلام، بل إن كثيرا من المسلمين وقعوا تحت تأثير الأكاذيب التي تقول إن يهود هذا القرن يعملون من أجل السلام، في حين أن الأمة الإسلامية، وكل العرب ما رأوا منهم إلا الويلات، والحروب، والتعذيب، والتنكيل.

يقول الدكتور محمد أحمد الراشد: “إن الصلح الحالي الذي هو التطبيع يقلب الأمور ويعكسها، إذ به يصير المسلمون في ذمة اليهود وتكون لليهود اليد العليا علينا، وبذلك تفعل الظواهر الحضارية، والحقائق النفسية الإنسانية فعلها فيكون تقليد المسلمين على المفاهيم اليهودية وتنفتح قلوبهم لقبول الشبهات وتتسارع خطواتهم نحو الشهوات، وذلك من ظواهر السلوك النفسي عند تقادم الاحتلال، إذ يؤثر الغالب على المغلوب بتدرج بطيء، وقد بين علماء الاجتماع ذلك من لدن ابن خلدون في مقدمته وإلى علماء هذا العصر، ويحدث مثل الذي حصل من تأثير أهل الذمة بالإسلام في القرون الأولى عندما حكمهم المسلمون ولكن يكون في فلسطين العكس، إن بروز هذه الحقيقة المعكوسة تماما، ورجحان تأثر أجيال المسلمين بالتربية اليهودية بعد حصول الاسترخاء الذي تولده الحالة السلمية التطبيعية، وتعين عليه وسائل الإعلام المتطور ودؤاسات اليهود والغربيين في مجال علم النفس: كل ذلك يجعل خطوة الصلح خطوة انتحارية تحطم الشخصية الفلسطينية العربية الإسلامية”[18].

الرؤية المستقبلية لتحرير فلسطين

إن التربية الإيمانية هي الركيزة الأساسية، وهي نبع الفضائل، التي يجب أن يتحلى بها هذا الجيل، جيل الخلافة على منهاج النبوة، جيل الصحوة الإسلامية الذي يجب أن يضع قواعد السلوك الإيماني، والاجتماعي، الذي يرتفع بالنفوس إلى أعلى الدرجات، ومن مبادي الأخلاق ما يرقى بالإنسان إلى أعلى المقامات، والحذر الشديد من وسائل الإعلام المدمرة، والأفلام الخليعة، والصور الفاسدة، التي تسهر عليها إسرائيل لإيصالها بشتى الطرق للشباب المسلم، لكن إذا عزلنا ضخمنا هذا الأمر متأثرين بهمومنا وآلامنا، أصبح عائقا يستحيل تجاوزه، أما إذا وضعناه في السياق التاريخي، فإنه يصبح مجرد سحابة عابرة، وإذا أدركنا الطاقة الهائلة التي يزود بها نظام القيم التربوية الإسلامية الإنسان، والآفاق الرحبة التي يفتحها أمامه لتنمية الحياة، وضبط مسيرة الحضارة البشرية في النطاق السليم فلا تزيغ ولا تتيه، وإذا أدركنا بالمقابل فداحة الجرم، وعظم الخيانة التي يرتكبها اليهود في حق المجتمع المسلم، وفي حق فلسطين، من أجل إخراج الأمة الاسلامية عن مسارها الصحيح، والزج بها في خضم متلاطم، فاليهود يعملون على إنتاج الأفلام التي تعتمد على العنف والإثارة، وأفلام الدعارة، وتوسيع دائرة نوادي العراة، وإدخال هذه الأسلحة إلى البلاد الاسلامية مع إلباسها ثوب البراءة، بشرط أن تكون بسيطة التركيب، حتى يستوعبها المشاهد العربي ويقلدها في يسر، لأن النفس دائما تهفوا إلى الممنوع، ونعلم جيدا أن العالم الاسلامي والعربي يفتقد السيادة الإعلامية، لذا يجب الحذر كل الحذر من هذه الوسائل وما تروج له.

وحتى لا ننسى الجانب الاقتصادي وهو جانب مهم، لأن رعاية المصالح الاقتصادية من تمام الإسلام، واعتبارها والاستدلال بها من تمام النظر الفقهي العميق، ومن خطة التطبيع احتكار أموال وثروات البلاد العربية لليهود، وجعل المسلم يتعامل مع السوق على روح مادية تبعده عن روح الجهاد، وفقدان المال الاسلامي سيجعل السياسة الاسلامية أضعف، وقيام المسلم بدور المستهلك سيجعل المنتج اليهودي في مقام السيادة المطلقة.

وقد حظيت فلسطين باهتمام كثير من العلماء والمجددين، وعلى رأسهم الإمام المجدد عبد السلام ياسين رحمه الله، الذي أعطى لفلسطين نصيب وافر من كتاباته وتحركاته على أرض الواقع، ومن خلال دروسه وحواراته ودعواته للتضامن مع إخواننا هناك، فقد شدد في المنهاج النبوي على أن تحرير الأمة وبناء الخلافة، ليس له سوى طريق واحد يمر عبر تحريرها، فتحرير أراضي المسلمين وفي مقدمتها القدس هدف المنهاج ومطلب نظرية التغيير، واعتبر أن قضية فلسطين هي ركن أصيل لأي نهضة مرتقبة لأمتنا، ورؤيته لمستقبل فلسطين وتحررها في ضوء مشروعه التغييري، تعطي كل إنسان مسلم الأمل، وتحشد قلبه وتنير عقله وتدفع إرادته ليتحقق بحقيقة الإنسان المستخلف على الأرض، ويؤدي دوره في النهوض بأمته وتحرير فلسطين.

وحظيت القضية الفلسطينية أيضا باهتمام الإمام حسن البنا، حتى لا تذكر فلسطين إلا وذكر الإمام البنا بقوله: “إن فلسطين تحتل في نفوسنا موضعا روحيا وقدسيا، فوق المعنى الوطني المجرد، إذ تهب علينا منها نسمات بيت المقدس المباركة، وبركات النبيين والصديقين، ومهد السيد المسيح عليه السلام، وفي كل ذلك ما ينعش النفوس ويغذي الأرواح”.

خاتمة

إن هذه الأمة مهما أدلهمت عليها الخطوب، وأوجعت فيها الكروب فهي منتصرة لا محالة، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ (الصف: 8 – 9).

يقول سيد قطب في تفسيره لهذه الآية: “وما تزال حقيقة وعد الله تنبعث بين الحين والحين. وتنبض وتنتفض قائمة، على الرغم ما جرد على الإسلام والمسلمين من حرب وكيد وتنكيل، وبطش شديد. لأن نور الله لا يمكن أن تطفئه الأفواه، ولا أن تطمسه كذلك النار والحديد، في أيدي العبيد، وان خيل للطغاة الجبارين، وللأبطال المصنوعين على أعين الصليبيين واليهود أنهم بالغو هذا الهدف البعيد. لقد جرى قدر الله أن يظهر هذا الدين، فكان من الحتم أن يكون”[19].

ختاما نقدم التحية لكل من جاهد بالعلم، والمعرفة، والمال، من خارج الحدود الفلسطينية، ونحيي أبطالنا المرابطين، والأسرى، والمقاومة، التي بادرت ورابطت على الثغور، فإنهم مظنة الهداية والتوفيق بإذن الله، وإننا نحن المسلمون طلاب عدالة وحق، ولذا فنحن نمد أيدينا إلى السلام القائم على الحقوق، وإخراج المحتل من أرض فلسطين، وبلاد العرب والمسلمين، فبيت المقدس عرين الأمة، وجوهرتها النفيسة، وقبلة المؤمنين الصادقين، وعزيمة المجاهدين الذين يحاربون المحتلين.

والحمد لله رب العالمين.


[1] صحيح البخاري، كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الفتنة من قبل المشرق»، رقم الحديث: 7094

[2] سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في الصلاة في مسجد بيت المقدس، رقم الحديث: 1407

[3] سنن الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء في الشام، رقم الحديث: 2192

[4] ابن عساكر، تاريخ دمشق، عن دمشق والشام، باب إعلام النبي (صلى الله عليه وسلم) أمته وإخباره أن بالشام من الخير تسعة أعشار

[5] سنن الترمذي، أبواب المناقب، بَاب في فضل الشام واليمن رقم الحديث: 3954

[6] صحيح البخاري، كتاب مناقب الأنصار، باب حديث الإسراء، رقم الحديث: 3886

[7] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، رقم الحديث: 1876

[8] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب ذم من مات ولم يغزو ولم يحدث نفسه بغزو، رقم الحديث: 1910

[9] صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب لا تتمنوا لقاء العدو، رقم الحديث: 3024

[10] الواقدي، المغازي، الجزء الثاني، شأن غزوة الفتح

[11] العز بن عبد السلام، الملقب بسلطان العلماء، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، 1 /93

[12] السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، شرح السير الكبير، أبواب سُهمان الخيل والرجالة في الغنائم، باب الموادعة

[13] السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، شرح السير الكبير، أبواب سُهمان الخيل والرجالة في الغنائم، باب الموادعة

[14] السرخسي، أبو بكر محمد بن أحمد بن أبي سهل، شرح السير الكبير، أبواب سُهمان الخيل والرجالة في الغنائم، باب فداء الأسرى.

[15] صحيح مسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ، فَيَتَمَنَّى أَنْ يَكُونَ مَكَانَ الْمَيِّتِ مِنَ الْبَلَاءِ، رقم الحديث: 2922

[16] القادري، عبد الله بن أحمد، الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته، دار المنارة، جدة، ط2، 1413ه – 1992م، 1/112

[17] أصول الافتاء والاجتهاد التطبيقي ج 4 / 229

[18] أصول الإفتاء والاجتهاد التطبيقي 4/295

[19] سيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، الطبعة الشرعية 32، 1423هـ – 2003م، 28/3559

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.