منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الخطاب العُلَمائي المساند للتطبيع.. أسبابه ومغالطاته

د.عبد الله الجباري

0

المقال نشر في كتاب “نحو تفكيك خطاب علماء التطبيع”

مقدمة:

بعد استنبات الكيان الصهيوني في قلب الوطن العربي والأمة الإسلامية، وقع إجماع من علماء المسلمين وفقهائهم على نبذ هذا الكيان وتحريم التعامل معه، وبقي هذا الحكم المجمع عليه ساري المفعول، قائم الحجية، طيلة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات، وبعد اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين أنور السادات والكيان الصهيوني، طرأت على الساحة السياسية تحولات، فأثرت في الحياة الثقافية، فوقعت تحولات عند كثير من المثقفين، ومنهم الفقهاء، فطفت على السطح فتاوى وآراء فقهية تسوغ “التطبيع” مع الكيان الغاصب، إلا أنها كانت آراء شاذة لا يُلتفت إليها.

ومع مرور الزمن، لجأت دولتا البحرين والإمارات العربية المتحدة إلى توقيع اتفاق مع الصهاينة، ونظرا لما لدولة الإمارات من ثروة مالية، ومن قدرات إعلامية، فإنها استطاعت أن تجلب -قبل مدة- جماعة من المثقفين والفقهاء، وتمنح بعضهم جنسيتها، وتغدق عليهم بما لا يخطر على بال من الأموال والإكراميات، ومنحتهم الفرصة تلو الفرصة للظهور الإعلامي للترويج لمخططات صهيوأمريكية، وتغطيتها بمسوح دينية، ومسوغات شرعية.

هذا الظهور الإعلامي المتكرر، والدعم السخي، سيجدان لا محالة أثرا في المتلقي العربي، لذا رأينا نقض مقولاتهم، وتبيان تهافتها، حتى تظهر عارية عن المسوغ الشرعي، وقبل ذلك، حاولنا أن نبين سبب خرق الإجماع المنعقد منذ استنبات الكيان الغاصب، وأسباب تحول الخطاب العلمائي عند بعض فقهائنا.

المزيد من المشاركات
1 من 43

المبحث الأول: أسباب ظهور الخطاب العلمائي المساند للتطبيع:

سجلنا بداية أن فقهاءنا قرروا بالإجماع، حرمة التعامل مع الكيان الصهيوني، وحرمة الاعتراف به، لا خلاف بين سنتهم وشيعتهم وغيرهم، وبعد مدة من الممانعة، بدت على السطح مقولات ممهدة أو متوازية مع “التطبيع” الذي انساق إليه بعض الحكام، وأحيانا، نجد للعالِم الواحد قولين، قول ضد التطبيع، وقول ناسخ مجوِّز له، فما هي أسباب هذه التحولات؟

بالعودة إلى مقولات المجوزين، نجدها غير مستندة على أدلة ذات وجاهة، ولا نلفيها مبنية على أسس من العلم والنظر تصمد أمام البحث والمناقشة، مما يجعلنا نبحث عن أسباب ذاتية للتحولات، أكثر من البحث عن أسباب علمية.

ومن أهم أسباب تحولات الخطاب العلمائي:

أولا: العالم الأجير:

ليحفظ العالم علمه، ويصون نفسه عن التحولات غير العلمية، عليه أن يكون مستقلا، والعالم الأجير غير مستقل بوجه من الوجوه، والواجب على المجتمع بهيئاته المدنية أن يحتضن العالم صيانة له وإكراما.

ثانيا: ذلة العلماء أمام الحكام:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 3

من العلماء من يذل نفسه ويهينها، ويذل علمه بالتبع. والعالم يجب أن يكون أَبِيَّ النفس، عالي الهمة، وقد قال الإمام مالك قولته المشهورة: “العلم يؤتى ولا يأتي”.

والركون إلى الحكام والتلذذ بعطاياهم قد يورث دخنا في الدين، وقد يؤثر على أقوال العالم وفتاويه، لذلك حذر العلماء من مجالستهم ومخالطتهم، وقد بوب حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر لأحد أبواب جامع بيان العلم وفضله بقوله: “باب ذم العالم على مداخلة السلطان الظالم”، وأورد فيه نصوصا وأقوالا، منها: “شر الأمراء أبعدهم من العلماء، وشر العلماء أقربهم من الأمراء”، وقول الإمام سحنون: “ما أسمجه بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه، فيُسأل عنه، فيقال: إنه عند الأمير”، وقال ابن عبد البر معلقا ومبينا: “معنى هذا الباب كله في السلطان الجائر الفاسق، فأما العدل منهم الفاضل فمداخلته ورؤيته وعونه على الصلاح من أفضل أعمال البر”[2]. وحكام اليوم الذين انساقوا مع التطبيع من النوع الأول في تقسيم ابن عبد البر، كما يدرك ذلك كل ذي فهم.

ثالثا: العلماء غير العدول:

العالم المطلوب، والعالم المقتدى به، هو العالم العدل، وقد أشار إلى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”[3]، وإذا كان العالم لا يذب عن الدين، ولا يقوم بواجبه في نفي تحريفات الغلاة، ولا ينفي عن الشرع ما انتحله المبطلون ونسبوه إليه، ولا يواجه تأويلات الجاهلين، فإنه عالم غير عدل بنص الحديث.

والعالم إذا لم يكن مستقلا، ولم يكن أبي النفس، ولم يكن عدلا، فإنه لا محالة سيجتهد في الانتصار للتطبيع وغيره، وسيبذل الوسع لـ”تأصيله” تأصيلا شرعيا، وسيصير من حيث لا يتفطن عالما مجتهدا في “انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”.

ولا يحمي العالم نفسه إلا إن تمثل قيمة الزهد المنصوص عليها في مبادئ الإسلام، ومنه أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في حب الدنيا وكراهية الموت، وتعاسة عبد الدينار والدرهم، وغير ذلك مما تحفل به المصنفات الحديثية بكل أنواعها.

المبحث الثاني: مغالطات الخطاب العلمائي المساند للتطبيع:

نظرا لمكانة الدين والتدين في المجتمعات المسلمة، فإن الحكام غالبا ما يبحثون عن مسوغات شرعية لكثير من تصرفاتهم، لضمان قبولها شعبيا، واستساغتها من العامة، لذلك يلجأون إلى الفقهاء لإضفاء الطابع الشرعي عليها، والبحث عن الأدلة المناسبة لها.

وقضية التطبيع مع الكيان الصهيوني لا تشذ عن قاعدتهم، لذلك استعانوا بكثير من الفقهاء في النازلة، ولما لم يجدوا دليلا يستندون إليه، لجأوا إلى المغالطات، ومنها:

المغالطة الأولى:

استندوا في تمرير مغالطاتهم على آية قرآنية محكمة كلية، وهي قوله تعالى وتقدس: “وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا” [سورة الأنفال، الآية: 61].

وتنزيل هذه الآية على نازلتنا لا يحيد عن “تأويل الجاهلين” الذي أُمِر العلماء العدول بنفيه والرد عليه.

والآية تتضمن صيغة الشرط “إن جنحوا”، فهل جنح الصهاينة إلى السلم حتى يستقيم جنوح غيرهم؟

بالتأمل في واقع الصهاينة، نجدهم ممن جنح إلى الحرب دون سواها، فهم في حرب مستمرة مع الفلسطينيين وغيرهم، وحروبهم متنوعة؛ حروب عسكرية، وحروب اقتصادية، وحروب سياسية، وغيرها؛ وهم إلى الآن يحاصرون إخواننا في فلسطين؛ والحصار من أنواع الحروب؛ وقصفهم لأشخاصهم وبناياتهم ومرافقهم لم يتوقف، وضغطهم على العالم لمنع استصدار أي قرار في صالحهم مستمر، فأين جنوحهم للسلم؟

أما الحرب الثقافية التي يخوضونها ضد العرب والمسلمين في الداخل والخارج، فحدث ولا حرج، فهم يبثون في كتبهم المدرسية، وفي أناشيدهم، وفي أفلامهم، كراهة العرب والمسلمين، وحتى مشجعو بعض الفرق الرياضية، لا يهتفون في مدرجات الملاعب إلا شعارات من هذا القبيل.

المغالطة الثانية:

استند فقهاء التطبيع على القرآن الكريم أيضا، واستدلوا بقوله جل وعز: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ” [سورة النساء، الآية: 59]. واستنبطوا من الآية وجوب طاعة ولي الأمر، وأضافوا إليها أن علاقات السلم والحرب وسائر العلاقات الدولية هي من اختصاص ولي الأمر حصرا.

والقول بأن هذه التصرفات حقوق حصرية للإمام لا يحق لأحد أن يتدخل فيها أو يناقشها، هو من دين الاستبداد وشريعته، ومن نسبه إلى الشرع فهو من باب “انتحال المبطلين” لا غير، وتتجلى مغالطة القوم من خلال الملاحظات الآتية:

أ – النبي صلى الله عليه وسلم هو ولي الأمر الأول في الأمة، وهو ولي الأمر القدوة، ورغم مكانته في قلوب أصحابه، فإنه لم يجعل علاقات السلم والحرب من اختصاصاته الحصرية، بل كان يخضعها للشورى، ودوننا مشورته لأصحابه في أسرى بدر، ومشورته لهم في مكان خوض معركة أحد، وغيرهما، وهذا ما حدا بأبي هريرة ليقول: “ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم”[4].

والحكام الذين لجأوا إلى التطبيع مع العدو لم يستشيروا أحدا؛ لم يستشيروا مواطني بلدهم في استفتاءات، ولم يستشيروا الفلسطينيين الموجودين في الخندق الأول للمواجهة؛ فكيف نجعل قولهم مطاعا؟

ب – من المعلوم عند العلماء، أنهم ينظرون إلى السياق في تفسير آي القرآن، ويراعون مبدأ التناسب بين الآي داخل السورة الواحدة، أو بين السور، ولفهم آية الطاعة، لا بد من النظر في الآية التي قبلها، وفيها قوله تعالى: “وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” [سورة النساء، الآية: 58]، قال أبو حيان في تفسير آيتنا: “مناسبتها لما قبلها، أنه لما أمر الولاة أن يحكموا بالعدل، أمر الرعية بطاعتهم”[5]، وقال الزمخشري: “لما أمر الولاة بأداء الأمانات إلى أهلها وأن يحكموا بالعدل، أمر الناس بأن يطيعوهم وينزلوا على قضاياهم. والمراد بأولي الأمر منكم: أمراء الحق، لأن أمراء الجور اللَّهُ ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على اللَّه ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين اللَّه ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل، واختيار الحق، والأمر بهما، والنهي عن أضدادهما، كالخلفاء الراشدين ومن تبعهم بإحسان”[6].

وكلام الزمخشري مهم في توضيح المقامات، فالحاكم العادل متلبس بصفة من الصفات الإلهية، لذا جاز عطفه على الله ورسوله، أما الحاكم الظالم المستبد، فلا يعطف على الله ورسوله، وليس له في ذلك المقام قدم، وحكام التطبيع – كما هو مشاهد ملموس، وكما هو مثبت في التقارير الصادرة عن المؤسسات الدولية – ليسوا من أهل العدل، وليسوا من أهل الشورى، وليسوا من أهل الحق، لذلك كان عطفهم على الله ورسوله “من انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين”.

ج – بالنظر في آية الطاعة، نجد الأمر بطاعة ولي الأمر في الرتبة الثالثة بعد الأمر بطاعة الله تعالى وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وغني عن البيان، أننا لا ننتقل إلى الرتبة الثالثة إلا بعد تحقيق ما قبلها، والملاحظ أن فقهاء التطبيع يركزون على الرتبة الثالثة ويضخمون من شأنها دون سواها، ولا يلتفتون البتة إلى الطاعة الأولى، وهي الأوجب والآكد.

وطاعة الله تعالى لا تتحقق إلا بطاعة أوامره سبحانه، ومنها أمره بالشورى في قوله جل وعز: “وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ” [سورة آل عمران، الآية: 159]، وفي قوله سبحانه: “وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ” [سورة الشورى، الآية: 38]، وهنا نتساءل: لماذا يطالب علماء التطبيع عامة الناس بطاعة ولي الأمر بناء على الآية، ولا يطالبون الحكام بطاعة الله في وجوب تطبيق الشورى بناء على الآية نفسها؟ مما يدل على أن الاستدلال بالآية لم يكن سوى مغالطة منهم.

وإذا تجاوزنا النص القرآني، فإننا نعتبر مطالبة هؤلاء الفقهاء بطاعة ولي الأمر، ومنحه صلاحيات حصرية لا يشاركه فيها غيره، هي بمثابة دعوة صريحة إلى التخلف، وإلى تثبيته وترسيخه في المجتمعات العربية والإسلامية، كما أن تلك الدعوة مخالفة لمهمة العلماء الذين يجب عليهم أن يواكبوا تطورات المجتمعات الحديثة، وما فيها من آليات ومؤسسات ونظم، وقد نبه العلامة علال الفاسي العلماء إلى ضرورة استثمار تجارب الأمم وما فيها من أنظمة حديثة، وجعل ذلك من مهام العلماء، فقال: “لا بد للعلماء أن يستخدموا من كتاب الله، وسنة رسوله، وهدي السلف الصالح، وما أفاده العلم الحديث، [وتجارب الأمم والشعوب]، ما يعوض الإسلام أن يكون غاية التغيير المطلوب منا، لبناء المجتمع الإسلامي الحديث، القائم على أصالة الدين، [وحداثة الأنظمة والأساليب]، فعلى علمائنا أن يعملوا جهد المستطاع لتحقيق هذا الهدف والإعداد له”[7].

إن المسلم اليوم ينبهر بتجارب الأمم والشعوب، وما فيها من أنظمة حديثة، تفرز الحاكم من المجتمع إفرازا، ولا تعطيه صلاحيات مطلقة إلا بالرجوع إلى المؤسسات المنصوص عليها دستوريا، وبدل أن يرى تنظير العلماء لمثل هذه الحداثة في مجتمعاتنا، نجدهم ينادون بضرورة طاعة ولي الأمر، والنهي عن مناقشته في اختصاصاته “الحصرية”. وهذا شرخ حضاري يتحمل هؤلاء الفقهاء مسؤوليته ومسؤولية تبعاته.

المغالطة الثالثة:

أكثرَ فقهاء التطبيع من الاستدلال بحادثة صلح الحديبية، ليقيسوا التطبيع مع العدو الصهيوني على الهدنة النبوية مع العدو القرشي، وهذه مغالطة ثالثة، لأنها مبنية على قياس باطل، نظرا للفوارق بين المقيس والمقيس عليه، وذلك للاعتبارات الآتية:

أ – معاهدة النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش كانت معاهدة مؤقتة، لا تتجاوز عشر سنوات، والتطبيع مع الكيان الصهيوني تطبيع غير مؤقت، وهو بمثابة توقيع شيك على بياض.

ب – أبرم النبي صلى الله عليه وسلم المعاهدة مع القرشيين، وهم أبناء البلد، والصهاينة ليسوا أبناء البلد، وإنما هم شذاذ الآفاق، توجهوا إلى فلسطين من روسيا وأوكرانيا والعراق والمغرب وإثيوبيا وغيرها من البلاد. وغان عن البيان، أن شذاذ الآفاق لا شرعية لهم في فلسطين وفي أي بلد احتلوه واستوطنوه.

ج – عادت معاهدة صلح الحديبية بالمنافع الجمة على المسلمين، والتطبيع مع الكيان الصهيوني لا يعود بالنفع إلا عليه، لأنه يعاني من أزمة وجودية، وهو في أمس الحاجة لمن يعترف به فقط، وليس في حاجة إلى العرب كي يمدوه بالسلاح أو المال أو العتاد أو مقومات الاقتصاد، والتجارب أمامنا ماثلة، فالمصريون والأردنيون لم يجنوا من التطبيع معه فوائد تذكر، فماذا سيجني المطبعون الجدد؟

إضافة إلى أن المطبعين الجدد لم يشترطوا على الطرف الآخر أي شرط يعود بالنفع على الفلسطينيين، كرفع الحصار، وإطلاق سراح الأسرى المظلومين.

د – كانت معاهدة الحديبية معاهدة استثنائية، وقد أبرمها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم باعتباره نبيا يوحى إليه، وليس باعتباره ولي الأمر الذي يمارس صلاحياته الدنيوية بمقتضى أحكام الإمامة، لذلك لم يستشر الصحابة الكرام عليهم الرضى والرضوان، وقال لعمر بن الخطاب الذي لم يرضه الاتفاق: “إني رسول الله، ولست أعصيه، وهو ناصري”[8]، وفي هذا الكلام النبوي إلماعات وإشارات يجمل بنا تأملها:

** التذكير بأنه رسول، إشارة إلى أنه أوحي إليه بالموافقة على الشروط القرشية وإن كانت مجحفة في ظاهرها.

** تنبيه عمر إلى أنه لا يعصي الله تعالى إشارة إلى أنه تلقى أمرا من ربه سبحانه.

** اليقين المطلق بأن امتثال أمر الله تعالى بإمضاء الاتفاق يتلوه النصر الإلهي، لذلك قال: “وهو ناصري”.

وحكام العرب الذين هرولوا نحو التطبيع، ليسوا رسلا، ولم يتلقوا أمرا إلهيا، وليست عندهم بشارة النصر، فكيف نقيسهم على النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الحادثة الاستثنائية؟.

المبحث الثالث: ما العمل؟

بعد سرد أهم “أدلة” الفقهاء المجوزين لتطبيع الحكام مع الكيان الصهيوني، وتبيان ما بها من ضعف ووهن، وأنها مجرد مغالطات وشُبَه، وليست براهين وأدلة، نطرح سؤال: ما العمل؟

قد نجد لهذا السؤال عدة إجابات، إلا أنني سأتوقف عند جوابين اثنين:

أولهما: ضرورة انطلاق الفقهاء من قاعدة “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”

وذلك أثناء حكمهم على جواز أو منع التطبيع، وأول تصورٍ نتعرف عليه هو: ما هي الصهيونية؟ ما هي فلسطين؟ من هو الفلسطيني؟

أ – لا يمكن الحديث عن الكيان الصهيوني وعن التعامل معه إلا بعد التعرف على ماهيته، ومن أفراد هذه الكلية: التعرف على مشروعه، والتعرف على تاريخه، والتعرف على أعلامه، والتعرف على حروبه، والتعرف على عنصريته ونازيته وفاشيته… ومن لم يتعرف على هذه التفاصيل فهو جاهل بهذا الكيان، ولا يحق له الحديث عنه، أو التنظير للتطبيع معه.

وللتعرف عليه، لا نحيل على كتابات الفلسطينيين أو عموم العرب والمسلمين، بل يجب على فقهائنا أن يتعرفوا على الكيان الصهيوني من خلال كتابات اليهود أولا، كالمفكر اللساني الأمريكي نعوم تشومسكي، والمفكرة البريطانية جاكلين روس، والمؤرخ إيلان بابي (مؤرخ يهودي، من مواليد مدينة حيفا، له كتابات مهمة عن القضية الفلسطينية وعن طبيعة الكيان الصهيوني)، وغير هؤلاء من اليهود المنصفين والموضوعيين.

كما يمكن التعرف على هذا الكيان من خلال كتابات الغربيين غير اليهود، كالكتاب النوعي “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية” للمفكر روجي غارودي رحمه الله، أو كتاب “دولة الإرهاب: كيف قامت إسرائيل الحديثة على الإرهاب” لتوماس سواريز، وهو كتاب مفيد جدا، مليء بوثائق الأرشيف، وتصريحات قادة الكيان الصهيوني وغيره من قادة العالم.

ب – بعد التعرف على الكيان الصهيوني، يجب على الفقهاء أيضا التعرف على فلسطين وعلى الفلسطينيين.

بالنسبة لفلسطين، نستحضر أنها الأرض المباركة؛ مباركة لذكرها في القرآن، ومباركة للتنصيص على بركتها في القرآن “سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ” [سورة الإسراء، الآية: 1]، ومباركة لأنها أرض الأنبياء، ومجمع الديانات التوحيدية، إضافة إلى أنها أرض الإسراء والمعراج، وأرض اللقاء بين الأرض والسماء، وأرض المسجد الأقصى، وأرض كنيسة القيامة.

أما الفلسطيني، فهو الإنسان المرابط على ثغور متعددة، مرابط في أرض الرباط، ومرابط في المعتقلات والسجون الصهيونية، ومرابط في أراضي المُهاجَر بتمسكه بحق العودة المقدس، دون أن ننسى الفلسطينيين الشهداء، الذين ارتقوا في علياء العلياء، والذين تعتبر دماؤهم الزكية أمانة في عنق المسلمين وعموم الفضلاء وذوي المروءات من الناس.

إذا تعرف الفقهاء على ماهية الكيان الصهيوني، وتعرفوا على فلسطين الأرض المباركة، والفلسطيني الإنسان المرابط أو الشهيد، فإنه يلزم من ذلك صياغة فقه جديد، فقه التعامل مع الصهيونية وأهلها، وفقه التعامل مع المرابطين، ومن لم يستحضر أبجديات هذين الفقهين سيخبط في الموضوع لا محالة، وسيحيد عن الصواب، وقد يقع في دائرة الخيانة، سلمنا الله من الوقوع فيها والدنو منها.

ثانيهما: ضرورة إحداث ثورة أخلاقية

“الثورة الأخلاقية”، ثورة دعا إليها الفيلسوف المرابط الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه ثغور المرابطة، وبيّن أن الذي ينهض بها ويتحمل مسؤولية ذلك هم “الفقهاء الجدد” و”السياسيون الجدد”.

وإذا جاز لنا أن نسمي أحد الطرفين بـ”الفقهاء الجدد”، لزم من ذلك ضرورة توسلهم بآليات وطرائق جديدة تميزهم عن غيرهم من “الفقهاء التقليديين” أو “الفقهاء المحافظين”، وهنا أقترح على من اصطفاه الله تعالى ليحظى بشرف الانتساب إلى “الفقهاء الجدد” بعض الآليات الجديدة التي لم يألفها التقليديون، منها:

أ – إصدار وثيقة مرجعية، تتضمن البراءة من فقهاء التطبيع، وتتضمن مسردا بأسمائهم، وتحذير المسلمين منهم، ليكونوا على بينة من أمرهم، وسيكون إصدار هذه الوثيقة سببا لينفض الناس عن هؤلاء الفقهاء، بناء على مقولة السلف: “إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم”، والإنسان المسلم –بطبعه- شحيح بدينه، لا يرضى أن يأخذ الفتوى ممن خرمت مروءته، لكنه في حاجة ماسة إلى مثل هذه الوثيقة التي تزيل اللبس وتوضح المواقف.

ب – لعل من واجب الوقت، أن يتبنى “الفقهاء الجدد” آلية الانفتاح والتعاون مع اليهود غير الصهاينة، وهم كثر في العالم، ومنهم منظمة ناطوري كارطا، وهي منظمة تجمع اليهود غير الموالين للصهاينة، ويترأسها جماعة من الأحبار، ويناضلون ضد الفكر الصهيوني، ويعارضون بقوة تجميع اليهود في وطن واحد.

إن إصدار بيان مشترك بين “الفقهاء الجدد” واليهود غير الصهاينة، أو الاشتراك في فعاليات ثقافية ونضالية، يعد رسالة ذات بعد سيميولوجي عميق، إضافة إلى أثرها على الواقع، حيث تتجلى المواقف الإسلامية الحقيقية تجاه اليهود أهل الكتاب، وأن المسلمين لا يعادونهم لأسباب دينية محضة.

ج – يخوض كثير من الباحثين والأكاديميين في العالم حملة مقاطعة مخابر الكيان الصهيوني وجامعاته، وهي حملة عالمية تؤرق الكيان الصهيوني وتزعجه كثيرا، وهي الآلية التي لم يساندها الفقهاء، ولم يدعموها ببياناتهم أو بممارساتهم، لذا يمكن لـ”الفقهاء الجدد” أن يتبنوا آليات داعمة لهذه الحركة، وهذا من التعاون على الخير والبر.

وهناك آليات أخرى قد يبدعها “الفقهاء الجدد” في ثورتهم الفقهية المباركة. والحد لله رب العالمين.


[2] جامع بيان العلم وفضله: 1/641.

[3] رواه البزار في مسنده، والطبراني في مسند الشاميين، والبيهقي في السنن.

[4] مصنف عبد الرزاق: 5/330.

[5] أبو حيان، البحر المحيط: 3/686.

[6] الزمخشري، الكشاف: 1/524.

[7] علال الفاسي، مهمة علماء الإسلام:78.

[8] البيهقي، دلائل النبوة: 4/106.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.