منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مرافعة ( قصة قصيرة)

خالد ناصر الدين/ مرافعة

0

 مرافعة ( قصة قصيرة)

د. خالد ناصر الدين

استيقظ باكرا على غير عادته أيام العطل، قلبه يتراقص بهجة وفرحا منذ ليلة أمس، عيناه تشعان سرورا وحبورا وهو يمر براحتي يديه الناعمتين بالصابون الْعَطِرِ على وجهه النضر الذي بدأت تكتسحه  طلائع شعيرات الرجولة دون استئذان، يداعب أعضاء جسده الغض مُنْتَعِشَةً بجيوش المياه الدافئة المتدفقة من الدُشِّ المطلة بغنج ودلال من عل، طوى ملحفته الوديعة ورتب فراشه الوثير، فتح دفتي النافذة المطلة على حديقة الفيلا المرصعة بألوان الزهور الآسرة…

استغنى تماما عن الشغالة هذا الصباح، الشوق يهزه هزا للسفر في رحلة أسرية إلى عروس الأطلس المتوسط: مدينة إفران البهية… منذ أربعة أشهر كان منكبا على الدرس والتحصيل طوال الوقت، اختار له والده النائب البرلماني المحترم منذ مرحلة التعليم التمهيدي مدرسة من مدارس البعثة الفرنسية “LOUIS PASTEUR” الذائعة الصيت إمعانا في التميز، وإصرارا على توفير جو مناسب لتفجير مواهب العبقرية و كوامن النبوغ، إنه في السنة الثالثة من التعليم الثانوي الإعدادي، سنة ستتوج بامتحان إشهادي، وببطاقة سيتسلمها من إدارة المؤسسة، يعبر من خلالها عن الشعبة التي سيتابع فيها دراسته المستقبلية، أمه تُلِحُّ منذ حفلة عقيقته، على أن  فِلْذَةَ كَبِدِهَا وَقُرَّةَ عَيْنِهَا، وحيدها المدلل يجب أن يصبح مهندسا معماريا ناجحا، لذلك فإنها لا تدخر جهدا في التوجيه والتحفيز والتشجيع، ولا تبخل بمال من أجل ساعات الدعم المنزلية التي تهم كل المواد العلمية واللغات الأجنبية، سعيا حثيثا لتحقيق الحلم الوردي…

لا غرابة إذا أن يبتهج أيما ابتهاج بحلول العطلة البينية الأولى، بعدما اجتاز بتفوق امتحانات الأسدوس الأول، إنه يتنفس الصعداء، إنه في أمس الحاجة إلى هذه الرحلة الربيعية لكي يستعيد روحه المتوثبة التي يشعر بأنها ضاعت منه بين آهات الواجبات المنزلية المرهقة، وآنات الامتحانات المتعبة.

المزيد من المشاركات
1 من 51

ارتدى ملابسه الأنيقة، ولم ينس وضع هاتفه الذكي جدا “Xiaomi Mi 4” في جيب بنطلونه الجينز البنفسجي الذي يحمل بطاقة صغيرة كتب فيها “صنع في إيرلاندا”، جلس في الصالون بعدما أشعل التلفاز وطفق يتابع عبر قناة “الجزيرة الوثائقية” برنامجا شد انتباهه شدا حول “الهدر المدرسي في المغرب”:

[أرقام صادمة كشفتها معطيات إحصائية رسمية أصدرها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والتي تفيد مغادرة 431 ألف و876 تلميذا(ة) من سلكي الابتدائي الثانوي الاعدادي لفصول الدراسة قبل حصولهم على الشهادة وفق مؤشر ما بين 2014 و 2018.

وبحسب “الأطلس المجالي الترابي للانقطاع الدراسي” الذي أصدره المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، فإن 78 في المائة من المنقطعين عن الدراسة من المفروض أن تحتفظ بهم المنظومة التربوية إلى حدود سن الـ15 عاما على الأقل من أجل تأمين هدف السن الاجباري للتمدرس”.]

كان يتابع باندهاش كبير آخر الإحصائيات والمعطيات المتعلقة بالظاهرة، التعليق كان مصاحبا بصور مأساوية تفضح فداحة العواقب الوخيمة المترتبة عن “الهدر المدرسي” …

_أطفال بوجوه شاحبة يتسولون المارة في الشوارع، والخارجين على التو من المساجد.

_أطفال بثياب رثة ممزقة يمسحون الأحذية في المقاهي وفي الحانات.

_أطفال بعيون زائغة يتعاطون المخدرات في زوايا مظلمة من الشارع العام، وفي دروب المدينة القديمة.

_أطفال يزاولون مهنا مختلفة: حدادة، نجارة، صباغة، أشغال البناء…

كان مأخوذا بهذه المشاهد الأليمة غارقا في آهات هؤلاء الأطفال، لم يتمالك دموع عينيه وهي تنساب بتلقائية عبر الخدين الأسيلين، عندما مزقت الأم سكون اللحظة:

_ما شاء الله … ما سر كل هذه الهمة ؟ وكل هذه الحيوية ؟

نظر إليها فزعا، كمن استيقظ من لحظة نوم عميق…

_أمي … صباح الخير …

طبعت قبلة حارة على خده الأيمن، وواصلت تعليقها:

_… آه تذكرت كل هذا فرحا بالرحلة الموعودة… حسنا مهندس العائلة يستحق كل خير …

على مائدة الإفطار، تجمعت الأسرة السعيدة، لاحظ السي “فؤاد اللعبة” أن حرمه المصون الدكتورة جميلة بكل جلالة قدرها هي من يعد المائدة… تساءل في استغراب عن الخادمة/الطفلة كنزة …

_آه…رافقت والدها…زارنا أمس تسلم الراتب الشهري، واسـتأذن في أن تصاحبه لزيارة أمها وإخوتها…

كنزة خادمة البيت المطيعة، فتاة في الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ، انْتَقَتْهَا السيدة جميلة من بادية من بوادي إيموزار كندر منذ كانت في السابعة من عمرها، كانت في السنة الثانية من التعليم الابتدائي، أقنعت والدها بلا جدوى الدراسة في بادية منسية مغمورة، لقنتها تداريب قاسية جعلتها دَرِبَةً سريعة الحركة في تنفيذ الأوامر، وفي الانكباب بكل دقة وإتقان وتفان على أشغال البيت واحدا تلو الآخر، بلا توقف، ولا تهاون، ولا تباطؤ، بلا شكوى ولا أنين، بلا احتجاج ولا ملفات مطلبية…كنس البيت وتنظيفه يوميا، غسل الأواني، الخروج بانتظام إلى “البقال” و”الخضار” و”الجزار” لاقتناء لوازم المطبخ، إعداد الطعام في الوقت المناسب، سمع وطاعة، خضوع وانقياد …

_كنزة … الله يعمرها دار … بنت الناس … علق السي فؤاد …

_أنا اللي الله يعمرها دار… أنا التي عرفت كيف انتقيها، وعرفت كيف ألقنها مهارات الجد والإتقان والدقة والسرعة وتنفيذ الأوامر…

لم يتمالك نفسه، سبقته الكلمات الهاربة محتجة ومقاطعة:

_ولكنك تعاملينها بقسوة مفرطة، يداها الاثنتان ورجلالها أيضا تحملان ندوبا وآثار حروق… والغريب في الأمر أنك تشغلين منصب رئيسة “أحلام الطفولة” …

انفجرت في وجهه:

_ما الداعي لكل ذلك الآن… ؟ ! ثم ما دَخْلُكَ أنت في الموضوع ؟ هل نَصَّبَتْكَ محاميا تدافع عنها ؟ … ولا تنس أننا اليوم سنسافر من أجلك للترويح عن النفس قليلا…

كان جالسا في المقعد الخلفي للسيارة الفخمة، واجما، حزينا، يفكر في كل يحدث من حوله… تنهد بعمق … “أين كنت من كل هذا الذي يحدث ؟ كيف أعيش وسط هذه التناقضات الفظيعة دون أن أدرك من حقيقتها شيئا ؟ ما ذنب كل هؤلاء الأطفال الذين حرموا من المدرسة، وفرض عليهم أن يغوصوا مبكرا في مقلاة الحياة … وفي مادة “التربية على المواطنة” يلقنوننا دروسا مستقاة من “الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل” … !! ”

وصلت السيارة إلى المدينة المبتهجة الأنيقة … شوارعها النظيفة تغص بالسيارات من مختلف الأشكال والألوان والأنواع … عندما كان نبيل يتجول رفقة والديه، كان غارقا في عالمه الخاص يستحضر مشاهد الضياع التي بثها البرنامج الصباحي بكل ألوان الطيف…لم تنج المدينة الساحرة من المشاهد نفسها، رغم مساحيق التجميل التي تحاول عبثا خداع الزائرين المغفلين…

في مدخل الحديقة أطفال يبيعون السجائر بالتقسيط …

وفي المقهى الذي اختارت والدته الجلوس فيها، أطفال يعرضون خدمة مسح الأحذية على الزبناء الكرام …

أطفال حفاة ممزقو الثياب، يعترضون سبل المارة، يتسولونهم بعبارات مسكوكة محفوظة عن ظهر قلب …

في طريق العودة، خرج من صمته، قرر أن يفاتح والديه في الموضوع …

كان أبوه السياسي الطموح بربطة عنقه الجذابة، وبنظارتيه الشفافتين اللامعتين، يقود السيارة باحترافية كبيرة، وإلى جانبه زوجه الأنيقة الوديعة السيدة “جميلة الوردي” _طبيبة اختصاصية في أمراض الأطفال، ورئيسة جمعية “أحلام الطفولة”_ تجلس هَادِئَةً مُطْمَئِنَّةً، كانا مُنْخَرِطَيْنِ تماما في نقاش مستجدات دستور 2011م وما يحمله من تغيرات في المشهد السياسي المغربي، كان السيد فؤاد اللعبة متحمسا جدا للفوز في الانتخابات المقبلة، وكانت السيدة جميلة تطمح لأن تجدد لها ثقة رئاسة الجمعية، بل إنها قررت الانخراط في منافسات الانتخابات المقبلة ممثلة عن حزب “العنكبوت”.

_أريد أن أضع حدا لهذا التمزق الذي يغمر هذا العالم الأحمق … صاح بصوت أجش مرتعد …

التفتت إليه مندهشة …

_ماذا تقصد يا حبيبي ؟

_نعم … يا أمي … هؤلاء الأطفال المشردون المحرومون من حقهم في التمدرس، ألا يستحقون أن يدمجوا في البرامج التنموية للأحزاب السياسية، وفي البرامج التربوية للعمل الجمعوي …

_ماذا بإمكاني أن أفعل ؟ الأمر أكبر مني بكثير …

_أمي … أنت طبيبة وفاعلة جمعوية … والرهان عليك لِمَدِّ يد المساعدة لإنقاذهم من الضياع الذي يتجرعونه.

_كيف ؟

_سَنُعِيدُ الأمور إلى نصابها … وسنبدأ من بيتنا … ستعود كنزة إلى المدرسة، وستتمتع بحقوقها كاملة…

_وماذا أيضا ؟

_ستقدمين الاستقالة من تلك الجمعية/الوهم… وسنؤسس معا جمعية تعنى حقا بالأطفال ضحايا الهدر المدرسي…

كان صوته يرتفع، وأوداجه تنتفخ، ويلوح في عينيه شرر يهدد بألف وعيد …

عانقته بحنان صادق، قبلته، وهي تنظر إليه بإعجاب كبير …

_حسنا يا حبيبي … سأفعل …. سأفعل …

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.