منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

 أيها المسؤول …

 أيها المسؤول .../ الدكتور وائل الزرد

0

 أيها المسؤول …

بقلم: الدكتور وائل الزرد من فلسطين

 

أدركُ تمامًا أنَّ المسؤولية كبيرة، وأنها رفعةٌ وأمانةٌ لمن قامَ بحقها في الدنيا، وإنها حسرةٌ وندامةٌ لمن خانَها وفرَّط فيها، واسمُ “المسؤول” اسمٌ على مُسمًّى، له نصيبٌ من تركيبته اللغوية، فهو من جانبٍ له مسؤولية على غيره، ومن جانبٍ آخر هو مسؤول عن غيره من غيره.

وقد حدثنا التاريخُ أن أكابر المسؤولين أحاطت بهم مسؤولياتُهم حتى شغلتهم عن قضاياهم الشخصية، وأنستهم بعضًا من اهتماماتهم الذاتية، فكسبوا بذلك ثناءَ الناس عليهم في الدنيا، ونالوا رضى الله عليهم في الآخرة، يوم أن أدَّوا حقَّ مسؤوليتهم وقامُوا بأحقيةِ واجبهم، ولكَم أذهبَ القيامُ بواجبِ الأمةِ النومَ من عيونِ هذا الصنفِ من المسؤولين، وكَم ألزمَهم الهمُّ حتى سالَت عبراتُهم وتأرَّقت قلوبُهم، وهم يلاحقونَ قضايا شعوبِهم ويتابعُون شؤونَ أمتهم.

وانظر لسيد الخلق –صلى الله عليه وسلم- ما أن نزلت عليه الرسالة حتى طوَى فراشَ الراحةِ وودَّعها إلى حين قال: “بَلِ الرَّفِيق الأَعْلَى” وما ترك يومًا إلا وأمرَ ونهى، وعلَّم وأرشدَ، وذكَّر ووعظَ، وحكمَ وجاهدَ، وبنَى وأصلَح، يعملُ في الليلِ والنهار؛ يسارعُ الخُطى ويسابقُ الزمان ويقول: “كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ، وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَسَّمَّعُ مَتَى يُؤْمَرُ، فَيَنْفُخُ”.

لقد قامَ نبيُّنا –صلى الله عليه وسلم- بحقِ المسؤولية أتمَّ قيامٍ، فما تركَ خيرًا إلا وأمرَ الناسَ بِه، ولا تركَ شرًّا إلا ونهَى الناسَ عنه، دعاهُم في الليلِ والنهار، سرًّا وعلانية، جماعاتٍ ووحدانَا، في الحَرب والسِّلم، في السفرِ والحضَر، حتى قالَ معاصرِوه ومَن آمنوا به إلى يومنا وإلى يوم القيامة: نشهدُ أنه بلَّغَ الرسَالةَ وأدّى الأمَانةَ وجاهَدَ فِي سبيلِ ربِّهِ حتَّى أَتاهُ اليَقينُ –صلى الله عليه وسلم-.

وقد سار على نهج تحمل المسؤولية، واستشعار عظيم الحمل، الخلفاء الراشدون، والأمراء الصالحون، ولا زال في الأمة بقيةٌ من خير، وستبقى إلى يوم القيامة بإذن الله تعالى، فهذا أبو بكر رضي الله عنه لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنَ العَرَبِ، وارتدَّ بعضُهم عن دفعِ الزكاة، قَالَ: وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ، فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ المَالِ، وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ، ويقرر أن يقاتلهم ولو بقي وحده، وكان شعاره: “أينقُصُ الدِّينُ وَأنَا حَيٌّ؟”، ولمَّا قال له عمرُ: يَا خَليفةَ رَسولِ الله، تأَلَّفِ الناسَ، وارْفُقْ بهم، فقَال لَه: أجَبَّارٌ فِي الجَاهِليَّةِ وَخَوَّارٌ فِي الإسْلَام؟ إنَّهُ قَدْ انقَطَعَ الوَحْيُ، وَتَمَّ الدِّينُ”.
وقد سار على ذات طريق تحمل المسؤولية، والشعور بالهمِّ المُشغل، أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه، فقد أُثر عنه قوله: وَلَوْ هَلَكَ حَمَلٌ مِنْ وَلَدِ الضَّأْنِ عَلَى شَاطِئِ الْفُرَاتِ، ضَائِعًا؛ لَخَشِيتُ أَنْ يَسْأَلَنِي اللَّهُ عَنْهُ” إنها المسؤولية التي أذهبت النوم من عيون أمير المؤمنين -عمر- رضي الله عنه، وهي التي جعلته يتفقد الرعية نهارًا ويقوم على شؤونهم حتى يذهل عن شؤونه الخاصة، وهي التي جعلته يقف بين يدي ربه ليلًا خشية أن يضيع حق نفسه من القيام بين يد الله تعالى.

أيها المسؤول:

أعانكَ اللهُ علَى ما تحمَّلت مِن أعباءِ المُسلمين، ووفقكَ اللهُ للقيامِ بحقِّ المسؤولية، ومنحكَ اللهُ القوةَ للوفاءِ بواجبِ المكانةِ التي تبوئتها، وأنصحُك -وأنا لكَ ناصحٌ مُشفق- اعملْ علَى جلبِ كلِّ مصلحةٍ لشعبِك وادرَأ عنهم كلَّ مفسدة، احرسْ دينَهم وَسُسْ دنياهم، أقرَّ بينهُم المعروفَ وأبعدْ عنهم كلَّ منكر، لا تدعْ مظلومًا يدعُو عليكَ وارددْ له حقَّه ولا تتأخر…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.