منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الطاعة لله إيجابية وسعادة والعصيان سلبية وشقاء ( خطبة الجمعة)

بن سالم باهشام

0

عباد الله، يقول تعالى في سورة الليل: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ) [الليل: 1 – 10]

عباد الله، إذا أردنا تصنيف البشرية كلها على اختلاف ألوانها وأطيافها وأشكالها وتوجهاتها من خلال سورة الليل، وجدناها تندرج تحت رايتين لا ثالث لها، راية الميسرين لليسرى، وهم الإيجابيون السعداء، وراية الميسرين للعسرى، وهم السلبيون الأشقياء، وذلك نتيجة تصرفاتهم الحياتية، فالمعطي بإطلاقية العطاء في كل المجالات؛ الذي اتقى الله بفعل ما به أمر، وترك ما عنه زجر، وتصديق بالبعث والنشور وكل الغيبيات هو من الميسرين لليسرى، السعداء في الدنيا والآخرة، والبخيل بإطلاقية البخل في كل المجالات، الراد الأمر على الآمر، المستغني عن الله؛ والمكذب بالبعث والنشور وبكل الغيبيات، هو من الميسرين للعسرى؛ الأشقياء في الدنيا والآخرة.

عباد الله، إن ثلاثية سورة الليل والمتمثلة في العطاء والتقوى والتصديق بالحسنى، إيجابية تثمر التيسير من الله لكل خير، والذي تتجلى فيه سعادة الدارين، وبالمقابل فإن البخل والاستغناء عن الله والتكذيب بالحسنى سلبية تثمر شقاء الدارين.

عباد الله، إننا إذا أرادنا تحليل شخصية الفريقين، فإننا نجد أن كل رجل وامرأة هو واحد من اثنين، إما أن يكون شخصا إيجابيا أو سلبيا، حسب إيمانه وتصديقه وتقواه، والشخص السلبي لا يصلح للعيش، إذ تجده معذبا دنيا وأخرى، لهذا نهى الإسلام عن السلبية، أما الشخص الإيجابي، فيعيش سعيدا في الدنيا وفي الآخرة، فتعالوا بنا لنتعرف على صفات الأشخاص الإيجابيين لنكون مثلهم، وعلى صفات الأشخاص السلبيين لنتخلى عن تلك الصفات، والتي هي ترجمة تفصيلية لثلاثية الإيجابية والسلبية الواردة في سورة الليل.

1 – الإنسان الإيجابي، يفكر في الحل دائما، فيرى أن لكل مشكلة حل، لأنه ميسر لليسرى، أما الإنسان السلبي فيفكر في المشكلة، ويرى المشكلة في كل حل. لأنه ميسر للعسرى.

2 – الإنسان الإيجابي، لا تجف أفكاره، دائما يفكر في الشيء الجديد لينفع نفسه وينفع غيره، لأن من صفاته العطاء، أما الشخص السلبي فلا تنقطع أعذاره، إذ تجده دائما يبرر لك مواقفه السلبية، ويبحث له عن أعذار، لأنه بخيل.

3 – الإنسان الإيجابي، تجده دائما يساعد الآخرين، ويقف بجانبهم ماديا ومعنويا، لأن من صفاته العطاء، أما الإنسان السلبي فينتظر هو من سيساعده من الآخرين، ولا يفكر في مساعدة الآخرين، لأنه بخيل.

4 – الإنسان الإيجابي، يرى الحل لكل مشكلة؛ وقد يكون صعبا، لكنه ممكن، لأنه متق لله، بينما الإنسان السلبي فيرى الحل ممكنا لكنه صعب. لعدم تقواه.

5 – الإنسان الإيجابي، لديه آمال في حياته وبعد مماته يريد أن يحققها، لأنه يصدق بالحسنى،  أما الإنسان السلبي، فلديه أوهام وأضغاث أحلام يبددها، لأنه لا يقين له في الآخرة،  وفي هذا الصنف قال الحسن البصري رحمه الله: ( إن أقواما ألهتهم الأماني، أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا وليس لهم حسنة، يقولون: نحن نحسن الظن بالله، كذبوا، لو أحسنوا الظن بالله لأحسنوا العمل).

6 – الإنسان الإيجابي،  يرى في العمل أمل، نتيجة تقواه، أما الإنسان السلبي فيرى في العمل ألم، نتيجة بخله.

7 – الإنسان الإيجابي، يناقش بقوة وبلغة لطيفة نتيجة الأدب الذي رباه عليه الإسلام، أما الإنسان السلبي فيناقش بضعف، وبلغة فظة، لسوء أدبه وأخلاقه.

8 – الإنسان الإيجابي ينظر إلى المستقبل، ويتطلع إلى ما هو ممكن، لأنه ميسر لليسرى، شعاره قول الله تعالى من سورة الحشر: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ، وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18]،   والإنسان السلبي ينظر إلى الماضي، ويتطلع إلى ما هو مستحيل، لأنه ميسر للعسرى.

9 – الإنسان الإيجابي، يتمسك بالقيم، ويتنازل عن الصغائر، نتيجة تقواه، شعاره قول الله تعالى من سورة آل عمران: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134]،  والإنسان السلبي يتشبث بالصغائر، ويتنازل عن القيم.لانعدام تقواه

10 – الإنسان الإيجابي، متفائل في نظرته للحياة ومجرياتها، لثقته بالله، والإنسان السلبي متشائم، ونظرته للحياة سوداوية، لتكذيبه بالحسنى.

11 – الإنسان الإيجابي، يؤمن بدوره الشخصي، وبكيانه بصفته فردا بشريا يعيش ويتعايش مع المواقف والمؤثرات، ويتفاعل لأنه يعطي،  أما الإنسان السلبي فلا يؤمن بدوره الشخصي، ولا بكيانه بصفته فردا من البشرية التي تعيش في كل القرى بالعالم، نتيحة بخله.

12 – الإنسان الإيجابي، يترك بصمته في كل مكان حل فيه، فيكون سحابة في السماء جاءت بغيث كثير لا يستطيع الناس حصاد كل منافعه، خاصة إذا كانت الأرض والناس عطشى، لأنه يعطي،  أما الشخص السلبي، فلا يترك أثرا عند مجيئه، ولا عند غيابه، فكأنه سحابة في السماء ألقت بقطرة ماء على الأرض لا يزيد ذلك ولا ينقص من ماء الأرض شيئا، لأنه بخيل.

13 – الإنسان الإيجابي إنسان متفائل، وإذا قصدته في موقف أو خدمة لا يرجعك خائبا لو كان في استطاعته فعل ذلك لك، لأنه يعطي، أما الإنسان السلبي فلا يتفاءل بالخير أبدا، وإذا قصدته في موقف أو خدمة، يكون سلبيا في رده لك، حتى لو كان بمقدوره تقديم ذلك لك لأنه يبخل،، روى ابن ابن ماجه عن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ رضي تعالى الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ) [رواه ابن ماجه195 وورد في السلسة الصحيحة1332]، فالشخص الإيجابي هو مفتاح للخير، والشخص السلبي هو مفتاح للشر.

عباد الله، هذه هي بعض تجليات ثلاثية التيسير والعسر من خلال سورة الليل، والإسلام يدعونا ذكورا وإناثا من خلال سورة الليل، أن نكون إيجابيين، وأن نسعى بكل جهدنا لنحقق هذه الإيجابية في كل شؤون حياتنا، فنعطي ونتقي ونصدق بالحسنى، وينهانا عن السلبية فلا نبخل، ونعترف بضعفنا وافتقارنا لله ونصدق بالغيب.

ويبقى السؤال مطروحا، هل كل الأشخاص السلبيين يكونون في درجة واحدة؟ أم أن السلبية تتفاوت من شخص لآخر؟ وما هي أهم صفات الإنسان السلبي؟ هذا ما سنراه في الخطبة الثانية بعد جلسة الاستراحة.

عباد الله، اعلموا أن السلبية تتفاوت درجاتها من شخص لآخر حسب التزامه بثلاثية السعادة من خلال سورة الليل، وأهم صفات الإنسان السلبي هي:

1 – الشخص السلبي متشائم من دنياه.

2 – الشخص السلبي متكاسل عن العمل.

3 – الشخص السلبي متواكل على الآخرين

4 – الشخص السلبي متساهل في ماضيه

5 – الشخص السلبي متذمر من واقعه

6 – الشخص السلبي متشائم من مستقبله

7 – الشخص السلبي، يعيش في بوثقته منعزلا في نفسه، لا يذكر إلا السيء من ماضيه وواقعه ومستقبله.

8  – الشخص السلبي، يعيش حياة تعيسة ونكدة؛ وذلك للأسباب التالية:

أ –  تشاؤمه قبل حدوث المشكلة.

ب – إصابته لنفسه بالإحباط الذي ينعكس على تصرفاته، فيحول بينه وبين العمل والإبداع والإنتاج، وبالتالي يظل سجين ماضيه وأوهامه وتوقعاته، ولا يرى أملا في الحاضر والمستقبل، ناسيا أن الله سبحانه وتعالى سن سننا كونية مقدرة، من يهتدي إليها يحصل على ما يريد، من هذه السنن: يحصل الأسوأ للذي يتوقع الأسوأ، فقد روى البيهقي في الأربعين الصغرى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي وَأَنَا مَعَهُ…) [الأربعون الصغرى للبيهقي (ص: 87)]

وظاهر معنى الحديث، أن الذي يتوقع غير ذلك، فلا يلومن إلا نفسه، كما أن ديننا الإسلامي الحنيف نهى عن التطير والتشاؤم، ومن الأسباب التي تجعل الشخص السلبي يعيش حياة تعسة، تضخيمه وتكثيره للمشاكل التي يواجهها والتي يراها الإنسان العادي طبيعية، والبعض الآخر يراها من منطلق مرة لك، ومرة عليك، فيا عباد الله، تمنوا خيرا تجدوه، وكونوا متفائلين، واصحبوا المتفائلين الايجابيين، فالمرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.