منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الحلقة 13: المفعول به

هكذا علَّمني (المفعول به) في اللغة العربية! - المصطفى مسالي

0

 

  • تعلمت أن المفعول منصوب، والنصب أخف من الرفع، والمفعول أنقص رتبة من الفاعل، فخُصّ بما هو الأخف من الحركات، كما يقو ل أهل اللغة، ومنه تعلمت أن الخلق هم المفعولون، فلهم حالة العجز والنقص لأنهم في أسر القدرة وتصريف القبضة؛ والشعور بالعجز في السلوك إلى الله عند أهل التربية قوة؛ وأنا خير منه عنوان الخذلان؛ فلا بد أن تتحقق بعجزك ليمدك بقدرته؛ كما قال ابن عطاء الله السكندري رحمه الله، والعجز: هو طريق موصل إلى الله، كما في كتاب أنوار الحقيقة للنورسي رحمه الله، ولذلك فالمفعول به هو الذي تحقق فناؤه وكمل بقاؤه، قد غاب عن وجوده ووجود فعله، فهو مفعول به في كل ما يفعل ويذر ليس له على نفسه إخبار، ولا مع غير الله قرار، فعله بالله وتركه بالله، فقد رُكِّب من القصور والفقر والعجز والاحتياج، لينظر بمرصاد قصوره إلى سرادقات كماله، وبمقياس فقره إلى درجات غناه ورحمته، وبميزان عجزه إلى قدرته وكبريائه، ومن تنوع احتياجه إلى أنواع نعمه وإحسانه؛ كما قال بديع الزمان النورسي رحمه الله.
  • تعلمت أن المفعول به هو الاسم المنصوب الذي يقع به الفعل، وهو الاسم المنصوب بجريان المقادير عليه لم يبق له تدبير ولا اختيار، وهو الذي يقع به الفعل مع الله، وهو آلة لفعله وسيف من سيوفه؛ ومنه أدركت أن أتلقى الأمر الإلهي بنية التنفيذ، وأن يكون وقوفي أمام كتاب الله وسنة نبيه موقف التلميذ النابه المتلقي بقصد التنفيذ؛ وهذا التتلمذ الواعي هو الذي يعطي الوجهة والمعنى لحركة الإنسان في هذا العالم الموار المتلاطم الأمواج؛ هكذا نفكر وهكذا ينبغي أن نعمل؛ وإنما المخرج في سلوك المنهاج، ومن شدّ دخل المتاهة، لا يبصر مخرجا، وليس له أمل، بل يدمره القلق، وتستولي عليه النفس محطما، متعكرا، ماله من قرار، إنما هو غريق وتائه لا يبدو له أفق ولا طريق، فالمنهاج يعلمنا كيف نتجاوز الفهم المعوّج السقيم إلى فهم صحيح، كيف نتجاوز الإرادة العنيفة والضعيفة إلى الإرادة القوية، كيف نتجاوز إرادة الدنيا والآخرة إلى طلب الله، كيف نتجاوز العمل المنكوس المعكوس إلى الموجه المدروس؟ فالمنهاج يحاول كشف العوامل التاريخية التي شكلت الفهم والإرادة والعمل، ما هي الذهنيات المانعة أمام الفهم الصحيح؟ ما هي الأنانيات المانعة أمام الإرادة الربانية الجامعة بين قوة الجهاد والإخلاص (طلب الله)؟ ما هي العادات المانعة أمام مشروع العمل الموفق الذي يخرج الأمة من دائرة الفتنة إلى الاستقامة؟ فقد كان علي كرم الله وجهه يقول:” أنتم افتتنتم ونحن استقمنا” فدواء الفتنة: الاستقامة في الفهم والإرادة والعمل؛ دواؤها منهاج، فالمنهاج يُعمل التفكير في كيفية تجاوز عقبات الذهنيات لأنه ما لم تتحرر عقولنا من هذه الذهنيات لن نتمكن من فهم الكتاب والسنة وما لم تتحرر إرادتنا من العنف والضعف وطلب الدنيا لن نستطيع بناء جهاد نخرج به من الفتنة، المنهاج يدرس الذهنيات والأنانيات والعادات كيف نشأت وأين وكيف تطورت وما آثارها في العقول والقلوب والنفوس و الإرادات وفي علماء الأمة وحكامها و عوامها و فرق الأمة، المنهاج يبحث عن الجدور التاريخية ليعرض على الأمة المشروع المقابل مشروع الاقتحام مشروع العمل، ومن فقد المنهاج فقد البوصلة والمعنى والاتجاه؛ وتلك متاهة ما بعدها متاهة.
  • علمني المفعول به أن العجز آفة؛ كما قال سيدنا علي كرم الله وجهه، فالذهنية الرعوية وهي ذهنية النفوس القاعدة التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل، وأن يدبر غيرها لها وهي لا تقدر أن تدبر، أولئك قوم يحق عليهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بغزو مات على شعبة من نفاق»، وهكذا علمني المفعول به أن أخرج من ذهنية القطيع/الذهنية الرعوية؛ التي تنتظر أن يفعل بها ولا تفعل؛ فإن عجزنا هو من جعل منا اليوم قصعة، وكيف هم يأكلوننا، ما أبلغ المثَل النبوي في تشبيه انفعالنا وطواعيتنا لما يفعل بنا بالقصعة! وما أبلغ تمثيل الفاعل بالآكل، من وَراءِ الكلمة شرَه، وجوعة، وتلهُّف، وتنازع بين الأكَلة، وهم جمعٌ، على محتوى القصعة!
  • علمني المفعول به أن التقليد آفة، وأن أخطره ذهنية العلماء المقلدة المبررة التبسيطية التجزيئية التي ترفض استعمال العقل وتغلق باب الاجتهاد، وإنها لجريمة في حق الأمة أن يغلق باب الاجتهاد لأن معناه انكماشها على مضامين ماضية رغم ما قد يستجد من طوارئ. ويحدث من الأحكام بقدر ما يحدث لها من الأقدار، إن رؤية مستقبلية سليمة لأمتنا لا تضع غماضات التبعية المتخلفة هي التي تأخذ في عين الاعتبار تطلعات المسلمين، والظروف المحيطة، والقوى السياسية في ديارنا وفي العالم، لكنها تبنى على القوة الوحيدة الثابتة لدينا التي لا بناء يثبت إن لم يرتكز عليها؛ نقطة قوتنا هو ديننا، ما نحن لقطاء في التاريخ، طارئون في العالم؛ فالمقلد جعل قول الغير أو فعله قلادةً في عنقه. وقبول لقوله بلا حجة ولا دليل، لا تقدم لنا يرجى من تخلفنا الحضاري، ولا نهضة لنا من كبوتنا التاريخية، ما دمنا نسير قطار الأمة على سكة التقليد والتبعية للآخر؛ ما يفعل من تنكر في لباس غيره منذ صباه، علمته أمه أن لباس غيره هو الشياكة والسمو والنمو؟! فإذا لم تزد شيئاً على الدنيا كنت أنت زائداً على الدنيا، كما يقول الرافعي رحمه الله، ولله در القائل:

سمعنـا نـــداء الحـق والحـق ذائع***فأيقظنا قول: استقــيمـوا وســـارعـوا

أتانا رســول الله بالأمـــر صــادعاً***أن اقتحموا حِصن العدو وصارعوا

فمـا بلـــــغ الغـايــاتِ إلا مـجـاهد***إلى قمة الإحسان بالعـزم طالـعُ

المزيد من المشاركات
1 من 55
  • علمني المفعول به أن أتحرر من نموذج الحضارة الدوابية الغازية المتسلطة المندحرة، من وقودها الفكري، وسياستها المتوجهة إلى استعباد العقول والنفوس والطاقات؛ فإنما نتقدم ونتعلم ونتحرر إن خرجنا من جاذبيتهم، وولينا ظهرنا لنموذجهم واتجاههم وبيتهم وحضارتهم الخربة، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ الْتُكْلَانُ.

(يتبع)

الحلقة 1:ألف الإلباس

هكذا علَّمتني (الأسماء) في اللغة العربية! الأسماء: صحيح ومعتل -ذ.المصطفى مسالي

الحلقة 2: واو الوسواس

هكذا علَّمتني (الأسماء) في اللغة العربية! الأسماء: صحيح ومعتل-المصطفى مسالي

الحلقة 3: ياء اليأس

هكذا علَّمتني (الأسماء) في اللغة العربية! الأسماء: صحيح ومعتل- المصطفى مسالي

الحلقة 4: معارف ونكرات

هكذا علَّمتني (الأسماء) في اللغة العربية! الأسماء: صحيح ومعتل- المصطفى مسالي

الحلقة 5: دعوة للسمو

هكذا علَّمتني (الأسماء) في اللغة العربية! الأسماء: صحيح ومعتل- المصطفى مسالي

الحلقة 6: الفعل اللازم

هكذا علَّمتني (الأفعال) في اللغة العربية! الأفعال: لازم ومتعدّ. ذ/المصطفى مسالي.

الحلقة 7: الفعل المتعدي

هكذا علَّمتني (الأفعال) في اللغة العربية! الأفعال: لازم ومتعدّ. ذ/المصطفى مسالي.

الحلقة 8: الفعل الماضي

هكذا علَّمتني (الأفعال) في اللغة العربية! الأفعال: ماض ومضارع وأمر. ذ/المصطفى مسالي.

الحلقة 9: الفعل المضارع

هكذا علَّمتني (الأفعال) في اللغة العربية! الأفعال: ماض ومضارع وأمر .ذ/المصطفى مسالي.

الحلقة 10: فعل الأمر/المستقبل

هكذا علَّمتني (الأفعال) في اللغة العربية! الأفعال: ماض ومضارع وأمر. ذ/ المصطفى مسالي

الحلقة11: الفعل ودلالاته

هكذا علَّمتني (الأفعال) في اللغة العربية! الأفعال: ماض ومضارع وأمر. ذ/ المصطفى مسالي

الحلقة 12: الفاعل الحقيقي

هكذا علَّمتني (الأفعال) في اللغة العربية! – المصطفى مسالي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.