منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

فرائض الوضوء

فرائض الوضوء/ د. محمد جعواني

0

فرائض الوضوء

د. محمد جعواني

قال ابن عاشر ‑ رحمه الله ‑:

فَصْلٌ فَرَائِضُ الوُضُوءِ سَبْعٌ وهِي   دَلْكٌ وفَـوْرٌ نيّةٌ في بدئِـه

وَليَنْوِ رَفْعَ حدَثٍ أو مُفتـرَضْ     أو استباحةً لممنوعٍ عَـرَضْ

وَغَسْلُ وَجْهٍ غَسْـلُه اليَدَيـن     وَمَسْحُ رَأسٍ غَسْلُهُ الرِّجْلَين

الفرائض جمع فريضة، والفَرْض في اللغة: التّقدير. واصطلاحا: هو ما يَبْطُل الوضوء بتركه. وفرائض الوضوء سبع، وهي:

الفريضة الأولى: النية

النية[1] معناها قَصْدُ الفِعل، ومَحَلُّها القلب، ولا حاجة للتلفظ بها.

ودليل فَرْضِيتها قوله صلى الله عليه وسلم “إنما الأعمال بالنيات”[2]، وقول الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾[3] والإخلاص هو قَصْدُ الله تعالى بالعبادة ولا يتحقّق هذا الإخلاص إلا بالنية.

ومن الأدلة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمان”[4]

والشّاهد في الحديث أن الإيمان تجب له النية باتّفاق، والطهور شَطرُه فتجب له النية كذلك. وللفقهاء تفاصيل كثيرة في مسألة النية، ويكفي المكلّف أن ينوي رفع الحدث. ونيةُ كلِّ شيء بحسَبِه.

الفريضة الثانية: غسل الوجه

وحَدُّ الوجه طولا من منابت الشّعر المعتاد إلى آخر الذّقن لغير ذي لحية، وإلى آخر اللّحية لذي اللّحية. فالأصْلَع لا يجبُ عليه تَتَبُّع صَلْعته، أما الأغَمُّ الذي نبتَ بعضُ شعره في جبهته فيجب عليه غسل ذلك الشعر لأنه من الوجه. وحدُّهُ عرضا ما بين وَتَدَي الأذنين.

والوجه هو ما تحصل به المواجهة، ولهذا لا يُغسَل ما غارَ منه كباطن العين، وباطن الأنف، والفم…مع الحرص على استيعاب جميع الوجه بالماء.

والدّليل على وجوب غسل الوجه هو آية المائدة السّابقة. ومن الأحاديث حديث حُمْرانَ، رأيتُ عُثْمانَ رضي اللهُ عنه، توضَّأَ فأفْرَغَ على يديهِ ثلاثًا ثمّ تَمَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَل يَدَهُ اليُمْنَى إلى المَرْفِق ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ اليُسْرَى إِلَى المَرْفِق ثَلاَثًا، ثُمَّ مَسَحَ برَأْسِه، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ اليُمْنَى ثَلاَثًا ثمَّ اليُسْرَى ثَلاَثًا، ثُمَّ قال: رَأَيتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا[5].

وحديث عبد الرحمن بن أبي ليلى رضي الله عنه قال: رَأَيتُ عَلِيًّا رضي الله عنه تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجهَهُ ثَلاَثًا، وغَسَل ذِرَاعَيه ثَلاَثًا، وَمَسَحَ بِرَأسِهِ وَاحِدَةً ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم[6].

وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم الأَنصاري ‑ وكانت لَهُ صُحْبَةٌ ‑ قيل له: تَوَضَّأ لَنَا وُضُوءَ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَأَكفَأَ مِنهَا عَلَى يَدَيهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا فَمَضمَضَ، وَاستَنشَقَ مِن كَفٍّ وَاحِدَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا فَغَسَلَ وَجهَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فَاستَخرَجَهَا فَغَسَلَ يَدَيهِ إِلَى المِرفَقَينِ مَرَّتَينِ مَرَّتَينِ، ثُمَّ أَدخَلَ يَدَهُ فاستَخرجَهَا فَمَسحَ بِرَأسِهِ فَأَقبَلَ بِيَدَيهِ وَأَدبَرَ، ثُمَّ غَسَلَ رِجلَيهِ إِلَى الكَعْبَينِ ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا كان وُضُوءُ رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم”[7]

وحديث أبي داود عَن أَبِيهِ عَن جَدِّهِ أَنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيفَ الطُّهُورُ؟ فَدَعَا بِمَاءٍ في إِنَاءٍ فَغَسَلَ كَفَّيهِ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ وَجهَهُ ثَلاَثًا، ثُمَّ غَسَلَ ذِرَاعَيهِ ثَلاَثًا، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأسِهِ فَأَدخَلَ إِصْبَعَيهِ السَّبَّاحَتَينِ في أُذُنَيهِ ومَسحَ بِإبهامَيه على ظاهِر أُذُنَيه وبالسَّبَّاحَتَين باطنَ أُذُنيه، ثُمَّ غَسل رِجلَيه ثَلاَثًا ثَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا الوُضُوءُ، فَمَن زَادَ على هذا أو نَقَصَ فَقَد أَسَاءَ وظَلَمَ، أو ظَلَمَ وَأَسَاءَ”[8].

والإجماع منعقد على وجوب غسل الوجه في الوضوء.

الفريضة الثالثة: غسل اليدين إلى المرفقين

يجب غسل اليدين إلى المرفقين في الوضوء مع تخليل الأصابع، بدليل الآية والأحاديث السابقة والإجماع.

واختلف العلماء في وجوب غسل المرفقين[9].

وسبب الاختلاف: هل ما بعد “إلى” يدخل في ما قبلها أم لا؟

يقول الأصوليون:  إلى للانتهاءِ والأصحُّ لا ***يدخلُ إلاّ بدليلٍ مَا تَلا

فالحرف “إلى” يفيد انتهاء الغاية، والأصحُّ أن ما تلا “إلى” لا يدخل في حكم ما تقدمها إلا بدليل. وقال آخرون: يدخل إذا كان من جِنْسِ ما قبلَها. ومن العلماء من فسّر “إلى” بمعنى “مع” على حدّ قوله تعالى:)ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم([10]، وهذا ينْدُر في كلام العرب.

والخلاصة أن الآية تحتمل الوجهين، ولكنّ فِعْلَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجَّح وجوب إدخال المرفقين في الغسل.

الفريضة الرابعة: مسح الرّأس

يُمسَح عندنا في المذهب جميعُ الرأس مع إدخال شيء من الوَجْه والقَفَا في المسح لتحقيق الاستيعاب. أما الحنفية والحنابلة فيصححون الوضوء بمسح بعض الرأس. وسبب الاختلاف: هل الباء في قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُم﴾ للإلصاق أم للتّبعيض. استدلّ المالكية بقول الله تعالى في التيمم: ﴿فامسَحُوا بِوُجُوهِكُم وأيدِيكُم مِنْهُ﴾[11] وبقوله سبحانه في الطّواف: “ولْيَطّوّفوا بالبيتِ العَتيق”([12] وقد أجمع العلماء على عدم جواز مسح بعض الوجه في التيمم، وعدم جواز الطواف ببعض البيت فقط. وعليه يجب أن يُمسَح الرّأس كله. واستدلّوا كذلك بصفة مسح النبي صلى الله عليه وسلم، ففي حديث عبد الله بن زيد السابق: “ثُمَّ مَسَحَ رَأسَهُ بِيَديهِ فَأَقبَلَ بِهِما وَأَدْبَرَ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأسِهِ ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إِلَى قَفَاهُ، ثُمَّ رَدَّهُمَا حَتَّى رَجَعَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ”.

وفي حديث الرُبَيِّعَ بِنْتُ مُعَوِّذِ بنِ عَفْرَاءَ أخبَرَتْهُ قالت: رأَيتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم يتوضَّأُ فمَسَح رأسَهُ ومَسَح ما أقبلَ منه وما أدْبَرَ وصُدْغَيهِ وأُذُنَيهِ مَرَّةً وَاحِدَةً[13]. وقال المالكية عن حديث المُغِيرَة بنِ شُعبَةَ الذي فيه أن النَّبِي صلى الله عليه وسلم “تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَاصِيَتِهِ وَعَلَى العِمَامَةِ وَعَلَى الخُفّينِ”[14] إن هذا الحديث لم يروه إلا المغيرة بن شعبة، وأكثر الرواة روَوا المسح على الرأس كله وبدون حائل، وكذلك فِعْلُه مرّة واحدة وفي السَّفر يدل أنه من باب الرُّخص. ولذلك كَرِه المالكية أن يُعمِلوا رواية واحدة ويُهمِلوا روايات كثيرة، وقالوا أيضا: لو كان يجوز مسح بعض الرأس لكفاه صلى الله عليه وسلم أن يمسح ناصيته فقط، فلمَّا مسح العمامة أيضا تبيّن أن مسح بعض الرأس لا يكفي.

وجَوّزَ بعض المالكية المسح على العمامة اختيارا أخذا بظاهر الحديث، لأن الأصل عدم العذر.[15]

وأما حديث أمِّ سلمة رضي الله عنها وأنها “مسحت على خمارها”[16] فالإسناد في ذلك لا يصح إليها، وليس في المسألة حديث يصحّ.

الفريضة الخامسة: غسل الرجلين إلى الكعبين

يجب غسل الرجلين مع الكعبين[17]. والدليل على ذلك الأحاديث السابقة. وقراءة الفتح في قوله تعالى)وأرجلَكم إلى الكعبين( فهي معطوفة على قوله تعالى)فاغسلوا وجوهَكم وأيديَكم إلى المرافق(. أما قراءة الجرّ بالعطف على )رؤوسِكم( فتفيد مسح الرجلين إذا كانتا في الخُفّين[18].

الفريضة السادسة: الدَّلك

الدَّلك إمرار باطن الكفِّ على العضو مع صَبِّ الماء أو بعده[19]، وهو واجب لحديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه و سلم توضأ فجعل يقول هكذا و يدلُك[20]. وفي رواية أن النبي صلى الله عليه و سلم أُتِي بثُلُثَي مُدٍّ فجعل يدلك ذراعه[21]. ولم يرد قَطُّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صبَّ الماء من غير إمرار لليد في الوضوء. ولا يجب تحريك الخاتم المأذون فيه شرعا[22]، بخلاف غير المأذون فيه.

الفريضة السابعة: الفَوْرُ أو الموالاة

غَسل أعضاء الوضوء غَسلا متتابعا من دون تفريق مؤثّر (فاحش)، وضابط هذا التفريق “جَفافُ العضو المعتدل في الزمان المعتدل”.

ودليل الوجوب حديث عُمَرَ رضي الله عنه أنّ رَجُلاً تَوَضَّأَ فَتَرَكَ مَوْضِعَ ظُفرٍ على قَدَمِه، فَأَبْصَرَهُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم فقال: “ارجِع فأحسِن وُضُوءَك” فَرَجَعَ ثُمَّ صلّى[23]. فلولم تكن الموالاة واجبة لما أمره بالإعادة، بل لَأَمرَه بغسل رجليه فقط. والفَور يجب مع الذكر والقدرة، ويسقط مع النسيان والعجز. ودليل ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :”إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه”[24].


[1] من نَوَى‑ نِوْية، فقلبت الواو ياءً ثم أُدْغمت في الياء فصارت نيّة.

[2] رواه البخاري ومسلم والترمذي واللفظ للبخاري.

[3] سورة البينة، الآية: 5

[4] رواه مسلم.

[5] رواه البخاري ومسلم.

[6] رواه أبو داود.

[7] رواه مسلم وأحمد والبيهقي.

[8] رواه أبو داود.

[9] المِرفَق و المَرفِق هو موضع اجتماع العضد والذراع.

[10] سورة النساء، الآية: 2. والشاهد في الآية تفسير “إلى” بمعنى “مع”. أي: مع أموالكم.

[11] سورة المائدة، الآية:6

[12] سورة الحج، الآية:29

[13] رواه أبو داود.

[14] رواه مسلم.

[15] انظر: مواهب الجليل 1/230

[16] رواه ابن أبي شيبة في المسند. وهو العمدة عند الحنابلة في إجازة مسح المرأة على خمارها.

[17] والكعبان هم العظمان الناتئان أسفل الساق.

[18] انظر تفصيل ذلك في مبحث المسح على الخفين.

[19] فرق المالكية بين الغَسل والغَمس(صبُّ الماء من غير إمرار اليد)، والعرب لا تفرق بينهما.

[20] رواه أحمد.

[21] رواه ابن خزيمة.

[22] وهو للرَّجُل الخاتم الواحد من الفضة الذي لا تزيد زنته على درهمين، أما المرأة فتلبس ما تشاء.

[23] رواه مسلم وأحمد.

[24] رواه الحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.