منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المعيقات الخارحية للحرية في فكر مالك بن نبي: (1) الاستشراق

0

أولا: مفهوم الاستشراق:

لغة: ورد في المعجم الوسيط أن الاستشراق مشتق من كلمة شرق وهي شروق الشمس. وجاء في معجم اسان العرب لابن منظور: أن الاستشراق في اللغة مشتق من مادة شرق، أي شرق أذنها شرقها شرقا إذا شقها.
اصطلاحا: الاستشراق هو: ” ذلك التيار الفكري الذي تمثل في الدراسات المختلفة عن الشرق الإسلامي الذي شملت حضارته وآدابه ولغاته وثقافته، ولقد أسهم هذا التيار في صياغة التصورات الغربية عن العالم الإسلامي معبرا عن الخلفية الفكرية للصراع بينهما “.
الاستشراق هو: ” تعلم علوم الشرق الإسلامي، وتطلق كلمة الاستشراق على الدراسات التي يقوم بها غير المسلمين – من اليهود والنصارى – ونحوهم للدين الإسلامي وعلوم المسلمين وتاريخهم ولغاتهم وأوضاعهم السياسية والثقافية والاجتماعية، وكلمة المستشرق بمعنى العالم، تطلق على عالم غربي الذي يشتغل بدراسة الشرق كله، أقصاه ووسطه وأدناه في لغاته وآدابه وحضارته وأديانه “.

ثانيا: الاستشراق عند مالك ابن نبي:

عاش مالك بن نبي في العاصمة الفرنسية قلب الاستشراق الأوربي، فأدرك مالك بن نبي معنى الاستشراق وحيله وأساليبه وأهدافه. فدرس العامل النفسي للمستشرقين الذين يحملون فكر الاستشراق.
يقول مالك بن نبي:” إننا نعني بالمستشرقين الكتاب الغربيين الذين يكتبون عن الفكر الإسلامي وعن الحضارة الإسلامية “.

وقد قام مالك بن نبي إلى تصنيف المستشرقين إلى طبقات:
أولا: من حيث الزمن: طبقة القدماء مثل: جرير دوريياك والقديس توماس الأكويني، وطبقة المحدثين مثل كاره دوقو وجولد تسهير.
ثانيا: من حيث الاتجاه العام نحو الإسلام والمسلمين لكتابتهم: إلى طبقة المادحين للحضارة الإسلامية، وطبقة المنتقدين لها المشوهين لسمعتها.

المزيد من المشاركات
1 من 75

ثم أخذ مالك بن نبي يحلل الاتجاه العام لكتابات المستشرقين حسب تأثير كل طبقة من طبقاتهم.
تأثير الطبقة الأولى:
يقول مالك بن نبي:” فالقدماء أثروا وربما لا يزالون يؤثرون على مجرى الأفكار في العالم الغربي دون أيما تأثير على أفكارنا نحن معشر المسلمين… بينما لا نرى لهم أي تأثر فيما نسميه النهضة الإسلامية اليوم “.
تأثير الطبقة الثانية:
يقول مالك بن نبي: ” المنتقدين للحضارة الإسلامية المحدثون حتى ولو كان لهم بعض الأثر في تحريك أقلامنا… فإنهم لا يدخلون في موضوع بحثنا، لأن إنتاجهم على فرض أنه مس ثقافتنا إلى حد ما، إلا أنه لم يحرك ولم يوجه بصورة شاملة مجموعة أفكارنا لما في نفوسنا من استعداد لمواجهة أثره تلقائيا، ومن الكيان مواجهة تدخلت فيها عوامل الدفاع الفطرية عن الكيان الثقافي “.
تأثير الطبقة الثالثة:
يقول مالك بن نبي:” نجد للمستشرقين المادحين الأثر الملموس الذي يمكننا تصوره بقدر ما ندرك أنه لم يجد في نفوسنا أي استعداد لرد الفعل حيث لم يكن هناك، في بادئ الأمر، مبرر للدفاع الذي فقد جدواه، وكأنما أصبح جهازه معطلا لهذا السبب في نفوسنا”.
كما كان لهذه الطبقة الأثر المحمود، إلا أن مالك بن نبي حذر منها تحذيرا كبيرا، حيث ينشرون أفكارهم المسمومة ضمن مديحهم.

 

ثالثا: أهداف الاستشراق عند مالك بن نبي:

الهدف الحضاري:
يهدف الاستشراق إلى نشر قيمه الحضارية سواء في المجال الاجتماعي أو المعرفي أو الديني، ومن ثمة فإن البعد الحضاري يعتبر هو المحرك الأساسي للنهضة الأوربية. وبالتالي فإن الإنسان ” الأوربي هو في الواقع نوع من التجسيد للفكرة المسيحية”.
يقول مالك بن نبي:” تلكم هي السمة العظيمة الأصيلة للحضارة الأوربية منذ أن تطورت تحت تأثير الإنجيل، تأثيره الظاهر والخفي، المنكر أو المرضي، حيث عاش القهر والحرية وكبرا معا “.
لعب الاستشراق دورا في تحقيق تغيير مطرد في مختلف المستويات ، وذلك عبر انفتاح المجتمعات على التجارب الأخرى المغايرة لها في الدين والثقافة. يقول مالك بن نبي:” وهذه العملية تتم طبقا لتخطيط نظري عام يشمل بالضرورة على الجوانب الآتية، أولا: المصدر التاريخي لعملية التغيير المطردة، ثانيا: المواد التي تمر بتأثير هذا التغيير من حالتها قبل الاجتماعية بحيث يمكن أن تحوزها اليد المغيرة إلى حالتها الاجتماعية، ثالثا: القواعد العامة أو القوانين التي تتحكم في هذا التغيير”.
ومن ثمة كان للاستشراق علاقة مباشرة بتحقيق أهداف: حضارية، جغرافية، فكرية، ايديولوجية، اجتماعية، فلسفية، وعماد هذه الأهداف: الإنسان والتراب والوقت.

الهدف السياسي:
يسعى الاستشراق في نظر مالك بن نبي إلى فرض سياسته الاستعمارية على الدول المستضعفة، فالاستشراق مهد لاستعمار الدول المتخلفة. وبعد مرحلة الاستعمار تعمل الدول الاستعمارية على تحقيق مصالحها وذلك بالترويج لبعض الأفكار القائمة على التبعية المطلقة والداعية إلى قبول القيم الغربية.
ولذلك يرى مالك بن نبي أن مشكلة العالم الإسلامي في أزمة حكم وغياب الديمقراطية، ويوضح أن التخلف هو نتاج للأفكار الميتة والمميتة، أفكار ميتة تولد القابلية للاستعمار بسبب ترك أصول ثقافتنا، وأفكار مميتة مستعارة من الغرب تولد الاستعمار والاستعباد. يقول مالك بن نبي:” لا يمكن أن تستورد الحلول كما تستورد من الخارج قضبان من الحديد أو من المواد الخام”.
يقول مالك بن نبي:” ولهذا لا نستطيع أن نقرر بصفة عامة، أن من المخاطرة أن نقتبس حلا أمريكيا أو حلا ماركسيا كي نطبقه على أي مشكلة تواجهنا في العالم العربي الإسلامي، لأننا هنا أمام مجتمعات تختلف أعمارها وتختلف اتجاهاتها وأهدافها”.
لذلك حرص الاستشراق في جانبه السياسي على نشر الأنانية والتناحر في الدول المتخلفة، وعلى التنويه بمخاطر الاستبداد والفصل بين السلطة الدينية والمدنية ووأد حلم الشعوب نحو الحرية والديمقراطية.

الهدف الاقتصادي:
يهدف الاستشراق في بعده الاقتصادي إلى جمع المعطيات عن الدول المتخلفة، بغية الاستيلاء على خيراتها وثرواتها الاقتصادية.
يعتقد مالك بن نبي أن الحل الأمثل لمواجهة آثار الاستشراق في جانبه السياسي والاقتصادي هو تعزيز الديمقراطية وامتلاك القرار السياسي والاقتصادي.
يقول مالك بن نبي:” ان المجتمع الذي لا يصنع أفكاره الرئيسية لا يمكنه على أية حال أن يصنع المنتجات الضرورية لاستهلاكه، لا المنتجات الضرورية لتصنيعه، ولن يمكن لمجتمع في عهد التشييد بالأفكار المستوردة أو المسلطة عليه سواء كانت تمت إلى الاستشراق أو الشيوعية”.
إن السبيل الأمثل للتصدي لأطماع الاستعمار والوقوف ضد أهداف الاستشراق هو: تغيير ما بأنفسنا وتربية الإنسان باعتباره المحرك والفاعل الرئيسي في المجتمع والتاريخ.
يقول مالك بن نبي:” ليست قضية أدوات ولا إمكانيات، إن القضية في أنفسنا، إن علينا أن ندرس أولا الجهاز الاجتماعي الأول وهو الإنسان، وليست السلال وغيرها، فإذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ، وإذا سكن، سكن المجتمع والتاريخ “.

 

رابعا: نقد مالك بن نبي للاستشراق:

بعد أن ذكر مالك بن نبي تعريف الاستشراق، وصنف المستشرقين إلى طبقات، بين أن هناك طائفة منصفة ومادحة للإسلام والمسلمين، وطائفة أخرى حاقدة على الإسلام والمسلمين، وهذا الموقف لا يخلو من الانتقائية والمعيارية. كما رصد مالك بن نبي الموقف الفكري والحضاري للمستشرقين وصنفهم إلى طبقة القدماء وطبقة المحدثين. وعلى ضوء هذه الرؤية تعرض للاستشراق في كتابه: ” إنتاج المستشرقين “.
يقول مالك بن نبي:” كما تجب الملاحظة أيضا، أن العالم الإسلامي أصبح في هذه الملابسات يعاني الصدمة التي أصابته بها الثقافة الغربية، ويعاني بسببها أثرين: مواجهة مركب نقص محسوس من ناحية، ومحاولة التغلب عليه من ناحية أخرى، حتى بالوسائل التافهة “.

مقالات أخرى للكاتب
1 من 6

يرى مالك بن نبي أن الصدمة والتخلف في العالم الإسلامي هو نتيجة للهزيمة النفسية ونكران الاعتزاز بالذات، والاعجاب بالوسائل التافهة الموجودة في الثقافة الغربية. ومن ثمة كان الإنتاج الاستشراقي بنوعيه شرا على المجتمع الإسلامي.
يقول مالك بن نبي:” وبالتالي يتبين لنا أن الإنتاج الاستشراقي بكلا نوعيه، كان شرا على المجتمع الإسلامي، لأنه ركب في تطوره العقلي عقدة حرمان سواء في صورة المديح والاطراء التي حولت تأملاتنا عن واقعنا في الحاضر وأغمستنا في النعيم الوهمي الذي نجده في ماضينا، أو في صورة التفنيد والاقلال من شأننا بحيث صيرتنا حماة الضيم عن مجتمع منهار. مجتمع ما بعد الموحدين، بينما كان من واجبنا أن نقف منه عن بصيرة طبعا ولكن دون هوادة، لا نراعي في كل ذلك سوى مراعاة الحقيقة الإسلامية غير المستسلمة لأي ظرف في التاريخ، دون أن نسلم لغيرنا حق الاصداع بها والدفاع عنها لحاجة في نفس يعقوب”.

وقد انتقد مالك بن نبي الاستشراق بمختلف أنواعه وبمختلف طبقات المستشرقين، وقد سلك في ذلك مسلكا وسطيا، قال مالك بن نبي:” وعلى كل، فإن أمكننا أن نصرح بأننا نجد على كل وجه جانبا إيجابيا في هذا الاستشراق، فإننا لا نجده في صورة المديح، بل في صورة التفنيد. فعندما يعلن الاستشراق أنه لا نصيب للعرب في تشييد صرح العلوم، وربما يؤدي بنا هذا الموقف المتطرف إلى تلافيه بعلمانية سطحية نشاهد أثرها حتى في إنتاج بعض المفسرين مثل طنطاوي جوهري “.

يقول مالك بن نبي:” ربما وجب علينا أن نستخلص من هذا العرض نتيجة تحدد موقفنا من إنتاج المستشرقين، فنقول أولا إنه إنتاج لا يجوز نكران قيمته العلمية، بل نراه أحيانا يستحق كل التقدير لما يتسم – في بعض أصنافه مثل ما خلفه سيدييو أو جوستاف لوبون أو آسين بلاثيوس – بالإضافة إلى طابعه العلمي، بطابع أخلاقي ممتاز لا يمكن نكرانه كشهادة نزيهة من طرف شهود نعرف قيمتهم كعلماء. ولكننا نغفل جانبا أساسيا في الموضوع إذا لم نأخذ في حسابنا أن كل ما ينتجه العقل ففي هذا القرن العشرين الخاضع لمقاييس الفعالية، لا يخلو من بعد عملي قد يستغل في ميدان السياسة والانتفاع حيث تصبح الأفكار، ما سما منها وما كان تافها، مسخرة لتكون وسائل افتضاض الضمائر والعقول “.

فيجب أن لا نغفل جانبا أساسيا في موضوع الاستشراق وهو: أن كل ما ينتجه العقل البشري لا يخلو من بعد عملي قد يستغل في ميدان السياسة والاقتصاد والحضارة والعلوم، وهذه الأهداف المتعلقة بالاستشراق غالبا ما توظف في التمهيد للاستعمار واستنزاف الثروات الشعوب المقهورة ووأد الحرية في الدول المتخلفة. وهذا من أعظم مخاطر الاستشراق.

يتضح من خلال ما سبق أن مالك بن نبي نهج منهجا انتقائيا من الاستشراق، فنجده يتخذ موقفا وسطا مترددا بين الإيجاب والسلب، وبين القبول والرفض، وبين النقد والتسليم لإنتاج المستشرقين. فما وافق الإسلام في إنتاج المستشرقين أخذنا به واعتبر من تراث المسلمين، وما عارض الإسلام في إنتاج المستشرقين رفضناه واعترضنا عليه ونبهناهم عليه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.