منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

آه.. يا ابراهيم.. يا ولدي (قصة قصيرة)

نورالدين النبهاني

0

نظرت مليكة إلى زوجها الممدد على السرير مريضا، وفي عينيها خوف عليه، وشفتاها لا تتوقفان عن الدعاء له، أما زوجها ابراهيم لما نظر إليها بإمعان وهو محموم ودرجة حرارته عالية، قرأ الغرام في عينيها، واكتشف مدى حبها له، وتمسكها به، فقرر أن يكون أكثر جرأة وشجاعة منها، ويتحلى بنبل الفرسان، مصرحا لها بما في داخله، وناجاها مبتسما:
” أنت الشيء الجميل والمتميز في حياتي “.
أحست بفرحة عارمة هذه أول مرة يتغزل فيها بعد عشرة طويلة، فلم يسبق له ولو مرة التغزل فيها، أوالنطق بكلمة(أحبك)، كانت تلمس ذلك من خلال اهتمامه بها، ولهفته عليها، وتشعر به من خلال لمساته العابرة، ونظراته المسائية، وهمساته الليلية وتكتفي بذلك مستسلمة، لكن اليوم يصرح بذلك، وبحضور والدته.
أما والدته فاعتبرت تصريحاته ضربا من هلوسة الحمّى، لم تعره أي اهتمام، إذْ لم يكن يهمها من هذه الاجواء الرومانسية سوى معافاته.. سلامته من كل علة.. فقد ترملت.. وهي في عز شبابها ورغم ذلك لم تتزوج، وكافحت من أجل وحيدها ذي السبع سنوات، ولم تدخر جهدا في تربيته صبيا وسهرت على حسن تعليمه طفلا ومساعدته شابا.
فشل في دراسته، فباعت كل ما تملك من الحلي الذهبية للزينة، وأضافت إلى المبلغ كل ما آدخرت في حياتها، ولم تبخل عليه بأي شيء، ساعدته على إنشاء مشروع تجاري، وهكذا فتح متجرا لبيع العطور والاكسسوارات النسائية، وحين ازدهر متجره، واشتهر بين المتاجر وعند الزبناء باسم (ولد مّي زهرة ).. زوّجته على طريقتها، واختارت له ابنة أختها، لذلك كان همها أولا وأخيرا أن يظل سالما.، معافى.
ابراهيم ولْد مّي زهرة رغم الحمى والسعال والإنهاك كان مصرا على مكوثه في البيت، ومّي زهرة كانت مصرة على نقله الى المستشفى للفحص والمعالجة، وظل موقف الزوجة متذبذبا، وظلت حائرة بينهما.
اتصلت جارتهم الهاشمية الملقبة ب(مالْهُم مالْهُم) التي اشتهرت باستراق السمع حتى لدبيب النمل برقم ( آلو اليقضة الوبائية).. و ابلغتهم بكل الاعراض التي يعاني منها جارها ابراهيم، كما زودتهم بالعنوان الذي يتواجد فيه، وتم تسجيل البلاغ تحت عدد12بتاريخ 17مارس 2020.
جاءت سيارة الاسعاف وضجيج صفارتها يستقطب الفضوليين، حيث انتشر الخبر في الحي، وانتشرت معه الاقاويل، والجيران بعضهم متحصن بباب بيته يسأل، وبعضهم يطل من النوافد ويجزم، والاخرون من سطوح المنازل يتربصون، والكل يتساءل عن الخبر اليقين.
وقفت سيارة الاسعاف امام باب العمارة، نزل منها رجال بملابسهم الواقية.. ( الملابس الخاصة بالجائحة ).. لا يظهر منهم شيئ، هم أشبه برجال الفضاء، منظرهم يثير الاستغراب وأحيانا الرعب.
أخدوا معهم ابراهيم ولد مّي زهرة وآختفوا، وتركوا الأم مقهورة والزوجة مصدومة وكلتاهما لا تعرف من قام بإبلاغهم، والجيران من بعيد يسألون، ويستفسرون بالإشارات من مسافات شاسعة.
ضُحى الغد نزل الخبر على الأم والزوجة كقنبلة انفجرت امام وجهيهما في المستشفى، حين قال لهما الدكتور:
-“نتائج تحاليله التي توصلنا إليها ايجابية والمريض مصاب بفيروس كورونا، حالته متقدمة، وضعيته حرجة، والمطلوب منكما الآن”..
ثم التفت الى يمينه ونادى على أحد الممرضين:
-“أحمد.. يا أحمد.. خد هاتين السيدتين الى الحجر الصحي جناح باء قصد التتبع بعد اجراء الفحوصات والتحاليل”
قاطعته الزوجة:
-“ماذا تقول؟ هل جننت؟ لي بنتان صغيرتان تركتهما في البيت مع أختي”..
مكث ينظر اليهما مليا ثم قال:
-“في هذه الحالة.. عليكما.. أن تعودا الى بيتكما وتمكثا فيه.. ولا تغادراه حتى تأتي سيارة الاسعاف غدا صباحا أو بعد غد ليلا، لنقلكما مع كل من يعيش معكما في البيت الى الحجر الصحي”..
وقفتا خلف الزجاج تنظران الى ابراهيم، حاجز من الزجاج يفصل بينهما.. بين عالمين.. كبرزخ يفصل بين حياتين.. وبين واقعين.. وهو ممدد على السرير في غرفة العزل، وكثير من الأجهزة متصلة بصدره وذراعه وأنفه، حين رآهما رسم على وجهه المزود بقناع الأوكسجين ما يشبه آبتسامة شاحبة مع دموع خجولة في المآقي، لوّح لهما بطرف يده رغم الحمى والالم والأجهزة، وكله أمل في العودة اليهما، خلال أيام، ومن إشاراته فهمتا انه يطلب منهما ان يبلغا سلامه وقبلاته الى ابنتيه فاطمة الزهراء واختها شيماء.
عادتا مساء الى البيت، وقبل ولوجهما اليه، بدت لهما الاضواء.. أضواء الأزقة والبيوت خافتة.. شاحبة.. صفراء.. والشوارع رمادية اللون،لا حركة فيها ولا ضوضاء، كما لاحظتا وهما وحيدتان، أن لا أحد من الجيران استقبلهما أو آقترب منهما، الجميع نَفَرَ وآستنفر، كأنهما أُصيبتا بالجُدام، الكل يسأل من بعيد، الكل يسلم من بعيد، ولا أحد يقترب، فقط استعمال الهاتف، أصبح الوسيلة الوحيدة للتواصل مع عالمهما الخارجي، الجيران عبره تسأل، الأصدقاء من خلاله تستفسر، الأقارب به تستعين، لتصل معهما صلة الرحم مواسية ومتضامنة في هذا المصاب الجلل، ولا احد يفكر في الاقتراب منهما او زيارتهما.. لا أحد..

أحستا بالقهر، وانخرطتا في البكاء الصامت وكل ما حولهما انقلب رأسا على عقب حتى البيت ماعاد هو البيت، بدا لهما بيتا مهجورا رغم كل الاثاث، بيتا مظلما رغم كل الاضواء، وصامتا كقبر بلا صاحب، فقط صراخ فاطمة الزهراء ذات السنة والنصف الذي كان يكسر ذلك الصمت ويخرجهما من ذلك الشرود، ويقطع عنهما تلك المناجاة لرب العالمين، وأحيانا رنين الهاتف من أحد المستفسرين أو الفضوليين.
اتصلت مي زهرة صباح الغد بأخيها بوبكر طالبة منه أن يزور ابنها ابراهيم في المستشفى طالما يملك ورقة التنقل الاستثنائية، لأنهما عالقتان بالبيت ينتظران سيارة الإسعاف التي ستقلهما إلى الحجر الصحي.
في المستشفى لم يسمح لخاله بوبكر برؤيته، قالوا له:
” إنه في العناية المركزة، حالته خطيرة وهو الآن تحت رحمة أجهزة الأوكسجين الاصطناعي الاختراقي، ممدد على بطنه في غيبوبة، لقد تمكن منه فيروس كورونا وخرب ثلاثة أرباع مساحة عضو رئته، وعدة أجهزة متصلة بجسمه، تطعمه بالمحلول الغذائي، وتزوده بالأوكسجين وتراقب نبضات قلبه، وذاته حاليا تتأرجح بين الحياة والموت ”
أغلق بوبكر هاتفه وجعله خارج التغطية حتى لا ينقل هذا الخبر السيء إلى أخته.
طلعت شمس العشرين من مارس كئيبة ومتجهمة تلفها الغيوم من كل جانب، رنّ الهاتف وما بين اللهفة والخوف، فتحت الزوجة الخط، وأبلغها المتصل أن ابراهيم مات، رمت الهاتف وصرخت باعلى صوتها مولولة:
-“ابراهيم مات.. ابراهيم مات”..
ظلت ترتجف وتنتحب كطائر جريح يحتضر، نهرتها الام صائحة:
-“اصمتي ولا تصرخي.. ولا تصدقي المتصل.. لعله.. لعله احد العابثين يريد ان يلعب بأعصابنا، ابراهيم حي.. إنه حي.. ألا تفهمين؟.. انتظري.. انتظري.. بل تعقلي و.. (نظرت حولها في كل الاتجاهات ثم مسكت هاتفها ) هيا اعيدي الاتصال بالمستشفى من هاتفي.. هيا تسلمي.. اصمتي واتصلي”..
مسحت الزوجة دموعها بكُمِّ ردائها، ثم تسلمت منها الهاتف محاولة الاتصال، في هذه اللحظة بالذات يُسْمع رنين الجرس، تهرع الام الى الباب، وتفتحه بسرعة آملة أن يكون الطارق آبنها ابراهيم، وهنا يأتيهما الخبر اليقين.. فابراهيم انتقل الى رحمة ربه وهذه سيارة الاسعاف أتَتْ لنقلهما الى الحجر الصحي، حيث ستجرى لهما الفحوصات والتحاليل.
وهي تطل من زجاج نافدة سيارة الاسعاف، بدأت الام تولول بصوت خافت اشبه بالأنين:
“آه يا ابراهيم!.. تموت ميتة الغرباء.. لا جنازة.. لا عزاء.. آه يا ابراهيم!.. متجرك ومالك وبيتك سيتقاسمه الغرباء من الورثة مع ابنتيك لأنك لم تنجب ولدا ككل الرجال.. آه يا ابراهيم!.. حين سأموت من سيقيم لي العزاء؟.. أم سارحل مثلك بلا عزاء؟.. آه يا ابراهيم!.. كنتَ الجناحين الذي بهما اطير والعينين التي بهما أرى.. والسند الذي منه استمد قوتي وهيبتي.. اليوم اصبحْتُ طائرا ضريرا.. لا طيران بعد اليوم.. لا هيبة.. لا وقار.. آآه يا ابراهيم.. لو تحصنت ببيتك لنَجّيْتنا من كل هذا البلاء.. آآآه يا ابراهيم.. سأظل أرثيك.. وأناجيك.. وأدعولك.. حتى ألحق بك.. لأن الحياة لا تحلو بدونك، ولا تستقيم إلا بك”.
انتشر الخبر عند منتصف نهار يوم الجمعة 20 مارس كالنار في الهشيم بكل وسائل التواصل الاجتماعى، وبكل الإذاعات الوطنية في أخبار الظهيرة، معلنة عن وفاة أول شاب مغربي بفيروس كورونا، بأحد المستشفيات العمومية، ولم يمض آنذاك على الحجر الصحي الشامل بربوع المملكة المغربية إلا أربعة أيام.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.