منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

ياليتني! ياحسرتي!

عبد القادر الدحيمني

0

يا ليتني كنتُ حجرا أصمّ قبل أن أشيرَ ببنانِ اتّهامٍ أو أقلِّه، لقلوب استصفاها المولى لحمل أمانته وسرّه، أو أومئَ بإشارةِ سوءٍ إلى هاماتِ صدقٍ عُلّقت وصُعقت ليصلَني شعاعُ نورٍ وظلِّه، وعُذّبَتْ وجُلِدَتْ لأُنْقَذَ وأفوزَ برضاه وقربه !
يا ليتني لم تلدني أمّي إن أنا نظرتُ نظرة ازدراء، لمن ربّاني وحماني نطفةً فمضغةً فعلقةً إلى ما الله شاء، أو حملتُ بذرة ادّعاء وانتشاء، بنفسٍ أعرفُ كُفرَها وجُحودَها وخسّتها بما هي نزّاعة للشفوف وللمراء!
يا ليتَني أكونُ نِسيا منسيّا، قبل أن تعلو بي رتبة تغرّني بربّي الكريم، أو أزهو بنعمة تحجُبني عن فقري وضعفي وتصنع مني الجبّارَ الخصيم، أو تعيدني إلى جُبِّ ليلي البهيم وانتكاسي في بلاءِ حزن كظيم، وارتكاسي في سجنِ كيدٍ عظيم.
يا حسْرتي إن كانت خاتمة عقود صحبتي ألا أرى إلا الزّيغَ والخذلان والصّد، حيثما ألقيتُ بَصري حسيرا إليّ يرتد، وأن تسودّ الآفاق أمام عيني وتنسد، ويتداعى البنيان كلُّه في زَعمي وينهد!
يا حسرتي إن كان أكبر “ميراثي” أكيالُ اتهاماتٍ لا تنتهي، وسوء ظنٍّ به أفيشُ وأزدهي، وعثرات أتسقطّها متتبّعا متسلّلا كاشفا فاضحا لا أَعِفُّ وأنتهي!
يا حسرتي إن صرتُ أزعُمُ أنني المرجع والمعيار والميزان، وبوّأتُ غيري مقعد الميل والزيغ والهوى والبهتان، أنا الصدق والنُّصحُ والإخلاص والإحسان، وغيري الغدر والخيانة والزّيف والنكران، أنا الزّهد والتجرّد والاحتساب والعرفان، وغيري حُبُّ الدنيا والرئاسة والاضطهاد والعُدوان!
يا حسرتي إن كانت خلاصة إفادتي بضاعة لغة منمّقة أروّضها لترصّع ما يعتريني من وساوس وتخرّصات، وتجمِّلُ ما يطوف بقلبي من أكدارٍ وتوجّسات، وتستعرض ما تكلّس لديّ من ضغينة وأحقاد وتوتّرات !
يا حسرتي إن كان ما أختم به مساري افتياتٌ أغطّي به حَيْرَتي، وأدثّر به جُموحي وعِزّتي بسَقْطَتي، عوض دَوْسي على نفسي وتبرُّئي من “تاريخي” و”بضاعتي”، وخروجي من “أناي” التي تصنع منّي إِلَهَ زيفٍ قبل أن تأكلَ عُجْوَتي!
يا حسرتي إن سوّلت لي نفسي أنني الصّدقُ والقوّة والفرقان، وغيري الضعف والتشوّف والخذلان، وإن سوّلت لي أنها ذات شأن عليٍّ ظاهرٍ أنجح، فاستصنمتُ رأيي طائفا حوله لا أبرح، وجعلتُ العالم في كفّة بوارٍ وخُسران، وادّعائي في كفة نزاهةٍ ورُجحان!
اللهم لا تَحِدْ بنا عن حوزة الأدب والتعظيم واللين والتّطاوع، والصبر مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وارزقنا الثبات واليقين وحسن الخاتمة، وامضِ لكلٍّ سابقَتَه وفضلَه، واشملنا بسترك ولطفك يا كريم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.