منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حكاية من بلاد الحبشة / العجوز الراهبة

أحمد الشرقاوي / حكاية من بلاد الحبشة / العجوز الراهبة

0

حكاية من بلاد الحبشة

العجوز الراهبة

   عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: لما رَجَعَتْ مُهَاجِرَةُ الْحَبَشَةِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: “أَلا تُحَدِّثُونِي بِأَعْجَبَ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ” قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: يَا رَسُول الله بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ عَلَيْنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِهِمْ تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثمَّ دَفعهَا على ركبتها، فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَتْ: سَتَعْلَمُ يَا غُدَرُ؛ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ وَجَمَعَ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ وَتَكَلَّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ؛ فَسَوْفَ تَعْلَمُ أَمْرِي وَأَمْرَكَ عِنْدَهُ غَدًا! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صَدَقَتْ ثُمَّ صَدَقَتْ؛ كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ قَوْمًا لَا يُؤْخَذ لضعيفهم من شديدهم!).  ([1])

 

المزيد من المشاركات
1 من 31

-1-

 

للقصة وقعُها في النفوس، وإثارتها للوجدان، وعصفُها للأذهان، تُصْغِي الأسماع لحاكيها، وتجولُ الخواطر في تصوّر مشاهدها وكشف مراميها، وتهيمُ العقول في تخيُّل تفاصيلها، وتفيء الأفئدةُ إلى ظلالها.

وقد جرت العادة إذا عاد المسافرُ من سفرٍ طويلٍ، أن يلتفَّ حوله الأهل والجيران والخلان، متشوِّقين لسماع الطرائف التي شاهدها في رحلته.

وعندما قدم مهاجرةُ الحبشة إلى المدينة المنورة، ووافق فتح خيبر، كانت فرحتان، الفرحة بقدومهم الميمون، والابتهاجُ بهذا الفتح المبين، فرح بهم نبيُّنا صلى الله عليه وسلم أعظم فرح، وبشَّ لقدومهم وأكرمهم وأكثر من مجالستهم ومؤانستهم. وقال صلى الله عليه وسلم عبارَته المأثورة: ( ما أدري بأيِّهما أنا أُسَرُّ : بفتح خيبر . أم بقدوم جعفر ؟ ). ([2])

وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحبُّ القصة المؤثِّرة، والعجيبة النادرة، فسأل القادمين من الحبشة ذات يوم: عن أعاجيب ما رأوا في تلك البلاد القاصية.

قال (أَلَا تُحَدِّثُونِي بِأَعَاجِيبِ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ؟).

مقالات أخرى للكاتب
1 من 2

والأعاجيب جمع أعجوبة، وهي أبلغ ما يكون من العجب من حكايةٍ أو طُرفةٍ أو نادرةٍ، فكانت هذه الحكاية التي شاهدها حاكيها فلم تغب عن مُخَيِّلته، بل حُفِرَت في ذاكرته، فنقلها كأنه يصفُ مشهدًا ماثلا أمامه، مشهدًا حيًّا بِصَخَبِهِ، صوتُ قهقهاتِ الشبابِّ العابثِ، تختلط بأنين العجوزِ البائسة، وكلماتها الرنانة، صوت المظلوم المدوّيّ، صوت المقهور الذي يرتفع إلى عنان السماء!([3])

(بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ، إذ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا ثُمَّ دَفَعَهَا، فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبَتَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلَّتُهَا).

ألا يذكرنا هذه المشهد بتلك المشاهد الهزلية التي تعجُّ بها البرامج والمسرحيات، من أجل إضحاك المشاهدين، على أمورٍ تافهة، أو حركاتٍ بهلوانية، وأصوات منكرة، أو استضافة فنانين وفنانات، في البرامج،  حيث تحاك لهم المكائد والمقالب، على يد المخرج، والبطل، فتنفجرُ قهقات العابثين، وتتعالى صرخاتُ الغانيات، في جوٍّ من التهتُّك والمجون، أقرب من العقل إلى الجنون!

لم تكن تلك الحكاية الحبشية مجرد قصة عابرة، أو حادثة عارضة بل إنها أعظم خطرا وأشد تأثيرا إلى حد أنه رواها كما سمعها، ومن الواضح أنه سمعها بلغة أهل الحبشة، وفيه إشارة إلى أهمية ترجمة الآداب العالمية والروايات النافعة وحكايتها ليس فقط للاستمتاع بها، بل لأخذ العبرة والعظة، والتسليةِ والتأسِّي، بعيدا عن الأدب الماجن والروايات التافهة التي شاعت وذاع صيتُها في عصرنا، بينما لا تستحقُّ ثمن الورق الذي طبعتْ عليه، فما أكثرَ الغث في هذا الزمان!

إنها قصة متكررة، قصة العدالة، قصة الاستهانة بالضعيف لدرجة السخرية به، وجعله أضحوكة، دون مراعاة لتقدُّم سنٍّ، ولا احترامٍ لمقام راهبة، منقطعةً للتبتل والصلوات، عاكفةً على خدمة الكنيسة!

أرأيت كيف يجعل الناس رجال الدين مثارًا للسخرية وغرضًا للاستخفاف؟

حتى الأنبياء على مر التاريخ لم يسلموا من سخرية الكافرين واستهزاء المستهترين!

{وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ } [الأنعام: 10]، [الأنبياء 41]

فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)

 

-2-

 

( من عجائز رهابينهم)([4]) : امرأة عجوز لا حول لها ولا قوة تمر على صِبيَة وهي تحمل على رأسها قلة ماء وكم يتكرر هذا المشهدُ الأسيف، كم نراه في الأسواق والطرقات وفي محطات القطار، عجائز ما زلن كادحات مع كبر سنهنَّ.

أما كان الأولى أن تُمَدَّ لها يدُ العون؟ رحمةً بضعفها! وتوقيرًا لسنِّها وترهُّبها!

بل سخر منها ذلك الغَويُّ، وضربها ضربةً مباغتةً فانكفأت على وجهها وانكسرت قلتها وأُريق الماءُ حول تلك الواهنة الضعيفة، وقبله أريق ماء المروءة والحياء:

إذا لم تخش عاقبةَ الليالي  ولم تستح فاصنع ما تشاءُ

يعيشُ المرءُ ما استحيا بخيرٍ  ويبقى العودُ ما بقي اللّحاءُ

ويتمرَّغُ السفيه في الضحك، غيرَ آبهٍ بدموعِ المسكينة التي تفيضُ على وجهها الشاحب، وتجري في أخاديدِه التي حفرها الزمان، وها هو الشقيُّ التافهُ لا يزال يضحكُ بجنونٍ، ليُضْحِكَ أصحابَه، على هذا المشهدِ المؤلِمِ.

أليس من سبيل للضحك إلا بإيلام الآخرين، وسفح دموعهم!!

إنها الساديَّة في أبشع صورها، أن يلتذّ المجرمُ بإيلام الآخرين!

هنالك لم تجد المرأةُ المنكسرةُ نصيرًا، فقامت في تحدٍّ، وارتفعت، والتفتت إليه، وقالت : ( سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتْ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا.)!

صفعةٌ قويّة لهذا الشابِّ الغافلِ اللاهي!

إنها لا تملك القوة الجسدية للدفاع عن نفسها، فلقد غزا جسدها الوهن، وانحنى الظَّهرُ، وليس لها من ينصرُها في هذا الموقفِ، فيعنِّف هذا الشابّ، ويلقنه درسًا لا ينساهُ، لكنها تملكُ إيمانًا راسخًا كالجبال، ونفسًا عزيزةً شامخةً كالنسُور الحرّة المحلِّقة في الأعالي.

نهضت الكسيرةُ في شموخٍ وإباء، استجمعت قواها، عقدت عزمها، والتفتت إلى هذا الشابِّ العابث بثبات وتحدٍّ، وقالت له بكل حزمٍ وعزةٍ: (سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتْ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا.)  ثم مضت في طريقها، ململمةً قلبها المتبعثر، بعد أن تركت خلفها أصداء كلماتها المدوية، وأشلاء جرَّتها المنكسرة، موقنةً بأن الظلم عاقبته وخيمة، حتى ولو كان يسيرًا! وأن الظالم إن أفلت من العقوبة في دار الدنيا الفانية، فإن الويلات واللعنات سوف تحاصره في الدار الآخرة { يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (52) }.

خيم السكون والصمت على ذلك المشهد، وبقيت كلمات العجوز تجلجل في الأرجاء.

(سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الْكُرْسِيَّ، وَجَمَعَ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَتَكَلَّمَتْ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا.)

تعلِّمنا تلك الراهبةُ العجوز وتذكرنا بهذا اليوم العظيم، الذي ينتظره الجميع، ينتظر المظلوم فيه الإنصاف، وينتظر المبتلى الجزاء الأوفى، وينتظر البائسُ النعيمَ الأبديَّ، وينتظرُ المحرومُ العطاءَ الممدودَ، وينتظرُ المشتاق اللقاء المرتقب والوصال المُرتجى.

بينما ينتظرُ الظالمَ جزاءُ ظلمه، وينتظرُ المكذبَ مثولُ الحقيقة أمام عينيه.

-3-

تدرك الراهبةُ بل وتؤمن بالحساب، بل وتشير لمعنى دقيق، وهو اسم الله الجبار، وما فيه من رهبة وجلال، يجبر القلوب المنكسرة، الجبار يجبر الخلق على مراده فلا يقع في ملكه إلا ما أراده، الجبار ينتقم من كل متجبَّر.

ثم تشير لمسألة دقيقة : الكرسي، وهذا أمر جليل وخطب عظيم . إنها راهبة، نالت حظًّا من العلم، بقايا الإيمان، دين المسيح عليه السلام.

والجمع العظيم حيث لا يغيب أحد ولا يتخلف، حيث لا مفر ولا مهرب.

فليرتقب هذا الغادر ذلك اليوم حيث يقتص لها الجبار عز وجل.

{ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}

(صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟ ) هكذا قال الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

كيف ترقى أمة كيف تسمو كيف تعلو والظلم فاشٍ فيها! كيف تنهض وتتبوأ مكانتها في مصافِّ الأمم، كيف تنطلق للعلياء؛ كيف تعانق الجوزاء، وهي مكبلة بأغلال الظلم، مثقلة بسلاسله! كيف تندفع للأمام بينما تجرُّها حبالُ  البغي والقهر إلى الوراء!

أَمَا وَاَللَّهِ إنَّ الظُّلْمَ شُؤْمٌ وَمَا زَالَ الْمُسِيءُ هُوَ الظَّلُومُ

إلَى دَيَّانِ يَوْمِ الدِّينِ نَمْضِي وَعِنْدَ اللَّهِ تَجْتَمِعُ الْخُصُومُ

سَتَعْلَمُ فِي الْمَعَادِ إنْ الْتَقَيْنَا غَدًا عِنْدَ الْمَلِيكِ مَنْ الظَّلُومُ ([5])

 

قال ابن تيمية: (إنَّ الله يقيم الدَّولة العادلة، وإن كانت كافرة، ولا يقيم الدَّولة الظَّالمة، وإن كانت  مسلمة! ([6])

(كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ؟ )

إن إقامة موازين العدل في شريعتنا ليست مطلوبةً بين المسلمين وحدهم، بل هي غاية إنسانية، يسعى الإسلام لتحقيقها، للمسلمين وغيرهم، لما سأل رستم قائدُ الفرس مبعوث المسلمين له الربعي بن عامر: : ما جاء بكم ؟ فقال : الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله ، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها ، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام .([7])

 

 

من كتاب قصص النساء في الأحاديث والآثار، تأليف/ أحمد الشرقاوي

 


[1]– رواه ابن ماجة في السنن، كما في حاشية السندي على سنن ابن ماجه (2/ 486)، وَفِي الزَّوَائِدِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ وَسُوَيْدٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ. ورواه ابن حبان في صحيحه كما في زوائد ابن حبان كتاب البعث بَاب مَا جَاءَ فِي الْحساب حديث 2584 وفي الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان 7/ 258 – 259 برقم (5036). وإسناده حسن. وذكره صاحب كنز العمال 3/ 74 برقم (5548) مختصراً ونسبه إلى ابن ماجة، وابن حبان، وذكر له عدداً من الشواهد. وفي مسند أبي يعلى (4/ 7) 2003. وأورده الألباني في صحيح الجامع حديث رقم: 4598 وقال (صحيح).

[2]– السيرة النبوية ابن هشام (2/359)

[3]– وفي السنة لابن أبي عاصم (1/ 257) أن الذي حكى القصة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه.

[4]– (من عجائز رهابينهم) قال ابن الأثير كتابه في النهاية في غريب الحديث والأثر (2/281) “: الرهبان: جمع راهب، وقد يقع على الواحد، ويجمع على رهابين؛ والرهبانية: نسبة إلى الرهبنة. فكان النصارى يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا وترك ملاذها والعزلة عن أهلها وتعمد مشاقها فمنهم من يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب فنفاها عن الإسلام” وشرع الجهاد ففيه تضحية بالغالي والنفيس، وفيه أعظم البذل والفداء، وثمرته متعدية، وليست قاصرة كالرهبنة.   الرهبانية : هي من رهْبَنَة النصارى. وأصلُها من الرَّهْبة : الخَوفِ، “كانوا يترَهَّبون بالتَّخلّى من أشْغال الدُّنْيا، وتَرْكِ مَلاَذِّها، والزُّهْد فيها، والعُزْلة عن أهْلها، وتعمُّد مشاقِّها”، ولم يكتبها الله عليهم لكنهم ابتدعوها، فوفِّق من وفِّق، واستقام عليها من استقام وزاغ من زاغ، ولكنهم بالجملة ضيّعوا وفرّطوا والتاريخ والحاضر يشهد بذلك، وصدق ربنا جل وعلا إذ يقول عن نبيه عيسى عليه السلام {وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27].

[5]– الأبيات لأبي العتاهية، أدب الدنيا والدين (ص: 169).

[6]– مجموع الفتاوى (28/63).

[7]– البداية والنهاية لابن كثير 9/ 622.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.