منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مُختارات صوتية في شعر العمري “ديوان على نوافذ التيه أنموذجا”

مُختارات صوتية في شعر العمري "ديوان على نوافذ التيه أنموذجا"/ إبراهيم الطاهري

0

مُختارات صوتية في شعر العمري

ديوان على نوافذ التيه أنموذجا

إبراهيم الطاهري[1]

تقديم:   

يعتبر مقوم البناء الصوتي الإيقاعي من مقومات النظم الشعري، هذا المقوم الذي يمكنه أن يتيح للمتلقي-قارئا أو سامعا-فرصة تذوق أنغام وإيقاعاته هذا الشعر قبل إدراكه لمعانيه وصوره الواسعة، وإذا أتيحت له هذه أيضا بلغ منزلة إدراك الجمال الذي يُمكّنه من إبراز حركية النص الشعري وتكويناته الصوتية من ناحية أولى، ثم إبراز القوة الانفعالية للذات الشاعرة في علاقتها العضوية مع التجربة الشعرية التي قد يعبر عنها الشاعر المبدع في ديوانه ككل، أو في إحدى قصائده الشعرية من ناحية ثانية، فيصير المتلقي أمام تكوين إبداعي عميق يمكن أن تكون له قابلية للكشف والتأويل، هذا الإبداع يحتم عليه القبض على ذلك التعالق الجدلي الذي تتقاطع فيه مجموعة من الطاقات الدلالية القوية، التي لها ارتباط وثيق بالمعاني والألفاظ والموسيقى الإيقاعية.

المزيد من المشاركات
1 من 110

يندرج التكوين الإيقاعي ضمن جملة من الخصائص التي يتميز بها الخطاب الشعري، حيث يبقى عنصرا ثابتا ومكونا أساسيا في تشكيل بنيته الموسيقية والجمالية، وقد عرفه ابن سينا(ت428ه). بقوله: ((الإيقاع تقديرٌ مَا لزمن النَّقرات، فإن اتفق أن كانت النقراتُ منغَّمة كان الإيقاع لَحْنيًّا، وإذا اتفق أن كانت النقرات مُحدِثَة للحروف المنتظم منها الكلام كان الإيقاع شعريا))1 والنقرة في هذا التعريف صوت يشكل وحدة نغمية إيقاعية يمكن أن تتكرر في الكلام المنظوم بطريقة متصلة من حيث التساوي في الزمن الإيقاعي، أو منفصلة من حيث التفاوت في نفس الزمن.

ويمكن للتكوين الإيقاعي في الشعر العربي أن يقوم على مبادئ مختلفة من قبيل الوزن والنظام والتناسب، وغيرها من التشكيلات الصوتية التي تبرز القوة التعبيرية للنّاظم، كما تبرز القوة الفنية والتأثيرية للنص المنظوم، فيكون الإيقاع بمثابة ((انسجام الصورة مع الصوت الذي يُحدث في النفس اهتزازا وشعورا بالمتعة، هذا الانسجام تُحدثه العلاقة المتعدية بين الصوت والصورة، فالجذب من قِبَلِ النظر للصورة يقابله الوقع في السمع من قِبَل الكلمة، ونقطة التقاطع بينهما هي إحداث الأثر في النفس والإحساس بحركة الجمال التي يحدثها الإيقاع، فتَحدُثُ المتعة التي تمزجُ بين الصورة والسمع ويصيران كُلاً واحدا))2.

والعمري عبد الحميد شاعر مغربي المنشأ، حديث الميلاد، لكنه تميز بنضجه الأدبي المبكر، كما جعل من التراث العربي القديم نهجا له وسبيلا. فقد اختار النظم على منوال المدرسة التقليدية القديمة في كل دواوينه الشعرية، فتميزت لغة شعره بألفاظها المستقاة من المعجم القديم ومن البلاغة العربية بكل أساليبها وصورها الشعرية وكل ما تختزنه من دلالات ورموز تعبيرية تصويرية، تعكس تجربته الشعرية التي عبَّر فيها عن موضوعات حياتية مختلفة.

تحتاج تجربة العمري الشعرية إلى جهود كبيرة أكثر دقة وتأمل قصد الإحاطة ببعض من جوانبها، ولعل هذه الدراسة ستكشف عن بعض ما تميزت به أعماله الشعرية من أشكال أسلوبية كثيرة أبرزت الأوجه الجمالية والفنية التي تميزت بها جل قصائده الشعرية المنضوية تحت لواء ديوان شعري اختار له اسم “على نوافذ التيه” الصادر عن منشورات منتدى الأدب لمبدعي الجنوب، مطبعة الخليج العربي(2015م). حيث تضمن خمس عشرة قصيدة جمعت بين ما هو اجتماعي وإنساني وسياسي في قالب نظمي بديع تنوعت أغراضه الشعرية بين الوصف والرثاء، إيمانا منه بأن الشعر يظل ((ملازما للوعي الإنساني، فما دام هناك إنسان يعي، هناك شعر، وهذا الشعر هو نافذة الإنسان التي يحرص عليها بشوق ليتصل بالأبعاد الإنسانية الكونية غير المطالة))3.

تعد التكوينات الصوتية الإيقاعية من أهم الخصائص الأسلوبية التي تميز بها هذا الديوان الشعري، والتي تشكل تعاضدا نَغَمِيًّا يُبرز نسيج النص الشعري في علاقته بموضوعه على المستوى السطحي، وانسجام دلالاته على المستوى العميق، الشيء الذي يرتقي به إلى مستوى الجمالية الفنية وتحقق الشعرية، وتلك من الأسباب التي دفعتنا للاشتغال على الديوان في دراسة أحببنا أن يكون موضوعها موسوما ب: “مُختَارات صوتية في شعر العمري ديوان على نوافذ التيه أنموذجا” هذه الدراسة التي تأتي للإجابة عن الإشكالية التي مفادها إبراز بعض التكوينات الصوتية الأكثر هيمنة في شعر العمري، والكشف عن أبعادها الدلالية التي تسهم في جعل النص الشعري أكثر جمالية وتأثيرا في المتلقي من حيث بنائه الصوتي الإيقاعي الخارجي والداخلي.

وعلى هذا الأساس؛ فقد اخترنا أن يكون بناء هذه الدراسة-حسب ما فرضته طبيعة المدونة المختارة-مكونا من أربعة محاور أساسية يشكل كل محور منها تكوينا صوتيا خاصا، أما المحور الأول فسنتحدث فيه عن تمظهرات الوزن والقافية في ديوان “على نوافذ التيه” إلى جانب إبراز بعض أوجه التكامل الصوتي والدلالي بينهما. في حين يأتي المحور الثاني ليكشف عن ظاهرة التصريع في بعض قصائد الديوان، ويفضي المحور الثالث إلى الكشف عن ظاهرة الجناس في شعر العمري باعتبارها من أهم الظواهر الصوتية التي تحدث جرسا موسيقيا في الشعر بنوعيه قديمه، وحديثه، وبالطريقة نفسها يأتي المحور الرابع لإبراز تجليات أسلوب الطباق في المدونة الشعرية مع الإشارة إلى بعض أبعاده الدلالية وما يمكن أن يحدثه من تأثير كبير على المتلقي القارئ والسامع، شأنه في ذلك شأن باقي الظواهر الصوتية الأخرى.

 المحور الأول: التكوين الصوتي من خلال الوزن والقافية.

يقول ابن رشيق(ت463ه): ((الشعر يقوم بعد النية من أربعة أشياء هي اللفظ والوزن والمعنى والقافية))4 وفي علاقة الوزن بالقافية يقول متابعا كلامه: ((القافية شريكة الوزن في الاختصاص بالشعر، ولا يسمى شعرا حتى يكون له وزن وقافية))5 ومن هذا المنطلق يمكن القول؛ إن الوزن والقافية من أبرز التكوينات الصوتية في البناء الشعري، إذ إن اتفاق النقاد القدماء على الشعر((كلام موزون مقفى يدل على معنى))6 دال-هو الآخر-على ما يؤديه الوزن والقافية من وظائف جمالية وفنية وجرسية يتسنى للشاعر من خلالها أن يهيأ المتلقي ويجذبه إليه باستدعاء سمعه وذهنه، فللشعر الموزون ((إيقاع يطرب الفهم لصوابه وما يرد عليه من حسن تركيبه واعتدال أجزائه))7.

ونجد إذا ما عدنا إلى ديوان “على نوافذ التيه” أن الوزن الشعري قد مثَّل ركنا أساسيا في موسيقى قصائد الديوان حيث عبر الشاعر من خلاله عن انفعالاته النفسية بما يلائم الموضوعات التي تطرق لها في شعره، فكان الانفعال بذلك ((هو المبدأ النفسي للكلام الموزون، والانفعال إنما ينشأ عن عاطفة))8. هذا والمتأمل في المدونة الشعرية يجد أن الشاعر قد نهج في عروضه نهجا ترجع أصوله إلى هياكل البحور والأوزان الخليلية التي تتماشى والغرض الشعري لكل قصيدة من قصائد الديوان، والتي تمتاز بطابعها الخاص، إذ إن ((العروض الطويل تجد فيه أبدا بهاء وقوة، وتجد للبسيط سباطة وطلاوة، وتجد للكامل جزالة وحسن اطراد، وللخفيف جزالة ورشاقة، وللمتقارب سباطة وسهولة، وللمديد رقة ولينا مع رشاقة، وللرمل لينا وسهولة))9 وغير ذلك من الأوزان التي تؤدي دروا هاما في نقل الدلالات والمعاني الضمنية والنفسية وتُخلِّف آثارا عميقة على المتلقي السامع.

لقد نُظم ديوان “على نوافذ التيه” على منوال ثلاثة بحور شعرية تجمع بين المركب والصافي، فهناك البسيط والكامل والطويل، ويبقى توسل الشاعر بهذه البحور راجع إلى ما ((في هذه البحور من تواصل مع الذائقة العربية، إضافة إلى الصور العروضية المتنوعة التي تتخذها، استجابة في ذلك لمشاعر الشاعر المشحونة بالعواطف الملتهبة))10 .

وبالرجوع إلى المدونة-قيد الدراسة-نجد أن أول بحر شعري تصدر الديوان هو بحر البسيط التام المركب الذي أصل تفعيلاته حسب دائرته “مُسْتَفْعِلُنْ فَاعِلُنْ مُستَفعِلنْ فَاعِلُنْ” في صدر البيت الشعري ومثلها في عجزه، وقد قال فيه الفراهيدي(ت170ه) لما سئل عن تسميته: ((انبسط عن مدى الطويل وجاء وسطه فَعْلُنْ وآخره فَعْلُنْ))11. وقد شمل ست قصائد من مجموع قصائد الديوان 12. ومثال ذلك قول الشاعر في قصيدة له بعنوان “دِينُ السِّيَّاسَة” حيث يذم فيها نفاق السياسة: [من البسيط]

وَجْهُ السِّيَاسَـــــــــــــةِ فِـــــــــي عَينيَّ مُحْتَقـــــــــرُبَــــــادِي الدَّمَـــــــامـــــــةِ، عَــــــارٍ كلُّهُ عُجَــــــــرُ   13

 

نلاحظ أن الوحدات الصوتية أو التفعيلات الخاصة بالوزن الشعري في هذا البيت-وفي سائر أبيات القصيدة- قد لحقتها تغيرات على مستوى الصدر والعجز، إذ إن هناك زحاف الخبن الذي يقوم على حذف الساكن الثاني من أصل التفعيلة(فَاعِلُنْ=فَعِلُنْ) وقد لحق الحشو والعروض والضرب في كلا الشطرين من البيت الشعري، وهو زحاف مفرد لائم إيقاع القصيدة الشعرية وأظهر خفتها وحسنها الموسيقي.

ويحضر بحر الكامل التام-أيضا-وهو بحر صاف تحددت مقاييس تفعليلاته في ستة حسب دائرته وهي: “مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ مُتَفَاعِلُنْ” في الصدر ومثلها في العجز، وهو من ((بحور المرتبة الثانية من نسبة الشيوع في الأشعار العربية))14 وقد سمى بالكامل لكمال أجزائه و((لتكامل حركاته وجملتها ثلاثون حركة في شطريه، وليس في الشعر بحر له ثلاثون حركة غيره))15 وقد نظم الشاعر على منواله خمس قصائد من مجموع قصائد الديوان الشعري16. ومن أمثلة ذلك قوله في قصيدة له بعنوان “عَلى حَدِّ مَنْكب”: [من الكامل]

حَلَفَتْ هُمُومَك أن تُقيمَ فَتُنجببِفُؤادكَ الدَّنِــــفِ المُنَــــى لتعذِّبَا17

يتبين للناظر في الأجزاء الصوتية لبحر الكامل أنها وردت في البيت الشعري-أعلاه- كاملة بلا حذف أو نقص؛ فصار البيت الشعري-بكل مقاطعه-خاليا من كل الزحافات والعلل في صدره وعجزه، إذ لم يحذف من حركاته شيء سواء في الحشو أو العروض أو الضرب، وهو ما وافق الإيقاع الموسيقي الذي يكشف عن جانب نفسي أساسي جعل الشاعر ينظم هذه القصيدة، هذا الجانب الذي يكمن في افتخاره بذاته كونه عربي المنشأ والاقتداء، أو كما قال: ((ومن اكتسَى حُللَ العُروبة لم يجِد *** إلا طريقَ جدودِه لهُ مذهبَا))18.

هذا، وقد نظم الشاعر-أيضا-على منوال بحر الطويل التام بأصل تفعيلاته حسب دائرته، والتي تحدد في ثمانية وهي: “فَعُولُنْ مَفاعِيْلُنْ فَعُولُنْ مَفَاعِيْلُنْ” في صدر البيت الشعري ومثلها في عجزه، وذلك لأن بحر الطويل قد يسع من المعاني ما لا يسعه غيره من البحور الشعرية الأخرى، فقد ولع   شعراء العرب القدماء-وشاعرنا متبع لخطاهم-((بنسج جياد قصائدهم على بحر الطويل والكامل))19. أو كما قال الدكتور أنيس في موسيقى الشعر: ((ليس بين بحور الشعر ما يضارع البحر الطويل في نسبة شيوعه، فقد جاء ما يقرب مِنْ ثُلُثِ الشعر العربي القديم من هذا الوزن))20. وقد نظم الشاعر على منوال هذا البحر من مجموع قصائده الشعرية التي ضمنها ديوانه ما يعادل أربع قصائد21 ومن ذلك قوله في قصيدة عنوانها “عَلى نَوافِذ التِّيهِ”: [من الطويل]

وقُوفُكَ في نِصفِ الطَّريقِ عُدُولُودَاؤكَ منْ فرْضِ الدَّوَاءِ يطولُ22

واضح في الشاهد الشعري الذي سقناه أن تشكيلته العروضية لحقها تغيير على مستوى الوحدات المقطعية الصوتية، ففي حشو صدر البيت لحق تفعيلة(فعولن) زحاف القبض بحذف الخامس الساكن منها فصارت (فعولُ)، كما تعرض عروضه (مَفَاعِيلُنْ) لعلة نقص ألا وهي الحذف؛ حيث تم إسقاط السبب الخفيف من آخر الجزء فصارت(مَفَاعيْ)، وهو الشيء الذي جرى على حشو عجز البيت الشعري وضربه، وقد استحسن أهل العروض قبض(فَعُولُنْ) قبل الضرب المحذوف، فقالوا: ((إن قبضه قبل هذا الضرب أولى بسلامته.. ويسمى هذا الجزء اعتمادا، وإنما كان أولى لأنه أحلى في الذوق، ولئلا يلزم توافق الضرب مع الجزء الذي قبله وهو خلاف الأصل))23.

أما فيما يخص القافية؛ فإنها من التكوينات الصوتية التي لا تنفك عن الوزن في الشعر، ولا غنى لأحدهما عن الآخر-كما أسلفنا- فهي ((جزء إيقاعي متمم للوزن ومساهم في ضبط نهايات الأبيات))24. من حيث كونها تشكل ((عدة أصوات تتكرر في أواخر الأشطر أو الأبيات من القصيدة، وتكرارها هذا يكون جزءا هاما من الموسيقى الشعرية؛ فهي بمثابة الفواصل الموسيقية يتوقع السامع ترددها))25.

ونشير إلى أن القافية قد تحد من آخر حرف في البيت الشعري إلى أول حرف ساكن يليه مع الحرف المتحرك الذي قبله، كما يمكنها أن تأتي في جزء من كلمة أو كلمة تامة أو كلمتين اثنتين، وقد اشترط قدامة بن جعفر(ت337ه) أن تكون ((عذبة الحرف، سلسة المخرج وأن تقصد لتصيير مقطع المصراع الأول في البيت الأول من القصيدة مثل قافيتها))26. وهي شروط إيقاعية التزم بها العمري في ديوانه حيث أضفت على قصائده الشعرية جانبا من جوانب السمو النغمي والجمالي، فصارت القافية -في كل قصيدة من قصائد الديوان- تشكل تنظيما زمنيا صوتيا يمكن أن تتردد أصداؤه في ذهن المتلقي فتجذبه وتسترعي ذوقه وفكره.

والمتمعن في ديوان “على نوافذ التيه” يجد أن الشاعر وجد في القافية المطلقة التي رويها الشعري يأتي متحركا بإحدى الحركات الثلاث المعروفة، وجد فيها ضالته الموسيقية لأن هذا النوع من القافية ((أوضح في السمع وأشد أسرا للأذن، لأن الروي فيها يعتمد على حركة بعده قد تستطيل في الإنشاد وتشبه حينئذ حرف مد))27  . كما وجد فيها اتساعا زمنيا وإطلاقا صوتيا يعبر به عن موضوعات شعرية إنسانية واجتماعية خلفت في نفسيته أثرا عميقا فجعلها محور تجربته الشعرية.

ومن خلال ما قمنا به من جرد وإحصاء تبين أن الشاعر جمع بين أصناف مختلفة من القافية المطلقة باعتبار حروفها وعدد حركاتها، وتظهر-بداية-القافية المتواترة والتي عادة يأتي بين ساكنيها متحرك واحد، وقد شملت ست قصائد شعرية من الديوان28. ومن ذلك قول الشاعر في مطلع قصيدة عنوانها “وَيهَا حُماةُ الأدْبَار”: [من الطويل]

سَمــــــــــــاؤُكَ أرضٌ والتــــــــــــرابُ سمــاءُوسُقمــــكَ بُـــــــــــرءٌ واشتفــــاؤُكَ داءُ29

إن القافية في البيت الشعري السالف قد جاءت كلمة تامة وهي: (داء+و/0/0) وهي قافية مردوفة موصولة بمد وهو حرف(الواو) لتشكل بذلك دويا صوتيا وجماليا يتيح للمتلقي/ المستمع فسحة موسيقية يتجاوب فيها سمعه وذهنه مع النغم الترددي الذي قد ((يطرق الآذان في تناول زمني منتظم))30.

وهناك القافية المتراكبة التي يأتي بين ساكنيها ثلاث متحركات، وقد سمي هذا النوع متراكبا ((لأن الحركات لما توالت فيه رُكِّب بعضها فوق بعض))31. وقد شملت خمس قصائد شعرية من مجموع قصائد الديوان32 ومن أمثلة ذلك قول الشاعر في قصيدة له بعنوان “آنَ الجِهَادُ”: [من البسيط]

جُودي علَــيَّ بلَحْظٍ مِنكِ يُمْطِرُنِــــــــــــيشِعْراً، أبِينُ بِهِ مَا النَّصْرُ ألهَمَنِـــي33

والناظر في قافية البيت الشعري يلحظ أنها جاءت-هي الأخرى-كلمة تامة على الشكل الآتي: (ألهمني/0///0) وهي قافية موحدة مطلقة مردوفة، موصولة بمد وهو حرف(الياء)، وبذلك غدت موسيقى البيت الشعري-وباقي أبيات القصيدة-ذات مد إيقاعي توضحت معه معاني مضمونها وما امتازت به من سمو جمالي، كما أبرز هذا المد أيضا مقصد الشاعر، وعبر عن أحاسيسه تجاه الموضوع بما يوافق الغرض والبحر الشعريين.

هذا؛ وتحضر القافية المتداركة كصنف ثالث؛ وهي التي بين ساكنيها متحركان، وقد سميت كذلك لأن ((إحدى الحركتين قد أدركت أختها من غير عائق بين ساكني القافية))34. وقد شملت أربع قصائد من حيز الديوان الشعري35، ومن ذلك قول الشاعر في قصيدة عنوانها “أَشْرِق عَلَيَّ”: [من الطويل]

بِلُقيَـاكَ عَنِّـــــي الغَـــــمُّ ينْأَى ويعْـــــزُبُوَيطلُـــبُ وُدِّي كُـــــلُّ خيْرٍ ويَخْطُـــبُ36

والمتمعن في البيت الشعري يجد أن قافيته جاءت كلمة تامة وهي(يخطبُ+و /0//0) وهي قافية موحدة مطلقة، مجردة من الردف والتأسيس الذي يفصلها عن حرف الروي حرف آخر يسمى الدخيل، إلا أنها موصولة بمد وهو حرف(الواو)، وفي ذلك بعد فني موسيقي أبرز لنا المساحة الصوتية التي كشفت عن التوافق الحاصل بين الحركات، حيث نجد الشاعر قد انتقل من حركة إلى أخرى بعدها تماشيا ومقام البوح والانفعال، وتنوعا في النغم الصوتي وتطويلا للجرس الموسيقي.

ونشير إلى أن تحقق الصورة الإيقاعية الموسيقية مرتبط بتكاتف الوزن والقافية والروي، هذا الأخير الذي يشكل الصوت النغمي الموحد الذي تنتهي به جميع أبيات القصيدة الشعرية، وفي عملية الجرد والإحصاء التي قمنا بها تبين أن الشاعر-وعلى شاكلة شعراء العرب من مختلف الحقب الزمنية-جمع بين حروف ذائعة الاستعمال وأخرى أقل ذيوعا، حيث جعلها رويا شعريا لقصائده، فهناك النون، والهمزة والقاف والراء والباء والميم والعين والجيم واللام والدال. وهي حروف تمتاز بالبساطة والوضوح الصوتي والتناسب مع المقاصد التي وظفت لأجلها، فالنون والميم والهمزة-على سبيل المثال-أصوات لين قريبة إلى طبيعة الحركات ((ومن الممكن أن تعد حلقة وسطى بين الأصوات الساكنة، وأصوات اللين ففيها من الصفات الأولى أن مجرى الصوت معها تعترضه حوائل، ومنها أيضا من صفات أصوات اللين أنها لا يكاد يسمع لها أي نوع من الخفيف))37.

ومن شواهد حروف الروي التي اعتمدها الشاعر في قصائده؛ نورد على سبيل المثال-لا الحصر-حرف النون المتصلة بحرف مد(الياء) وقبلها حرف ردف وهو (الواو) الذي لم يفصلها عنه شيء، وقد وظف هذا الروي في قصيدتين شعريتين معنونتين على التوالي: (آنَ الجهادُ) و(دنَا النَّصْرُ يا مصر)38حيث يقول في مطلع هذه الأخيرة: [من البسيط]

غَاضَ القريضُ وصَارَ الركبُ من دُونِيفِـي موكبِ الشِّعْر أبْكي بَعدَهُم دُوني39

والنون من ((الصوامت المجهورة الأنفية أو الغنَّاء التي تتكون عندما يتوقف الهواء في الفم وقفا تاما))40. وقد أضيف إليها حرف المد تعبيرا عن حسرات الشاعر تجاه ما صارت إليه جمهورية مصر العربية، إذ إن لحروف المد عموما وظيفة تكمن في ((قوة إسماع عالية جدا تفوق قوة إسماع الصوامت بكثير(..) وهذا يعني أن أصوات المد على غاية من الأهمية اللغوية، فهي تقوم بتجميع الصوامت بعضها مع بعض لتأليف الكلام أولا، ثم تقوم بإعطائها قوة على الأسماع))41.

ومن أمثلة حروف الروي التي اعتمدها الشاعر في ديوان حرف الهمزة الذي وظفه في كل من قصيدة “ويهَا حُمَاة الأدْبَار” وقصيدة “خُذني إليْكَ”42 وفي مطلع هذه الأخيرة يقول متحسرا: [من الكامل]

طَرِبَ الوَرَى، واسْتَمْتَعُوا بِبُكَائِيوَغَدَا نَحِيبِـي عِنْدَهُمْ كَغِنَائِـي

وحسب اللغويين الجدد فالهمزة من الأصوات الصامتة الحنجرية الانفجارية لا هي بالمهموسة ولا هي بالمجهورة حسب وضع الأوتار الصوتية حال النطق بها، فهي تجمع بين مقام التفخيم ومقام الخفت؛ فالأول يتصف بقوة جذبه السامع والثاني يبعث على التأمل وإيقاظ المشاعر، وقد منح توظيف روي(الهمزة) المتصل بحرف مد (الياء) منح القصيدة قيمة موسيقية ضمن الوحدة الإيقاعية الزمنية، كما وفرت انتشارا واسعا للمعاني التي عبرت عن انفعالات الشاعر وانشغالاته النفسية تجاه الواقع الاجتماعي المزري الذي يعيش فيه.

ويحضر حرف الميم كروي شعري موحد لكل من قصيدة (دَعْني لِنفْسي) وقصيدة (سَيظلُّ ذِكركَ كَالأريج)43 وهي قصيدة ميمية رثائية تحمل معاني الحسرة والحزن وتعبر عن فداحة الفاجعة قالها الشاعر في رثائه لأبي همَّام عبد اللطيف عبد الحليم (ت1436ه) فيقول في مطلعها: [من البسيط]

نَبـــأٌ أتَــــــــى فَفَزِعْتُ كالتَّمْتَــــام ِألدُ الكَلامَ-أسَى- لِغَيْــر تَمَامِ

إن حرف الميم من الصوامت الأنفية الغَنَّاء التي تمتاز بالجهر وجعل الأوتار الصوتية في تذبذب حال النطق بها، فهو صوت طبيعي جاء ملائما للغرض الذي نظمت على منواله القصيدة، مناسبا للحالة الانفعالية التي مرت بها نفسية الشاعر جراء فقد شخص عزيز وما خلفه من حزن متأجج وعاطفة ملتهبة، هذا وقد خلف صوت الميم-كذلك-أثرا جرسيا على أذن السامع باعتبارها الحاسة ((التي تتلقى الصوت الناتج عن اهتزاز جسم ما بتأثير قوة ما، وتحوله من إشارات مادية الذبذبات في الهواء إلى إشارات عصبية تنتقل إلى الدماغ الذي يفسرها ويحولها إلى أفكار ومفاهيم في ذهن الإنسان))44.

ومن الحروف التي جعلت رويا لبعض قصائد الديوان الشعري قيد الدراسة، والتي نظمت على منوالها ثلاث قصائد شعرية45 من هذه الحروف؛ حرف الباء، الذي جعله الشاعر رويا شعريا لقصيدة نظمت على منوال غرض الرثاء-كذلك- بعنوان (من ورَّث العلمَ لاَ يَمُوت) حيث يرثي فيها الدكتور فريد الأنصاري(ت1430ه) فيقول الشاعر في مطلعها: [من البسيط]

نَرْثي فِراقكَ أم ْنَرْثي بِذاكَ أبَاوالعِلمَ والحِلْم والإِصْلاح والأدَبَا

إن حرف الباء من الأصوات الصامتة الشفوية الانفجارية المجهورة كما تعد من ((الحروف التي ترقق فتحتها أو ضمتها أو كسرتها عند النطق بها، وهي من حروف الإطباق))46. وينتج عن هذا الصوت تموجات إيقاعية تصاعدية بشكل متناسق تمنح النغم الصوتي طاقة تأثيرية على السمع، كما تمنح المبدع الشاعر قوة تعبيرية ملائمة للغرض الشعري الذي نظم على منواله.

هذا؛ وقد اتخذ الشاعر عددا من الحروف الأخرى رويا لباقي قصائد ديوانه الشعري “على نوافذ التيه” وهي ((حروف تجيء رويا بكثرة وإن اختلفت نسبة شيوعها في أشعار الشعراء))47، كما إن وظيفتها لا تقل مقاما في تأدية الغرض الصوتي وتحسينه وإبراز الذوق الموسيقي، والتعبير عن خلجات الشاعر وما يصوره في مضمون قصيدته، وعموما فهي تتوزع في باقي قصائد الديوان الشعري على الشكل الآتي:

الرويعنوان القصيدةالصفحةبعض دلالته
القافلحم على وضم36من الصوامت المستعلية، فهو انفجاري مجهور عن الأقدمين، مهموس شديد لدى المحدثين…
الراءدين السياسة41صامت مجهور، يعد من الأحرف السائلة، ولقب بالحرف المكرر، أي تكرار ضربات اللسان على اللثة تكرارا سريعا..
العينيا حادي المجد57صامت مجهور مفخم في نطقه، ويصنف من الأحرف المتوسطة المائعة، وهي من أقل الأصوات احتكاكا…
الجيمعلى صهوة المجد62صامت مجهور انفجاري، ويمتاز بكونه مركب بين الشدة والرخاوة…
اللامعلى نوافذ التيه73صامت مجهور من الأحرف السائلة وقد عرف بالمنحرف لأن اللسان ينحرف فيه مع الصوت…
الداليا راحلا في الصمت83صامت مجهور انفجاري شديد، مرقق الحركات في النطق..

 

 المحور الثاني: التكوين الصوتي من خلال ظاهرة التصريع

يعد التصريع عند نقاد الشعر العربي القديم في معناه العام ((ما كانت عروض البيت فيه تابعة لضربه، تنقص بنقصه، وتزيد بزيادته))48 حيث تكمن وظيفته الصوتية في جعل الألفاظ مترابطة مع بعضها البعض الشيء الذي يثير سمع المتلقي. هذا؛ وقد قسمه ابن أبي الإصبع(ت654ه) إلى قسمين، حيث قال: ((التصريع على ضربين: عروضي، وبديعي؛ فالعروضي عبارة عن استواء عروض البيت وضربه في الوزن والإعراب والتقفية، بشرط أن تكون العروض قد غيرت عن أصلها، لتلحق الضرب في زينته، والبديعي استواء آخر جزء في الصدر، وآخر جزء في العجز في الوزن والإعراب والتقفية))49.

وقد أظهر إحصاؤنا لهذا الضرب التكويني الصوتي هيمنة أسلوبية في الديوان إذ ورد في كل القصائد الشعرية، وذلك يعني أن هناك ((قصدا استعماليا بدافع الموهبة والخبرة في التركيز على الدال الصوتي المتكرر في تركيب البنية النصية، وجعلها ماثلة بإزاء الأدوات البنائية الأخرى، فضلا عن ذلك فإن هيمنة [مثل]هذه الأساليب يعني اشتمال الوظائف التي تؤديها بمختلف مستوياتها لإحداث الأثر الدلالي والجمالي))50.

ويعتبر حضور أسلوب التصريع البديعي في الشعر دليل على الزخم المعجمي والسعة في الفصاحة والاقتدار في البلاغة التي قد تميز بها الشاعر، ولعل من الأمثلة الشعرية الدالة على ذلك-وهي كثيرة- قوله في قصيدة “آنَ الجهَاد”: [من البسيط]

جُودي عَليَّ بلحْظٍ مِنكِ يُمطِرُنيشعرا، أبينُ بهِ مَا النَّصرُ ألْهَمَني51

توسل الشاعر في هذا البيت الشعري بنوع خاص من أنواع التصريع التي حددها ابن الأثير(ت637ه)، هذا النوع يسمى التصريع المعلق، وهو الذي ((يذكر فيه المصراع الأول، ويكون معلقا على صفة يأتي ذكرها في أول المصراع الثاني))52 فكلمة (شعرا) في عجز البيت أفصحت عما أراده الشاعر في صدره، ليشكل التصريع الحاصل بين لفظتي (يمطرني) و(ألهمني) إيقاعا حركيا وصوتيا يتماشى مع حالة الشاعر الطامح للتغيير والذي تعكسه أفعال الحركة التي توسل بها في البيت الشعري.

ويحضر هذا الأسلوب في قصيدة “لَحْم عَلى وَضَم” موضحا لنا جانبا من جوانب نَفَس مُستعملِ اللغة-أي الشاعر-وكيف صور لنا الأشياء والمعاناة الاجتماعية والنفسية التي أحاطت به، فكانت سببا في إنتاج النص الشعري، ومن شواهد ذلك يقول في مطلع القصيدة: [من البسيط]

أمَامي الدَّهرُ والأشواكُ والأفُقُوخَلْفي العِشقُ والآلامُ والأرَقُ 53

ففي هذا البيت الشعري يظهر أسلوب التصريع البديعي الذي ألحق من خلاله الشاعر عروض صدر البيت(الأفقُ) بضرب عجزه(الأرق) عن طريق واو العطف-وهو الارتباط الأكثر شيوعا في الشعر العربي-ليكون القاسم المشترك بينهما هو حرف(القاف) مما جعل مصرعي البيت في تشابه تام وزنا وإعرابا وتقفية، كما إنهما قد كملا بعضهما البعض من حيث تأكيد وتوضيح ما يواجه الشاعر من عراقيل وصعوبات حددها في ستة كما هو مبين في البيت الشعري أعلاه، هذا ناهيك عن قوة التأثير الصوتي الذي أحدثه انسجام المعاني التي عبر عنها الشاعر مع العروض والضرب على السواء.

ومن شواهد هذا الضرب البلاغي الصوتي-كذلك-قول الشاعر: [من البسيط]

شُدِّي الرحَالَ لنَا فــــي المجْد منتَجَعُعَالي المقَام عنِ الأضْغَانِ مُرتَفِعُ54

ففي الشاهد الشعري يظهر أسلوب التصريع البديعي بجلاء حيث استوى آخر جزء في صدر البيت الشعري(منتجعُ) مع آخر جزء في عجزه(مرتفعُ)، هذا الاستواء قد تجلى في الوزن والإعراب والحرف الأخير، مما جعل عروض وضرب البيت الشعري في انسجام صوتي تام يمكن للمتلقي/ السامع أن يتلمس فيه نغما مميزا، كما يمكن أن يستحضر فيه وظائف دلالية وجمالية مختلفة ملائمة للبنية الإيقاعية التي تمثل جوهر النص الأدبي الشعري.

عموما؛ فالاستعمال اللغوي القصدي لأسلوب التصريع البديعي من قبل الشاعر قد نتجت عنه أنساقا صوتية وإيقاعية استطاع من خلالها إثراء قصائده الشعرية-ككل-بدلالات مختلفة عبرت عن تحولات ومواقف كان لها أثر كبير على نفسيته، مما جعله يتوسل بهذا المكون الجرسي ويوظفه توظيفا خاصا وفق نسق أسلوبي محكوم قائم كسر التوقع في إيراد المعاني التي يمكنها أن تترك آثارا جمالية ودلالية تبقى راسخة في ذهن المتلقي.

 المحور الثالث: التكوين الصوتي من خلال ظاهرة الجناس.

        يعتبر أسلوب الجناس من التكوينات الصوتية ذات الطبيعة التكرارية التي تقوي النغم الموسيقي، فهو فن لفظي بديعي له تأثير بليغ يجذب المتلقي/ السامع ويحدث في نفسه ميلا إلى الاستماع والإنصات، بل التلذذ بنغمة الكلام العذبة وقبولها والتأثر بها، وفي ذلك يقول الجرجاني(ت471ه): “فإنك لا تستحسن تجانُس اللفظتين إلا إذا كان وقع معنييهما من العقل موقعا حميدا، ولم يكن مَرْمَى الجامع بينهما مَرْمًى بعيداً، أتَرَاكَ استضعفتَ تجنيس أبي تمام في قوله: من الكامل ذهبَت بمُذهبَهِ السماحَة فالْتَوت فيه الظّنون: أَمذهَبٌ أم مُذْهَبُ واستحسنتَ تجنيس القائل: (حتى نَجَا من خَوفِهِ وَمَا نَجا)”55.

ومن ثمة فالجناس تشابه لفظتين في الحروف واختلافهما في المعنى. وذلك بوجود صورتين متشابهتين على مستوى البناء اللفظي لكنهما يختلفان على مستوى الدلالات والمعاني، وقد ساقه الشاعر العمري في ديوانه الشعري عفو الخاطر حسب ما فرضه سياق القول بدون تكلف أو تصنع، حتى إن الناظر في قصائد الديوان الشعري يجد مجموعة من التقسيمات البديعية المرتبطة بهذا الفن، والتي تُغْني الدلالة وتقوي الجانب الصوتي الإيقاعي، مما يجعل التجاوب بين المبدع والمتلقي أكثر فاعلية؛

أبرزت لنا ظاهرة التجنيس في قصائد الديوان الشعري براعة الشاعر في استثمار أنواع بديعية منسجمة مع التكوينات الصوتية السالفة التي تجعل من النص الشعري بناء فنيا، كما تجعل المعاني منسجمة والألفاظ رنانة. لتتجلى قدرة الشاعر-من خلال هذا الضرب الأسلوبي الصوتي-في التلاعب بأذهان المتلقين والتأثير في نفوسهم ((فبينما هو يريك أنه سيعرض عليك معنى مكررا، أو لفظا مرددا لا تجني منه غير التطويل والانقباض والسآمة، إذ هو يروغ منك، فيجلو عليك معنى مستحدثا، يغاير ما سبقه كل المغايرة))56.

وتتجلى أبرز أشكال الجناس التي هيمنت على بعض قصائد الديوان الشعري، والتي عبر من خلالها الشاعر عن صدق تجربته الشعرية، تتجلى هذه الأشكال نجد؛ الجناس غير التام، ثم الجناس الاشتقاقي، أما عن الضرب البلاغي الأول فإنه يأتي إذا اختلفت كلمتان اثنتان في نوع الحروف وعددها وحركاتها وترتيبها، ليستنبط من هذه الشرط أنواع كثيرة من الأضرب البديعية من قبيل الجناس المذيل والجناس المحرف، والجناس اللاحق والمضارع ونحو ذلك..

أما فيما يخص الجناس المضارع-باعتبار كثرة توظيفه في قصائد الديوان-فهو في اصطلاح البلاغيين ((ما كان فيه الحرفان اللذان وقع فيهما الاختلاف متقاربين في المخرج، سواء كان في أول اللفظ(..) أو في الوسط(..) أو في الأخير..))57 شريطة ((ألا يقع الاختلاف بأكثر من حرف واحد))58 شأنه شأن باقي الشروط السالفة، ومن الأمثلة الشعرية التي يمكننا الاستشهاد بها في هذا السياق قول الشاعر على سبيل المثال: [من البسيط]

فَيَدفَعُ الحُلمُ عَنِّي الثَّوبُ مُجْتهدًاويَقْصِم الدَّهرُ ظَهْري ثُم يُغْرينِي59

وقوله-أيضا-في موضع آخر، وبالضبط في مطلع قصيدة “دعني لنفسي”: [من الكامل]

دُونَ العُلا ودُونَ الفَخَار مغَارمُكُثرٌ، ودُونَ المُخْزِيَاتِ مَغانمُ60

إذا تأملنا البيتين الشعرين نجدهما قد تضمنا ألفاظا متجانسة مع بعضها البعض؛ ففي عجز البيت الأول نلحظ تجانس كلمتي (الدهر) و(الظهر)في اللفظ لا في المعنى، إذ الدهر يعني الزمن في حين الظهر للإنسان أو الحيوان.. ومن ثمة فاللفظتان قد اختلفتا في ركن من أركان الوفاق الأربعة المتمثل أساسا في نوع الحروف، وهو ما تحقق أيضا في المثال الشعري الثاني بين كلمة(مغارم)الدالة على الدَّيْن، وكلمة(مغانم)التي تعني الغنيمة أي الفوز بالشيء بدون مشقة. وعموما فقد أحدث التجانس في الشاهدين الشعرين-على السواء-تكوينا موسيقيا وتوازنا صوتيا جعلهما أكثر عمقا وتأثيرا.

ويحضر-إلى جانب ما أوردناه-أسلوب الجناس المُحرَّف، وهو جناس غير تام يمكن أن تتفق ركناه أي ((لفظاه في عدد الحروف وترتيبها، واختلافها في الحركات فقط سواء كان من اسمين أو فعلين أو من اسم وفعل أو غير ذلك، فإن القصد اختلاف الحركات))61 ومن الشواهد الشعرية التي ضمنها الشاعر ديوانه قوله: [من البسيط]

جَهْمُ المُحَيَّا خَبيثُ النَّفْس لَيسَ بهِغيرُ الأكَاذِيبِ.. بِئْسَ الخُبْرُ والخَبَرُ 62 

وعلى غرار هذا الضرب البديعي الصوتي يقول الشاعر في مطلع قصيدة الرثاء التي عنوانها: “يَا رَاحِلا في الصَّمْت”: [من الكامل]

عَجِزَتْ عُيونَكَ فهِيَ لا تُهدِينُوراً تَسيرُ بهِ فَلاَ تهْديِ63

فالتجانس حاصل في المثال الشعري الأول بين(الخُبْرُ) أي التعرف على حقيقة الشيء و(الخَبَرُ) النبأ والجمع أخبار، كما هو حاصل-أيضا-في الشاهد الثاني بين كلمتي(تُهدي) من الهَدِيَّة و(تَهدي) من الهُدى والرَّشاد، فرغم حضور الجوار اللفظي من خلال اتفاق الكلمتين في نوع الحروف وعددها وترتيبها، إلا أن شرط الاختلاف حاصل في حركاتهما، وهو ما أحدث التجانس الصوتي الذي لم يتكلف فيه الشاعر ولم يرصف الكلمات من أجله، بل جاء بالفطرة وصفاء الطبع الذي تميز به في كل إبداعاته الأدبية.

لقد تحققت جمالية النص الشعري وبلاغته لدى الشاعر من خلال توسله بضرب أسلوبي بديعي آخر ألا وهو الجناس الاشتقاقي، وهو أسلوب صوتي لا يقل أهمية في العمليتين البنائية والتأثيرية على السواء، حيث نجده قد جانس بين عدة ألفاظ وأخرى، امتازت بتواشجها مع معانيها كما امتازت كلها بالسهولة والانقياد، إذ إن كل أقسام وأنواع الجناس في التكوين الصوتي سواءٌ؛ فهي ((لا تُسْتَحسن حتى يساعد اللفظ المعنى، ولا تُسْتَلَذ حتى تكون عذبة الإصرار والإيراد سهلة المقاد، ولا تبدع حتى يساوي مصنوعها مطبوعها مع مراعاة النظير))64.

يدل الجناس الاشتقاقي في معناه العام-عند أهل البلاغة- على ((توافق اللفظتين في الحروف الأصلية مع الترتيب والاتفاق في الأصل والمعنى))65 ويسمى عند بعض اللغويين الاشتقاق الصغير، وقد حفل ديوان “على نوافذ التيه” بأمثلة كثيرة تنسجم مع الأغراض الشعرية التي نظم على منوالها الشاعر، كما تنسجم أيضا مع انفعالاته النفسية المتباينة من قصيدة إلى أخرى، ولعل من الشواهد التي يمكن أن نسوقها في هذا الباب قول الشاعر: [من البسيط]

أصْغَيْتُ للنَّصرِ إذْ يَسْري وهَاتِفُهُ

أرْسَـــــــى الإِلُــــــــهُ لمُــــــرْسِي اليَومَ منزلــــةً

فِي كُلِّ نَادٍ يُنَادِي القَومَ، ليْسَ يَنِي66

ضَــــــجَّ العَدُوُّ لهَــــا في فَرحَةِ الوطَــــنِ

وظف الشاعر في البيتين الشعريين جناسا مشتقا حيث أخرج الأفعال من مصادرها، إذ نلحظ في عجز البيت الأول تجانس بين لطفتي (ناد) و(ينادي)، فالأولى مكان اجتماع القوم والثانية فعل مضارع،  وهذا النوع في البلاغة العربية يسمى بجناس الاشتقاق المغاير الذي قد تأتي فيه الكلمتان المتجانستان اسما وفعلا أو العكس، إذ إن اختلاف المعنى الظاهر بين اللفظتين منح البيت الشعري عمقا دلاليا، كما إن تشابه الحروف بينهما قد حقَّق وحدة صوتية وقفزة في الأداء التعبيري لدى الشاعر، وهو الأمر الحاصل في البيت الشعري الثاني بين كلمتي (أرسى) و(مرسي).

ومن شواهد الجناس الاشتقاقي-كذلك-ما أورده الشاعر في قصيدة رثى فيها الدكتور المهدي المنجرة (ت1435ه) حيث قال: [من الكامل]

صَادَتْ حَبَائِلُهَا الكِرَامَ ولَمْ تَزَلْتَحْتَالُ حَتَّى اصْطَادتِ المهْدِي 67

والناظر في البيت الشعري يجد أنه قد تضمن جناس اشتقاق مماثل بين لفظتي(صادت) و(اصطادت) فهما معا من أفعال الحركة ولهما نفس المعنى الدلالي، وفيهما يقول ابن منظور: ((صاد الصيد يصيده ويصاده صيدا إذا أخذه وتصيده واصطاده وصاده إياه. يقال: صدت فلانا صيدا إذا صدته له(..)والصيد: ما تصيد. وقوله تعالى: أحل لكم صيد البحر وطعامه))68. وبذلك فاللفظتان تعودان إلى جذر لغوي واحد(ص ي د) الشيء الذي أضفى على التعبير الشعري إيقاعا موسيقيا ودلالية في آن واحد انسجم مع سياق القول ومتطلبات غرض الرثاء الذي توسل به الشاعر في هذه القصيدة كي يعبر عن حسرته تجاه ما فقد.

يشكل الجناس عموما آلية أسلوبية بديعية تضفي على التعبير الأدبي عموما والشعري على وجه الخصوص ميزة جمالية وموسيقية، حيث يتركز على مجموعة من القواعد الصوتية والإيقاعية التي تكمن أساسا في قاعدة التكرار اللفظي الذي يسهم في توسيع أفاق اللغة التعبيرية، كما يسمح للشاعر بأن يسبغ على نصه/ديوانه الشعري طابعا شكليا ومضمونيا متفردا، بل وأبعادا دلالية وبلاغية معبرة ذات وظائف تنحو نحو البيان والتأكيد، كما تنحو صوب التخييل وإيهام الأفكار التي قد يستشعرها المتلقي وتُحدِث في نفسه ميلا كبيرا إلى الإصغاء والتأمل الفكري فيما هو معروض عليه كتابة أو سماعا.

المحور الرابع: التكوين الصوتي من خلال ظاهرة الطباق.

يعتبر أسلوب الطباق من المحسنات البديعية المعنوية التي تجمع بين الزخرفة البنائية والنغم الصوتي، ويقصد به عند جمهور البلاغيين ((الجمع بين الشيء وضده في الكلام، أي الجمع بين معنيين متقابلين))69. وفي ذلك يقول العسكري(ت395ه)-أيضا- لقد((أجمع الناس أنّ المطابقة في الكلام هي الجمع بين الشيء وضدّه في جزء من أجزاء الرّسالة أو الخطبة أو البيت من بيوت القصيدة؛ مثل الجمع بين البياض والسواد، والليل والنهار، والحرّ والبرد))70. ويمكن للطباق أن يكون تقابلا بين الاثنين والجمع، كما يمكن أن يكون طباق سلب أو طباق إيجاب قد يجمع بين اسمين أو فعلين أو حرفين في جملة واحدة، شرط تنافرهما من الناحية الدلالية.

لقد سعى الشاعر العمري من خلال ديوان “على نوافذ التيه” إلى تحقيق مبادئ كثيرة تتمثل أساسا في التوازن والتكرار والتقابل، ونحو ذلك مما ينسجم والأغراض، ويتماشى مع الأساليب اللغوية الصوتية التي تحقق الشعرية، ولعل الطباق/ التضاد من أهم الأسباب التي تسهم في تحقيق ذلك، ((فهو يخلق تناقضا بين طرفين أو صورتين، إذ هو أحد تجسيدات الفجوة))71. ومن ثمة فالناظر في قصائد الديوان يجد أن هذا الضرب اللغوي قد تصدر باقي الأضرُب الأخرى؛ إذ إن معظم القصائد الشعرية حافل بثنائيات متضادة هيمن فيها طباق الإيجاب الذي يجمع بين اللفظ وضده في الكلام (فعل وفعل) أو (اسم واسم) ومن شواهد ذلك-على سبيل المثال لا الحصر-قول الشاعر في أول قصيدة من الديوان: [من البسيط]

تِيهي بمجدكِ مصرُ اليومَ واحْتفِلِييَحْيى الإِباءُ وتَفْنَى سُلطَة الوثَنِ 72

إذا تأملنا البيت الشعري الذي موضوعه الحماسة؛ نجد أن عَجُزه قد اشتمل على لفظتين متضادتين في المعنى، فبين كلمتي(يحيى) و(تفنى) طباق إيجاب بين فعل وفعل، وهو ما يظهر في مواضع أخرى من هذه القصيدة مثل(ولى وجاء) ومن مجموع قصائد الديوان الشعري، إذ إن استعمال مثل هذه الألفاظ المتضادة المعنى في عبارة واحدة أو شطر بيت شعري يضفي على القصيدة بأكملها شيئا من التزيين والزخرفة على مستوى المعنى والمبنى، كما يجعل المتلقي/المستمع يعيش لحظة تأمل في الصورة التي رسمها الشاعر والتي قد تعبر عن الجدلية التي يعيشها الإنسان في كل حين، كما يمكنها أن تعبر عن علاقته النفسية والانفعالية بالموضوع المشار إليه في القصيدة ككل.

وليس بعيد عن هذا الاستعمال؛ تحضر شواهد شعرية بشكل واسع وظف فيها الشاعر هذا التكوين الصوتي المبني على التضاد مختزلا من خلاله دلالات مختلفة؛ اجتماعية منها وانسانية ونفسية جمعت بين حالتين متناقضتين من قبيل (الهجر والوصل) في قوله: [من البسيط]

في كُلِّ يومٍ إذَا مَا الوَصْلُ صَادَفَنِيألْقى إليَّ بثوبِ الهَجْرِ يَكْسُوني73

نلحظ في هذا البيت الشعري تضادا من نوع آخر ورد بشكل سلس مع الدلالات التي يحملها البيت ومع الموسيقى الصوتية التي تطبعه، فقد جمع فيه الشاعر بين اسمين متنافرين هما: (الوصل) و(الهجر) ليبرز الموسيقى الداخلية للنص الشعري أولا، وثانيا ليُقرِّب المتلقي من حالته النفسية وبعض مظاهر معاناته من الهجر الذي يرجو زواله، لأن بهذا الزوال سينأى عنه الغم واليأس ويحل محله الفرح والسرور كما قال في مضمون قصيدته الشعرية المعنونة ب (أشرق عَلَيَّ).

ويجد الناظر في قصائد الديوان-قيد الدراسة- أن الاستعمال الأسلوبي لأسلوب التضاد قد حصل-وفي عدد ليس بقليل من القصائد الشعرية-بين لفظتين متضادتين مختلفين من حيث النوع؛ فهناك التضاد بين الاسم والفعل أو بين الفعل والاسم نحو قول الشاعر: [من الطويل]

ظَلِلْتُ أسَوِّي ما تأَوَّدَ جَاهِداًوهَلْ يسْتَوي ظلٌّ والعُودُ أعْوَجُ74

ففي هذا البت الشعري تضاد حاصل بين لفظتي (يستوي) و(أعوج) حيث صور الشاعر من خلالهما مشهدا يجسد الصعوبات التي قد تواجه كلّ مُصلح. كما عبر من خلال هذا البيت-وأبيات أخرى من القصيدة-عن علاقته مع من اختاروا البعد عنه من أولئك الذين صيَّرهم اختلافه معهم أعداء على حد تعبيره. لتكون ثنائيات الطباق حاملة لدلالات لفظية ومعنوية تلائم غايات ومقاصد الشاعر.

ويمكن أن نلاحظ في الجدول الآتي توزيع أسلوب الطباق الذي حفل به الديوان الشعري قاطبة من أول قصيدة إلى آخر قصيدة، حيث أجاد الشاعر في استخدامه -كما أسلفنا-بالشكل الذي يناسب موضوعات تجربته الشعرية والأغراض التي نظم على منوالها قصائده.

أسلوب التضاد في القصيدةالصفحةأسلوب التضاد في القصيدةالصفحة
القصيدة(1):

تحي/ تفنى- ولى/ جاء- الخير/ الشر- السهل /الحَزَن

الظلام/ الانبلاج- السر/العلن

19-21القصيدة2:

السماء/الأرض-السقم/ البرء- الاستشفاء/الداء- الزيغ/ الهدى – العي/الفصاحة- الأمام/ الوراء- الردى/ العيش- مظلم/ مضاء- الآثام/ البراء- الحرة/ السباء

23-24-25-26-27
القصيدة3:

الأرض/ السماء- الغدر/ العهد

تحريك/ تسكين- العز/ الهون

29-30-32-34القصيدة4:

أمامي/ خلفي- باكية/ مبتسم- العزل/ الذل

36-38-40
القصيدة5:

الصدق/ الكذب- ضل/ رشد

يبدو/ يستتر

41- 44القصيدة6:

مظلوم/ مذنب- النقص/ الرُّبا

45-46
القصيدة7:

حياة/ موتة – السرَّاء/ البلاء

50-52القصيدة 8: يُرجعُ/ يسلب- الصدق/ تكذب- شرق/ مغرب الاملاق/ الغنى- أدنو / تعزب- أجيء/ أذهب54-55-56
القصيدة 9: عمي/ مبصرون60القصيدة10: البين/ الوصل- يستوي/ أعوج- أدنى/ أعلى62-63-64
القصيدة11:

النحيب/ الغناء- يبصر/ أعمى- السعادة/ الشقاء-أحي/ موتة-الفضيلة/ النقيصة-الهجين/ الخُلَّص

67-68-69-70القصيدة12:

داؤك/ الدواء-الظهور/أُفُول- صفوه/ذبول- مدخل/مخرج-أمامك/ خلفك- المجد/ الذل- عيشك/ موتات- يموت/ يحيا- الموت/ محيا- يكتب/ يمحو

73-74-76-77-78
القصيدة13:

عش/ موت-جئتنا/ ارتحلت

80-81القصيدة14:

الموت/ الحياة-القرب/البعد

84-88
القصيدة15: يقظة/ منام- تحرر/ تقيدوا- الحر/ القيد- موتُ/حيَتْ- تغدو/تروح- ابتداء/ختام93-94-95

وعلى العموم يمكننا التأكيد على الدور الهام الذي يؤديه أسلوب الطباق، فهو يزيد الإيقاع الداخلي للشعر جرسا نَغَمِيًّا وانسجاما صوتيا، كما يمنحنه طلاوة وعذوبة ذوقية تُظهر جماليته الفنية وتجذب إليها المتلقي/ السامع، هذا فضلا عن كون هذا الأسلوب قد يزيد من توضيح المعاني وتعميقها “إذ بضدها تعرف الأشياء” من جهة، ويظهر-من جهة ثانية-مدى تمكن الشاعر المبدع من براعة النظم وتميزه بقدرات لغوية يمكنها التعبير عن الأفكار والأحاسيس ورسم الصور بطريقة نظمية محكمة البناء تلائم الأغراض الشعرية والانفعالات النفسية، كما تزيد الشعر إمتاعا لفظيا ومعنويا.

 خاتمة

في نهاية هذه الدراسة المقتضبة نخلص إلى أن الشاعر عبد الحميد العمري قد سلك في ديوانه الشعري “على نوافذ التيه” سبيلا فريدا من حيث الصياغة والتصوير، فقد انحاز إلى التراث العربي انحيازا مقصودا؛ فكان أول مسلك ظاهر نظمه لقصائد ديوانه على منوال الأقدمين؛ كما جعل إيقاعها الخارجي موحدا وزنا وتقفية ورويا، لأنه على دراية تامة بما يثيره مثل هذا الاختيار من تأثير في النفوس والأذهان، كما إنه على دراية تامة-كذلك-بعلاقة الانسجام الجامعة بين الشعر الموزون والإيقاع؛ إذ لا يمكن للتأثير أن يكون إلا بهما، فهما يملكان طاقات جمالية وقدرات فائقة على التعبير، قد استثمرها الشاعر-كغيره من شعراء الجيل القديم-في بلوغ غايته وإبلاغ مقصده للمتلقي من خلال ما تميز به من سعة المادة المعرفية الخاصة بالثقافة العربية القديمة، إذ إن للثقافة كما هو معلوم ((دور في تفتيق المعاني، فالمثقف يعتني بمعانيه، فيعمل لذلك على انتقاء ألفاظه، واختيار تراكيبه وتعابيره))75.

والمستَنتَجُ أيضا من خلال هذه الدراسة؛ هو كون الديوان الشعري قد حُفَّ بأساليب البديع التي لم يَسُقها الشاعر ترفا في شعره، بل جعلها مكونا تعبيريا صوتيا لا يقل شأنا عن باقي مكونات البلاغة التي تنسجم مع تجربته الشعرية التي تظهر وتؤكد اعتزازه بالعربية والأدب قاطبة، ليكون أسلوب البديع بذلك تكوينا صوتيا هاما حفلت به معظم قصائد الديوان فصار متصلا بصياغتها الإيقاعية والفنية، كما صار مناسبا لبناء أجزائها التي تضمنت أبعادا دلالية تواشج فيها ما هو موسيقي بما هو جمالي، فكان اختياره لبعض التكوينات البديعية ذات الجرس الموسيقي غاية ووسيلة في الآن نفسه، فالتصريع والجناس والطباق من الظواهر الصوتية التي يمكنها أن تقوم في عمومها ((على تناسب بين طرفين أو أكثر في النص، وهي تحقق هذا التناسب بوصفه مقياسا جماليا له أهمية في التأثير الإيجابي في المتلقي وكسب تفاعله وإعجابه، ولهذا ارتبطت تلك المحسنات البديعية عند أكثر البلاغيين بما أسموه بالمناسبة والملاءمة والترابط والتلاحم وغير ذلك))76 .

وليس هذا فقط؛ بل هناك من الظواهر اللغوية الأخرى التي حفل بها ديوان “على نوافذ التيه” الكثير والتي تحتاج منَّا إلى وقفات متأنية ودراسات تأملية مستفيضة تُقدِّر هذا العمل حقَّ قدره، فليس هناك من شك-من باب الإنصاف-في أن مثل هذا العمل الإبداعي الأدبي من شأنه أن يعبر عن غايات اجتماعية وإنسانية ونفسية أيضا، فقد تعجَّب الشاعر في تجربته الشعرية هاته واستفهم(..) وقدَّم وأخَّر(..)واستعار وشبَّه(..)بالشكل الذي يلائم الأغراض الشعرية التي نظم على منوالها، فصار الديوان-في مجمله-لوحة مصورة تزخر بالعديد من البنى الأسلوبية والجمالية التي جعلت الشاعر يضرب بسهم وافر في صناعة الأدب عامة والشعر خاصة.


هوامش الدراسة

  1. 1. مفهوم الشعر. ص. 247.
  2. 2. البنية الإيقاعية للقصيدة المعاصرة في الجزائر. ص94.
  3. 3. دراسات نقدية في الأدب الحديث. ص65.
  4. 4. العمدة. ص 119.
  5. 5. نفسه. ص151.
  6. 6. نقد الشعر. ص15.
  7. 7. عيار الشعر. ص.04.
  8. 8. مسائل فلسفة الفن المعاصر. ص211.
  9. 9. منهاج البلغاء وسراج الأدباء. ص269.
  10. 10. جمالية التشكيل الموسيقي في شعر عبد الله العيشي. ص398.
  11. 11. العمدة. ص136.
  12. 12. انظر: ديوان على نوافذ التيه. ص. 18/29/36/57/80.
  13. 13. نفسه. ص41.
  14. 14. موسيقى الشعر. ص61
  15. 15. العروض والقافية بين التراث والتجديد. ص129.
  16. 16. انظر: ديوان على نوافذ التيه. ص. 50/67/83/90.
  17. 17. نفسه. ص.45
  18. 18. نفسه. ص47.
  19. 19. القصيدة الأندلسية خلال القرن الثامن الهجري. ص65.
  20. 20. موسيقى الشعر. ص 57.
  21. 21. انظر: ديوان نوافذ التيه. ص. 23/ 54/62
  22. 22. نفسه. ص73
  23. 23. انظر: العروض والقافية. ص82.
  24. 24. الإيقاع في الشعر العربي. ص71.
  25. 25. موسيقى الشعر. ص246.
  26. 26. نقد الشعر. ص14.
  27. 27. موسيقى الشعر. ص281.
  28. 28. انظر: ديوان على نوافذ التيه. ص. 29/67/73/83/90.
  29. 29. نفسه، ص23.
  30. 30. موسيقى الشعر. ص26.
  31. 31. العروض والقافية ص303.
  32. 32. انظر: ديوان على نوافذ التيه. ص. 36/41/57/80.
  33. 33. نفسه، ص18.
  34. 34. العروض والقافية، ص303.
  35. 35. انظر: ديوان على نوافذ التيه. ص.45/50/62.
  36. 36. نفسه. ص54.
  37. 37. الأصوات اللغوية. ص28-29.
  38. 38. انظر: الديوان. ص18/29.
  39. 39. نفسه. ص29.
  40. 40. انظر: علم الألسنية الحديث. ص70-71.
  41. 41. في الأصوات اللغوية. ص45.
  42. 42. انظر: الديوان. ص23/ 67.
  43. 43. نفسه. ص 50/90.
  44. 44. أسرار الحروف. ص.58.
  45. 45. انظر: الديوان. ص45/54/80.
  46. 46. استخدامات الحروف العربية. ص26.
  47. 47. موسيقى الشعر العربي. ص246.
  48. 48. العمدة في محاسن الشعر وآدابه. ص173.
  49. 49. تحرير التحبير. ص205.
  50. 50. أساليب البديع في نهج البلاغة. ص46
  51. 51. الديوان. ص18.
  52. 52. المثل السائر. ص341.
  53. 53. الديوان. ص36
  54. 54. نفسه. ص57
  55. 55. أسرار البلاغة. ص8.
  56. 56. فن الجناس. ص29.
  57. 57. علم البديع. ص205.
  58. 58. نفسه. ص205.
  59. 59. الديوان، ص30.
  60. 60. نفسه. ص50.
  61. 61. علم البديع. ص208
  62. 62. الديوان. ص41
  63. 63. نفسه. ص83
  64. 64. علم الأدب في الإنشاء والعروض. ص203.
  65. 65. الحطيئة والتفكير. ص321.
  66. 66. الديوان. ص19.
  67. 67. نفسه. ص84
  68. 68. لسان العرب. ص261.
  69. 69. فنون بلاغية.ص.270.
  70. 70. الصناعتين. ص307.
  71. 71. في الشعرية. ص120.
  72. 72. الديوان. ص19
  73. 73. نفسه. ص30.
  74. 74. نفسه. ص63.
  75. 75. عناصر تحقيق الدلالة في العربية. ص180.
  76. 76. عناصر الوظيفة الجمالية في البلاغة العربية. ص188-189.

 المصادر والمراجع المعتمدة في الدراسة

– ابن أبي الأصبع المصري. تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر وبيان إعجاز القرآن. تحقيق حنفي شرف. ج2. لجنة إحياء التراث الإسلامي. القاهرة. 1963م.

– ابن رشيق القيرواني. العمدة في محاسن الشعر وآدابه. تحقيق محي الدين عبد الحميد. ج1. دار الجيل. ط5. 1401ه/ 1981م.

– ابن طباطبا، أبو الحسن. عيار الشعر. تحقيق طه الحاجري ومحمد زغلول. المكتبة التجارية. القاهرة. 1956م.

– ابن منظور، محمد أبو الفضل. لسان العرب. مادة (ص ي د). ج3. دار صادر. بيروت. ط3. 1414ه.

-أبو الفرج قدامة، بن جعفر. نقد الشعر. تحقيق كمال مصطفى. مكتبة الخانجي. مصر. (دط). 1963م.

– أبو ذيب، كمال. في الشعرية. مؤسسة الأبحاث العربية. بيروت. ط1. 1987م.

– أنيس، إبراهيم. الأصوات اللغوية. مكتبة الأنجلو المصرية. ط5. 1975م.

– أنيس، إبراهيم. موسيقى الشعر. مكتبة الأنجلو المصرية. ط2. 1952م.

– بودوخة، مسعود. عناصر الوظيفة الجمالية في البلاغة العربية. عالم الكتب الحديث. إربد. الأردن. ط1. 2011م.

– تيبرماسين، عبد الرحمان. البنية الإيقاعية للقصيدة المعاصرة في الجزائر. دار الفجر للنشر والتوزيع. القاهرة. ط1. 2003م.

– الجرجاني، عبد القاهر. أسرار البلاغة. تحقيق محمود شاكر. مطبعة المدني. القاهرة. (د ط)/(دت).

– الجندي، علي. فن الجناس. دار الفكر العربي، دار الفكر العربي، القاهرة، 1904م.

– جان ماري، جويو. مسائل فلسفة الفن المعاصر. ترجمة سامي الدروبي. دار اليقظة العربية. ط2. 1965م.

– جرجس، جرجس. علم الألسنية الحديث الاتجاهات والمبادئ والفروع. الجامعة اللبنانية. بيروت. ط1. 2001م.

– الحميداوي، خالد. أساليب البديع في نهج البلاغة دراسة في الوظائف الدلالية والجمالية (أطروحة دكتوراه). كلية الآداب. جامعة الكوفة. العراق. 1432ه/2011م.

– زرقة، أحمد. أسرار الحروف. دار الحصاد للنشر والتوزيع. ط1. 1993م.

– السيد جاسم، عزيز. دراسات نقدية في الأدب الحديث. الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة. 1995م.

– السيوعي. لويس شيخو. علم الأدب في الإنشاء والعروض. ج1. مطبعة اليسوعيين. بيروت. ط2. 1897م.

– صابر، عبد الدايم. موسيقى الشعر العربي بين الثبات والتطور. مكتبة الخانجي. مصر. ط3. 1993م.

– صائل رشدي، شديد. عناصر تحقيق الدلالة في العربية دراسة لسانية. الأهلية للنشر والتوزيع. عمان. الأردن. ط1. 2004م.

– صباحي، حميدة. جمالية التشكيل الموسيقي في شعر عبد الله العيشي.، مجلة المخبر. ع10. 2014م.

– ضياء الدين، ابن الأثير. المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر. تحقيق أحمد الحوفي وبدوي طبانة. ج1. دار نهضة مصر للطباعة. القاهرة. (دط)/(دت).

– عتيق، عبد العزيز. علم البديع. دار النهضة العربية. بيروت. 1405ه/1985م.

– عصفور، جابر. مفهوم الشعر. مطبوعات فرح. قبرص. ط4. 1990م.

– العسكري، أبو هلال.  الصناعتين. تحقيق علي البجاوي وأبو الفضل إبراهيم. المكتبة العنصرية. بيروت. 1419ه.

– الغدامي، عبد الله. الحطيئة والتفكير من البنيوية إلى التشريحية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط4، 1997م.

– فاضل المطلبي، غالب. في الأصوات اللغوية دراسة في أصوات المد العربية. دائرة الشؤون الثقافية والنشر. العراق. 1984م.

– فياض، سليمان. استخدامات الحروف العربية، معجميا، صوتيا صرفيا، نحويا، كتابيا، دار المريخ للنشر. الرياض. 1418ه/1998م.

– القرطاجني، أبو الحسن حازم. منهاج البلغاء وسراج الأدباء. تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة. دار الغرب الإسلامي. بيروت. لبنان. ط2. 1981م.

– مأمون، عبد الحليم. العروض والقافية بين التراث والتجديد. مؤسسة المختار للنشر. القاهرة. ط1. 1428ه/2007م.

– مطلوب، أحمد فنون بلاغية. البيان والبديع. دار البحوث العلمية. الكويت،1975م.

– الوجي، عبد الرحمان. الإيقاع في الشعر العربي. دار الحصاد للنشر والتوزيع. دمشق. ط1. 1989م.

– الهرامة، عبد الحميد. القصيدة الأندلسية خلال القرن الثامن الهجري. ج2. كلية الدعوة الإسلامية. ط1. 1996م.

[1]* أستاذ اللغة العربية سلك الثانوي التأهيلي، باحث في سلك الدكتوراه اللسانيات وتحليل الخطاب؛ جامعة القاضي عياض-مراكش، المغرب، رقم الهاتف:0707198562  البريد الالكتروني: ettahiry.brahim@gmail.com

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.