منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

على الجانبان..

على الجانبان..خاطرة لصفاء طريباق

0

على الجانبان..

خاطرة لصفاء طريباق 

.. كان هو.. وكانت هي..
.. كان خارج الباب الكبير جدا متكئا عليه.. محمدي الروح..ياسيني الخصال..وكان ينشد بصوت يسلب الألباب..شيء يطرب له القلب وينتشي.. لم تذق طعما من قبل ألذ وأحلى منه.. تساءلت هل هذا طعم القرب..النظرة.. الجنة.. المحبة..يكاد القلب ينتزع انتزاعا..كان يتغنى بمحبوبه ومحبوبها.. لقد علمَت ذلك..
أما هي فكانت بالباب أيضا من الجهة الداخلية.. تنصت لهذا المزمار العجيب..جذبتها الكلمات التي تناجي..وعمق الصوت الذي ساقها سوقا كي تطل على الشادي الفريد..جالسا مكانه كالحارس لا يغفل.. لا يزيغ أو ينظر..يدرك موقعه ومهمته فلا يتجاوزها.. نَظَرَتْ.. فهامت حين أدركت أنها قد سُلبت منها الارادة في لحظة تشوف.. في تلك اللحظة بالذات طلبت الهواء لتتنفسه ولم تجده..آه كم هو صعب.. كل النوافذ التي كانت مشرعة لم تكفها لأخذ رمق..تضع يدها على عنقها تود ازالة ذلك الحاجز المانع ولكنه لم يكن ملموسا.. أخذت تحتضر ببطء.. لكنها لم تفقد اليقين..اليقين.. المعنى الوحيد الذي عاشت تضمه بصدق.. هكذا شعَرَت حينها..
هواء..نفَس..لقد نسيت ذاك الذي جعلها تذهل عن محبوبها الأول بالتفاتة مريرة.. الالتفاتة ذبحة..صارت تطلب حياة جديدة..تركض مسابقة الوقت.. وهل يجدي الركض.
.. ما أصعب الموت على هذه الحال.. هكذا كانت تصرخ روحها.. لكنها لم تكن تستطيع النطق.. شهقات تسمح بنزر شحيح جدا من الهواء أن يتسلل.. فيزيدها عذابا.. إنها معالجة اللحظات الأخيرة.. لم تكن خائفة.. بل مصدومة.. كأن مخدرا أبطل إحساسها بالزمان والمكان والألم.. طافت بالبيت الواسع.. اقتربت من جل الشرفات.. انتقلت من شرفة إلى أخرى تطلب فرصة جديدة..وكان ذلك الحادي لا يلقي بالا وكانت أيضا لا تلومه..
بدأت تتراءى لها المقبرة بذاك العدد الكبير من القبور وكأنها كانت تمشي بينها.. كمن يمشي وسط أهله..
..تلك الصغيرة.. كانت تحب بقلب طفل بريء جدا..تتعلق بسرعة..تنتقل بسرعة..في تلك اللحظات فهمت كل شيء.. ورأت كل شيء.. وطلبت العودة من جديد.. فكان أن فتحت عينيها.. ليكون أول ما تفعله نفس عميق ممتزج بدعاء.. “الحمد لله الذي رد علي روحي وأذن لي بذكره”..”الحمد لله الذي أحياني بعدما أماتني وإليه النشور”..

..لا زالت الحكاية مستمرة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.