منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

على متن القطار: إياك والنافذة بُني

على متن القطار: إياك والنافذة بُني / عبد العالي نقري

0

على متن القطار: إياك والنافذة بُني

عبد العالي نقري

 

على متن القطار رمقتْ مقلتاي عصفورا أبيض اللون، مُزَركشا بيد القدرة، لون أزرق وآخر أحمر فأخضر على مستوى العنق والجناحان، كأنما اجتمعت فيه كل الألوان الدنيوية الظاهرة لنا منذ الطفولة، طائر رائع جدا، سبحان الخلاق.

هفت الروح إليه لجماله، كأننا نتشارك شيئا ما، بل بالفعل نتشارك المنبع والأصل.

وفي خِلسة من الزمان وخُفْية من أركان المكان ومن بتلك الأركان ،مددت يدي لكي أمسكه..ألمسه..ألتصق به فأحس بالحياة تنساب إلى يدي وكياني من خلال ريشه وجماله…

المزيد من المشاركات
1 من 43

حال بيني وبينه زجاج النافذة السميك رغم شفافيته الصافية،هذا الزجاج الذي كاد ينكسر، بل كاد يَكسر يدي، التي ذهبت إلى العصفور مرتاحة..مشتهية..مطواعة..طامعة، لكنها عادت خائبة المطمح والمطمع، بها ألم شديد بسبب قوة الاصطدام بزجاج النافذة الشفاف.

حصل كل هذا في رِمش طَرف معدود من زمن الروح والفكر، والقطار ماض،  لم يتوقف حين أخذتني العزة  والاعتزاز بشخصي  فلم أنتبه لمن هم حولي كي أستشيرهم في الأمر، وأخبرهم بفعل الطائر الفتان في قلبي وعقلي، ولقد ركبوا قبلي فخبروا أركان القطار وزواياه وخفاياه، هم أعلم بالوجهة والمسار، والطريق يحتاج إلى دالّ ودليل،  كانت فترة الطائر كما نفسي يمنياني آمِلا أمَلاً خادعا أن أمسكه فأجعله كلما لي بين يدي، أوعلى الأقل ألامسه وأفتح به القصور، ويصبح لي به عند القوم حضوة وحضور، وآتي لأحكي بطولة سَطوي وسَطوتي في القطار لكل الناس آباء وأحفاد…لكنه هو من كان يملكني بعد أن تملكني وغواني…

وبعد ركوبي شهوت طائر نفسي للتملك، صرت  وحيدا فيما أعانيه من ألم اليد الكليلة بدءا بالأظافر ثم اليد فالمعصم، وقد تمتد بعدها إلى كتفي وعنقي فالظهر، مما يصعب معه وضوئي فصلاتي وصِلاتي ويذهب بكل راحتي…يا ليتني لم أنظر للنافذة وأفتن بجمال الطائر الفنان الخداع.

آه من تلك الأعين التي كانت ترمقني…كان في صمتها ضجيج عظيم من الكلام والكلم وأحاديث النصح واللوم والمحبة والعتاب…وكأنها تقول صامتة:

يا ليتك بُنيَّ سألتنا..استشرتنا..رمقتنا بإشارة لنَفهم وتَغنم…فكم بُنيّ مرّ من مقعدك من مغلوب طامع غرر به الطائر الملعون ففضل ما في النافذة على الحضور، فما استيقض إلا على وقع الكسر والتكسير والكسور فالقصور .

إذا لم يقدر بعدها على حمل حقائب سفره، فنزل في أقرب محطة لخجله وشدة ألمه وسطوة طبعه وغلبة سلطان نفسه الظالم…

لماذا نزلوا؟ يا ليتهم رغم الألم أكملو الطريق معنا، يا ليتك بني نظرت إلى صحابك بالجنب دون نظرك للنافذة ومن بالنافذة، النافذة امتحانك. فِتنتك بُني، وقد رسبت في الإمتحان وفُتنت، والقطار ماض ماض بك أو بدونك وبنا أو بدوننا، هو يعرف طريق سكته جيدا.

لا تنزل واركب معنا من جديد..جدد النية..فرحمة الله أدق من كل منطق وأوسع من كل الفهوم…إياك والنظر من جديد للنافذة بني، انظر إلينا حتى تصل، فالوصل والوصال والوصول بنا ومعنا.

لا تَلُمنا بني… وإن غادرت القطار رَاغبا أو مُرغما، فأنت المحبوب عندنا، غال بُني…

لا ترحل لا تنزل من على القطار، فالخارج موحش دون بلوغ محطتك. فخارجه سراق أعمار ودين..بائعو أوهام..قطاع طرق بِزِيّ زهاد وعباد.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.