منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

مائة درهم (قصة قصيرة)

مائة درهم (قصة قصيرة)/ لحسن شعيب

0

مائة درهم (قصة قصيرة)

لحسن شعيب

أَكْرَهُ صخب الرباط وقسْوتها، والبروتوكول المبالغ فيه لأهلها، وألوذ من ذلك كله بمقهاي المفضل المطل على المحيط الأطلسي في إقامة الصباح، أشاهد قرص الشمس وهو يغيب في البحر ناشرا حلل الجمال في كل مكان. وكنت حين أتأمل البحر أستعيد شريط ذكريات سنوات عملي وزواجي الأولى في أزيلال وسط جبال الأطلس ثمانينيات القرن الماضي. وكم هي موجعةٌ المقارنات حين أعقدها بين الرباط وأزيلال. أبحث عن دفء العلاقات الاجتماعية الذي ألفته فلا أجد غير البرود، وكأني في هذه المدينة أعيش وسط روبوتات لا إحساس لها.

تأملت الفاتورة المرفقة بفنجان قهوة ومشروبين غازيين مع بضع حلويات، وكانت مائة درهم؛ هذا المبلغ كان يملأ قفتي لأسبوع، فأصبح لا يكفي لجلسة في مقهى متوسط.. لقد تغيرت قيمة النقود أيضا، وأصبحت هذه الورقة الصفراء المزركشة وسيلة للتَّنَدُّرِ، فقد سُئل رجل مُسِنٌّ عن وجوه الملوك المُصَوَّرَةِ عليها، فعَرَّف بهم واحدا واحدا ثم أردف: “ثلاثة ملوك، لكنهم لم يستطيعوا مجتمعين شراء كيس دقيق”.

رجعتُ إلى البيت عبر الطريق الساحلي، وكنتُ على موعدٍ في الغد مع مناقشة أطروحة مهمة في المالية الإسلامية في الجامعة، وكان لِزاما علي إنهاء ما تبقى لي من ملاحظات حولها. رَنَّ هاتفي، خشيت أن أَرُدَّ فيكون المتصل زائرا ثقيلا -وما أكثرهم- ولا طاقة لي بمزيد منهم. وحين جلستُ بمكتبي أُتِمُّ عمل الغد، توصلتُ برسالة نصية تقول: “أستاذ خيري، لقد حاولتُ الاتصال بك أكثر من مرة، أريد رؤيتك غدا مساء إذا تيسر لك، أحمل لك سلاما وأخبارا من عمي الزاكي. الوافي”… يا إلهي! إنه الرجل نفسُه، وهذه ثالث مرة يتصل فيها طالبا مقابلتي، وكنتُ أعتذر له في كل مرة؛ أصبحتُ أتحاشى الغرباء، ولعلَّ مكوثي في الرباط أفسدَ عفويتي وتلقائيتي في تعاملي مع الناس، وجعلني أكثرَ حذرا، وتلك ضريبة المعاشرة.

بَذَلَ الرجلُ جهدا ليراني، وأنبأني حدْسي أن خلفَ إلحاحه أمراً، لكنه لم يخبرني؛ سلام عمي الزاكي كان كافيا لألبي الدعوة هذه المرة… إيه يا عمي الزاكي! لا أذكر الرجل إلا وأذكر معه قُفَّةَ رمضان، وأُضحيةَ العيد، وحقيبة المدرسة، لقد كان الرجل فارسا في العمل الاجتماعي، وقد رسمَ البسمة على كثير من الخلق بأعماله الخيرية، وكنتُ أساعده مع آخرين بما تيسر وقتئذ.

ضغطت زر الاتصال، وتحدثت إلى سي الوافي معتذرا له أولا عن عدم ردي على اتصاله بسبب السياقة، وثانيا على عدم لقائه في مرات سابقة بسبب كثرة المشاغل. سألته عن عمي الزاكي الرجلِ الطيب، ثم ضربنا موعدا في مقهى المبادرة بحي الرياض الكائن في زنقة مسك الليل، على الساعة الرابعة من الغد بعد إنهائي أنا لمناقشة الأطروحة وقضائه هو لأغراض إدارية. أنهيت المكالمة وهمهمت: مسك الليل، الزيزفون، النسيم… أسماء الأزقة في حي الرياض جميلةٌ، لكني لا أرى أثرا لها في الواقع، وكأنها ألقابُ مملكةٍ في غير موضعها…

وأنا في طريقي إلى مقهى المبادرة، كان شريط ذكرياتي في أزيلال يمر أمامي وكأني أشاهد فيلما سينمائيا بالأبيض والأسود؛ في أزيلال كانت أول تجربة لي في التعليم الابتدائي، وكانت أولى سنوات زواجي، وهناك ولد أبنائي الثلاثة، في أزيلال كان شظف العيش قرينا للجود والكرم، وفيها صحِبتُ قوما يوثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، يعيشون جنبا لجنب مع آخرين لا يسألون الناس إلحافا رغم قلة ذات اليد، قومٌ علموني كيف أكون إنسانا. ركنتُ السيارة وحثثتُ الخطى حتى لا أتأخر عن الموعد.

وصلت إلى المقهى في الوقت المحدد، وجدتُه هناك جالسا ينتظرني، فقد وصل قبل الموعد ببضع دقائق، قام إليَّ مصافحاَ بحرارة، وسحب كرسيا كان أمامه طالبا مني التفضل بالجلوس. صرتُ وجها لوجه معه؛ كان رجلا أربعينيّا صبوحَ الوجه، جميلَ المحيا، يعتمرُ قبعةً أنيقةَ، وكان ينظر إليه بعينين واسعتين عسليتين، كأنه وجد ضالَّةَ مفقودةَ، وكنتُ أنا أتفرس في وجهه عسى أتذكر شيئا. بادرني بالكلام:

– شكرا جزيلا أستاذ خيري، فقد لبيت دعوتي أخيرا؛

– كنتُ مشغولا في المرات السابقة، وأعتذر منك سي الوافي، وعلى كل حال في كل تأخير خير، كما كان يردد عمي الزاكي دائما؛

– لقد حَمَّلَنِي سلاما إليك، وطلبا بزيارته في أقرب فرصة؛

تحدثنا عن أزيلال وأهلها، واستعرضتُ مع الوافي أسماءً وأحداثاً وأعمالا خيرية كثيرة، قال بأنها انحسرت في السنين الأخيرة، بسبب غِيرة الدولة. عجبت له ينسب للدولة شعور الضرائر، فقال موضحا كأنما قرأ أفكاري: “إنها تنافس المحسنين في توزيع حريرة رمضان وأضاحي العيد، تاركة الأوراش الكبرى”. أخبرني أيضا أنه يعمل الآن لحساب شركة متعددة الجنسيات، وبأنه كان يدرس بالثانوي حين كنتُ أنا مُدَرِّسا بأزيلال، وقد سبق أن زارني في بيتي رفقة زملائه مرات عديدة، لكني لم أتذكره جيدا.

حدثتُ الوافي عن عملي العلمي وعن الكتب والمكتبات، وحدثني عن القناطر والطرقات والميزانيات والصفقات، تحدثنا تقريبا في كل شيء، وكان يجيد فن الاستماع، كما أنه صاحب نكتة وروح مرحة جعلت دقائق جلستنا تمر سريعة.

– حاولت لقاءك فيما مضى، لكن تعذر ذلك، لكن عمي الزاكي كان جواز مروري إليك، ههه، قال الوافي؛

– ههه، صحيح، وهل يُرَدُّ طلبٌ فيه اسم عمي الزاكي؟

– على كل حال، أحسست أن الساعة صارت دقيقة في حضرتك، وبما أنك ذكرتني بتلك الأعمال الخيرية في أزيلال، فقد تذكرت واحدة من أجمل القصص، وإن أذنت لي أحكيها لك. هي قصة شاب كان معنا يومئذ، وكان يتردد معنا على بيتك؛

– ما به؟ ما قصته؟ لقد شوقتني…

– “حين كنتَ معلما بأزيلال، كان هناك شابٌّ فقير جدا يدرس بقسم العلوم الرياضية، وكان مجتهدا؛ نُودي عليه لاجتياز امتحان الأقسام التحضيرية بالرباط سنة 1993، وكان بحاجة إلى مائة درهم فقط، مائةُ درهم كانت تكفيه لتذكرة السفر ذهابا وإيابا ولوجبة غذاء، لكنه للأسف لم يكن يملكها. كان يتيمَ الأب، ولم تستطع أمه أن توفر له ذلك المبلغ، وكان له إخوة صغار، ومائة درهم يومئذ مبلغ كبير جدا، وكلما اقترب موعد المباراة أحس بأن أحلامه تتهاوى.

وحين بقي يوم واحد للمباراة، كان اليأس قد بلغ منه مبلغا، وصار يَعُدُّ الساعات بعد أن كان يعد الأيام؛ خرج إلى الحقول المحيطة يجر قدمَيه يائسا، وجلس تحت ظل شجرة زيتون شابكا أصابعه على رأسه يُحَدِّق في الآفاق البعيدة لا يدري ما يصنع؛ وحين أيقن أن حلمه تحطم على صخرة واقعه البئيس، سمع صديقا من أصدقائه يناديه بأعلى صوته، وهو يهرول نحوه مسرعا: “صديقي، لقد فُرِجَتْ”، مد صديقُه إليه ورقة نقدية من فئة مائة درهم، وقال بأنها من رجلٍ محسنٍ لا يُريد أن يُعْرَف، ومضى لحال سبيله.

نجح في المباراة وأصبح مهندسا مدنيا كبيرا ناجحا؛ ثم مَرَّتْ مياه كثيرة تحت الجسر، وتَذَكَّر المائة درهم، وبحث عن صاحبها طويلا ليشكره، واستطاع بعد سنوات وبعد جهد جهيد أن يعرف من زميله السابق الرجلَ المحسِنَ، لكن البحث عن مكانه لم يكن أسهل من البحث عن اسمه. تصور يا أستاذ خيري كيف كانت ستكون حياة ذلك الشاب لولا تلك الورقة النقدية، وتصور كيف سيقابل صاحبه لو رآه”.

– غلب درهمٌ ألف درهم.. مبلغٌ صغير كان مفتاحا للخير على الشاب الذي ذكرتَ، إنها قصة عجيبة حقا، الحمد لله، ما زال الخير في هذه الأمة؛

– إن الشاب الذي أصبح مهندسا، أنفق آلاف الدراهم على التلاميذ الفقراء، وساعد عائلات كثيرة، وكان يدعو الله أن يجعل كل ذلك في صحيفة صاحب المائة درهم، يا أستاذ خيري، لا ينبغي أن نحقر من المعروف شيئا؛

عجبتُ كيف أن رجلا توجستُ من لقائه أولَ الأمر شَحَنَنِي لقاؤه بطاقة إيجابية كبيرة جدا. بقينا ساكتين معاً لبعض الوقت، وارتشفنا من كأْسَيْنا رشفةَ شاي صارت باردة، ثم استأنف الوافي حديثه وقال: “إن الشاب الذي قصصتُ عليك قصته هو أحمد الوافي، وهو الماثل أمامك بشحمه ولحمه، وإن صاحب المائة درهم لم يكن أحدا غيرك يا أستاذ خيري، فَلَكَ بعد الله تعالى أدين بكل سعادتي وبكل نعيمٍ أنا فيه اليوم. لقد بحثتُ عنك طويلا، وذهبتُ إلى كل مدينةٍ عملتَ بها قبل أن أجدك أخيرا هنا في الرباط؛ وسيظل هذا الأربعاء الخامس عشر أبريل 2015 يوما مشهودا، وأحمد الله أن جمعني بك أخيرا”.

ارتمى الوافي في أحضاني، وتعانقنا طويلا، وأجهشنا معا بالبكاء، وأقسم أن سعادته لن تكتمل حتى تكتحل عينه بي وبأسرتي الصغيرة في بيته. وفي طريق عودتي إلى بيتي، لم يتوقف طوفان دموعي، وأنا أتأمل خراجَ عملٍ صغيرٍ جدا نسيتُه، لكنَّ ربي لم ينسَه، فباركه وصَنَعَ به ثم نَسَبَه إلي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.