منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

روحانية سيف القدس

عبد الحليم زوبير

0

عندما تندلع أي حرب تصبح لها تجليات وآثار بعضها ظاهر وبعضها خفي، فالحرب –ولا سيما إذا كانت مع الكيان المحتل لفلسطين- تخلف ضحايا أبرياء من الأطفال والنساء والحيوانات والأشجار، تفرق بين الأحباب وتقطع الأخبار، والإعلام المغرض لا يكشف من هذه الآثار إلا هذه الجوانب المأساوية، وكأن زلزالا ضرب الأرض وحرق البشر والشجر، بكاء على المأساة دون الحديث عن المجرم، غير أن الجهاد في سبيل الله من منطلق إيماني يتخذ بعدا آخر، فهو طريق مختصر لأعلى الجنان بالنسبة للشهداء الذين يختارهم الله إلى جواره، وهو بنفس الدرجة طريق مختصر لمن بقي بعدهم نحو المجد والعزة والكرامة في الدنيا.

هذه الصورة الشرعية لجهاد العدو حاول الإعلام الفاسد التشويش عليها في كثير من الحروب التي راح ضحيتها آلاف المسلمين دون هدف واضح، لكن عندما يتعلق الأمر بمقاومة العدو الغاصب لأرض فلسطين تجد المعركة وأجواء الحرب مختلفة، فصواريخ المقاومة التي زينت سماء الأراضي المحتلة، ومشاهد الهلع في المجتمع الصهيوني، وكذلك الدمار ودماء الشهداء في قطاع غزة،كل ذلك أضفى حالة روحية عمت العالم الإسلامي ومست كل من في قلبه مثقال ذرة من إيمان، فمشاهد الإحباط التي حاول العدو ترسيخها في وجدان الأمة تحولت بفضل الردع المقاوم إلى حالة من الاعتزاز بالهوية والحق الأصيل في القدس والمسجد الأقصى، وموجة عارمة من الغضب على عدو واضح لا يجادل في عدوانيته إلا من شاء الله أن يظهر معدن خيانته للأمة في هذه المعركة الفاصلة.

كل المخططات الغربية التي تناوبت على إحلال كيان اليهود بفلسطين لخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي راهنت على تشتيت الأمة حول العدو، واختلاق نزاعات حدودية وعرقية وطائفية تترك العدو يقضم كل يوم مزيدا من الأراضي، ويمسخ مزيدا من الهوية بينما تنشغل الأمة بنفسها،  وعندما ظن العدو أن حيلة التشتيت والتمزيق والإلهاء قد بلغت مبلغا غير مسبوق أعلن عن كثير من خططه الإفسادية عبر موجات التطبيع، والتي لم تكن سوى إفشاء سر مخطط لم يستطع كثير من الطيبين في الأمة التصديق بوجوده، جاءت معركة القدس لتعيد العدو إلى المربع الأول من الضعف والفضيحة والخوف المحذق، وتعيد الأمة إلى ذكريات القوة وسكة النهضة وعزة المؤمنين.

لقد عاشت الأمة بكل شعوبها وطوائفها ودرجات التدين فيها روحانية عالية، حدث  خلالها كثير من الناس أنفسهم بالموت في سبيل الله، لقد كان للعشر الأواخر من رمضان هذا العام طعم الجهاد كما كان رمضان في فترات كثيرة من التاريخ، أبلى فيها المقاتلون والإعلاميون والأطفال والنساء وكثير من دول العالم حسنا، وعرضوا طيلة إحدى عشر يوما نموذجا لمعركة فاصلة تبدأ بإعداد السلاح، واستئصال عيون العدو في أرض المسلمين، وتحريض الشعب على الصبر وطلب الشهادة، وتنتهي بنصر كاسح واضح لا يستطيع العدو إخفاءه، هذه المعركة التي أنطقت العلماء بكل اختلافاتهم الفقهية والسياسية فساروا وراء المقاومة مقتحمين خطوط الحظر التي بعثرتها صواريخ المقاومة وهلع العدو.

ومن كرامات هذه المعركة أن دولا وحكومات سقطت منها كل الأوراق التي تفاوض بها إسرائيل والقوى الكبرى، لم تشعر إلا والمقاومة -التي يكرهون- تدس في أيديهم أوراقا جديدة قوية لمواصلة الحوار السياسي مع هذه الدول من منطلق قوة، فإذا بها تدبج خطابات وتخرج من دائرة التردد وتطالب بالحق الفلسطيني، منحازة إلى خيارات الأمة التي رفعت الحصار عن المقاومة وأعطت الفرصة مرة أخرى -ولعلها الأخيرة- لحكام الأمة ليمثلوها بين الأمم تمثيلا يليق بعزتها وكرامتها، بعيدا عن التذلل والاستجداء والتقرب إلى الطغيان الصهيوني بإهانة الأمة في مشاعرها ومقوماتها الحضارية.

المزيد من المشاركات
1 من 61
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.