منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

المثقف المعارض للسلطة السياسية في العصرين المرابطي والموحدي المعتمد بن عبّاد وابن رشد الحفيد نموذجين

الدكتور يسين العمري

4

 

 

الملخّص:

تُعتبر العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية علاقة جدلية – استشكالية منذ القدم، فهي علاقة ديناميكية ومتحرّكة وغير جامدة وثابتة؛ حيث قامت بالأساس على قاعدة ثنائية العلاقة بين الموالاة والمعارضة، ولا يمكن القفز على كون السلطة السياسية عبر العصور تحتاج للمثقفين وللسلطة الثقافية عموماً لتكريس شرعيتها، والتبرير لسياساتها، وتلميع رموزها، وإقناع الجمهور بكلّ ما ينتج من أقوال وأفعال عن الحاكم وبطانته. والمثقف بصفة عامّة، والعربي المسلم بصفة خاصّة، وحتى قبل استقرار المفهوم ورسوخه على إثر قضية الضابط “دريفويس” بفرنسا، كان العلماء والمحدّثون والوعّاظ والكتّاب والشعراء وغيرهم ممّن لعبوا دور المثقف في العصور القديمة والوسطى، يتعاملون مع السلطة الحاكمة بمنطقين مختلفين، فإمّا يوالون الحاكم ويمدحونه، فيحصلون مقابل ذلك على الامتيازات المالية والمناصب والمكانة الاجتماعية، وإمّا يعارضون الحاكم فيكون مصيرهم إمّا محاولة التدجين والاحتواء في بعض الحالات، أو مباشرة الإقصاء والتنكيل والعقوبات التي تتراوح ما بين السجن والتعذيب والتشريد والقتل وحرق الكتب وغيرها. نشير مع ذلك إلى أن هناك استثناءات على قاعدة الثنائية، فخارج منطق الموالاة والمعارضة، قد نجد هناك المثقف المحايد أو الذي يتقلّب بين الموالاة والمعارضة حسب المصلحة والمشروع الشخصي والقناعة. هذه المقالة البحثية تهدف إلى الغوص في علاقة المعارض للسلطة السياسية في العهدين المرابطي (المعتمد بن عبّاد نموذجاً) والموحّدي (ابن رشد الحفيد نموذجاً)، والذي تعرّض نتيجة تلك المعارضة إلى بطش السلطة السياسية، مع تسليط الضوء على دور رجال الدين ممّن يُصطلح عليهم بعلماء البلاط أو وعّاظ السلاطين في إضفاء المزيد من التوتّر بين المثقف والحاكم، حيث كانت الخلافات بين الطرفين سياسية بالأساس رغم طابعها الديني.

مقدمة:

المزيد من المشاركات
1 من 27

شكّلت علاقة المثقف -أو من كانوا يقوم مقامه ويلعبون دوره قبل تأصيل ورسوخ مفهومه بالمعنى الحديث- بالسلطة السياسية علاقة ملتبسة ومتشابكة، عرفت أوجهاً متعدّدة وتميّزت بالدينامية وعدم الجمود، وعرفت هذه العلاقة الجدلية بين الطرفين مساراً طويلاً عبر محطّات تاريخية تميّزت بالتحدّي والمواجهة حيناً والتحالف والتناغم حيناً آخر.

ولم يخلُ التاريخ الإسلامي بدوره من هذه التجاذبات والتناغمات والتنافرات بين الطرفين، وسأشتغل في هذا المقال على فترة من التاريخ الإسلامي وتحديداً الغرب الإسلامي، وهي فترة الدولتين المرابطية والموحدية، حيث سأقف على بعض محطّات علاقة السلطة السياسية بالمثقف المعارض تحديداً، وتبيان بعض أوجه ودوافع ومآلات الصراع بين الطرفين، مع اختيار نموذج عن كل فترة من العصرين.

بناءًا عليه، أفتتح مقالي بطرح الإشكالية وهي كالآتي: ما هي أوجه ودوافع معارضة المثقف للسلطة السياسية في العصرين المرابطي والموحدي؟ وكيف تعاملت السلطة الحاكمة مع المثقف المعارض لها؟ وسأعمل على ذلك من خلال نموذجي المعتمد بن عبّاد وابن رشد الحفيد، وذلك وفق تصميم ينقسم إلى محورين؛ يتعلّق الأول بالمثقف المعارض في عهد الدولة المرابطية من خلال الانفتاح على نموذج المعتمد ابن عبّاد، وينقسم هذا المحور إلى مبحثين، يتطرّق الأوّل إلى أوجه ودوافع معارضة المعتمد بن عبّاد الملك – الشاعر لسلطة المرابطين وأميرهم يوسف بن تاشفين، في حين يستعرض المبحث الثاني المصير الذي آلت إليه تلك المعارضة. أمّا المحور الثاني فيتناول المثقف المعارض في عهد الدولة الموحّدية من خلال الاشتغال على نموذج أبي الوليد بن رشد “الحفيد”، وينقسم هذا المحور بدوره إلى مبحثين، يتطرّق الأوّل إلى أوجه ودوافع معارضة ابن رشد الفيلسوف لسلطة الموحدين وسلطانهم يعقوب المنصور، في حين يستعرض المبحث الثاني المصير الذي آلت إليه تلك المعارضة.

يمكن في هذا المقام ملاحظة أنّ إشكالية المقالة ذات طابع تفكيكي للعلاقة بين “المثقف المعارض” و”السلطة السياسية” في تاريخ الغرب الإسلامي في العصر الوسيط (دولتي المرابطين والموحّدين)،[1] ومن خلال العودة لتاريخ هذه العلاقة بين الطرفين يمكن القول بأنّ المثقّف “العربي” الحالي في علاقته بالسلطة السياسية الحاكمة ينطلق من حمولة تاريخية لها انعكاسات مختلفة، حيث أرى أنّ استحضار البُعد التاريخي –في تقديري- عنصر مؤسّس لفهم واقع واستشراف مستقبل العلاقة بين الطّرفين.

أبيّن في هذا الصّدد أنّ علاقة المثقف -أو لنقل من كانوا يقومون بدوره قبل رسوخ المفهوم وتأصيله بشكله الحديث المتعارف عليه- بالسلطة السياسية في الثّقافة العربية قديمة وقائمة في أساسها على ثنائية المدح والهجاء (حاليا المعارضة والموالاة)، وأستعين في هذا الصّدد بما ذكره حسين العودات الذي يصف هذه العلاقة كالتالي: […كانت في بادئ الأمر في ما هو متعارف عليه بعصر الجاهلية، يعني قبل قيام دولة الإسلام المركزية، التي بدأت نواتها الأولى منذ دولة المدينة التي أسّسها الرسول محمد صلى الله عليه وسلّم، وكان المدح والهجاء هما الموضوع الأساسي لمثل هذه العلاقة، حيث كان بعض المثقفين إمّا هم من الشعراء، وكانوا يقومون بوظيفة إعلامية من خلال دور المدّاحين والهجّائين، وإمّا هم من الكتّاب يقولون نصوصاً قريبة من الحكمة أو الفلسفة، ونذكر منهم قسّ بن ساعدة الإيادي والنابغة الذبياني وغيرهما].[2]

أهمية الموضوع:

تكمن أهمية البحث في كون أنّ ما عرفته المنطقة “العربية” من حراك جماهيري أُطلق عليه “الرّبيع العربي”، أعاد طرح العديد من الأسئلة والنّقاشات ولا زال، حول دور المثقّف كفرد وكنخب مثقّفة في المجتمع، وحول سبل تعاطي السّلطات السّياسية في الدّول “العربية” مع المحكومين من جهة، ومع المثقّفين من جهة أخرى، وهو ما استدعى -في تقديري- العودة إلى النّبش في تاريخ تشكّل العلاقة بين المثقّفين (المعارضين خاصّة) والسّلطة السّياسية في تاريخ الغرب الإسلامي، لاستكشاف كيف انتظمت العلاقة بين الطّرفين، وأوجه ودوافع المعارضة، وكيف يمكن استخلاص العبر من هذه الحمولة التاريخية.

من هذا المنطلق، أرى أنّ أهمية البحث مُستمَدّة من عنصر الجِدّة والرّاهنية، إضافة إلى المساهمة الأكاديمية التي حظي بها موضوع المثقّف والسلطة السياسية سواء في المرجعية الغربية أو العربية، مع اختلاف زوايا معالجة الموضوع، ومن خلال اطّلاعي على المصادر والمراجع التي تسنّى لي الاطّلاع عليها أثناء إنجاز هذه المقالة.

أسباب البحث:

  • محاولة توضيح أنّ “المثقف” كمفهوم وكرمز وكإيديولوجيا له حمولة تاريخية، ويستند على سلطته المعرفية (سلطة العقل) في مواجهة سلطة غاشمة تحتكر وسائل العنف وتتحالف مع مؤسسات عديدة تبرّر لها أبرزها المؤسسة الدينية. وفي الغالب تكون دوافع معارضة المثقف للسلطة السياسية لها معقوليتها السياسية ووجاهتها من ناحية الطرح الفكري، لذلك يخشى الحاكم وعلمائه من تأثير أفكار المثقف المعارض على العامّة، وبالتالي تمرّدهم على السلطة القائمة، فيسارع إلى معاقبته، ويتمّ تغليف العقوبة في الغالب بغلاف ديني.
  • وضع الأصبع على الخلل في العلاقة بين “المثقف المعارض” و”السلطة السياسية” بمختلف مؤسّساتها الرسمية في الجغرافيا والحيّز التاريخي اللذان ترصدتهما المقالة.

أهداف الموضوع:

  • الانخراط في سياق الدراسات والأبحاث التي تمّ القيام بها حول الموضوع، ومحاولة تبيان بعض الإشكالات العالقة أو التي لم يتمّ تفكيكها بخصوص موضوع “المثقف المعارض” في علاقته بالسلطة السياسية في العصر الوسيط بالغرب الإسلامي.
  • وضع الأصبع على الخلل في العلاقة بين “المثقف” و”السلطة السياسية” بمختلف مؤسّساتها الرسمية.

منهجية البحث:

اعتمدت في هذا البحث على المنهجين الوصفي والتاريخي، إضافة لجوانب من المقارنة والنقد والتحليل، انطلاقاً من زاوية المعالجة التي اخترتها للموضوع وهي بالأساس التاريخ، دون إغفال بعض الأنساق ومجالات البحث الأخرى الثانوية مثل الفكر السياسي.

وقد اقترحت هذه المنهجية، عملاً بالقاعدة البحثية القائلة بأنّ طبيعة الموضوع هي التي تحدّد طبيعة المنهجية، حيث لم أعتمد في هذا البحث على منهج واحد، بل قمت بتوظيف المنهج المناسب في الظّرف المناسب، ولهذا قمت مثلاً بتوظيف المنهج الوصفي للمساهمة في التّعرّف على المفاهيم موضوع المقالة (المثقّف والسلطة السياسية)، والوصول إلى تفسيرات تحاول الإجابة على الإشكالية، وبالتّالي تحديد “نتائج البحث”، كما قمت بتوظيف المنهج التّاريخي لتتبّع ورصد تمظهرات معارضة “المثقف” للسلطة السياسية في الدولتين المرابطية والموحّدية.

وحيث إنّ الإشكالية تأريخية بامتياز، فسأعتمد على ما سمّاه عبد الحميد هنية بالتّحقيب الزّمني للعصور في العهد الإسلامي من خلال تعاقب الدول،[3] حيث سأتطرّق في محور أوّل للدولة المرابطية، وفي محور ثانٍ للدولة الموحّدية.

أنتقل بعد عرض إشكالية وأهمية الموضوع، وتبيان أسبابه وأهدافه، وطرح منهجيته، إلى توضيح أنّ العلاقة بين السلطتين الثقافية والسياسية علاقة غير جامدة وثابتة، بل هي متغيّرة ومتحرّكة عبر التاريخ القديم والحديث، ولا تحكمها العواطف، بقدر ما تحكمها وتتحكّم فيها المصلحة من الطرفين، فالمثقف تحرّكه مصلحته الشخصية حيناً ومصلحة مجتمعه حيناً، والمصلحتين معاً في أحيان أخرى. كما أنّ السلطة السياسية تحرّكها في علاقتها بالمثقف مصلحتها الملحّة والدائمة في إيجاد من يُبرّر سياساتها ويُقنِع المحكومين بشرعيتها، حتّى تتّقي السلطة غضبتهم وتمرّدهم، كما أنّ العلاقة بين المثقف والسلطة السياسية قد تعكس نوعاً من الصّراع الاجتماعي أو السياسي أو الإيديولوجي داخل المجتمع.

وأرى أنّ الأمر يقتضي من الناحية المنهجية تعريف المصطلحين الرئيسيين في هذه المقالة، ويتعلّق الأمر بالمثقف والسلطة السياسية، وأبدأ بمعنى المثقف، حيث أوضح محمد عابد الجابري أنّ: [… المثقّف هو الذي يعرف، ويتكلّم ليقول ما يعرف، وبالخصوص ليتولّى القيادة والتّوجيه في عصر صار فيه الحكم فنّاً في القول قبل أن يكون شيئاً آخر، وقد اتّسع مفهوم المثقّف ليشمل جميع الذين يشتغلون بالثّقافة، إبداعاً وتوزيعاً وتنشيطاً، بوصفها عالماً من الرموز يشمل الفن والعلم والدين].[4]

وأرى أنّ المثقّفيْن اللذان سأشتغل عليهما في هذه المقالة ينضويان تحت هذا التّعريف، من حيث المقدرة الفكرية والأدبية والبعد الإبداعي والألمعية الفذّة لديهما في الكتابة والطّرح وإنتاج المعنى والأفكار، حيث كان المشهد الثقافي في بلاد الأندلس على خلاف نظيره السياسي، يتميّز بالثراء ويتصدّره كوكبة من فطاحل الرموز من العلماء والفقهاء والمحدّثين والمفسّرين للعلوم الدينية والأدباء والشعراء والخطباء، باعتبارهم من كانوا يقومون مقام المثقفين بالمفهوم الحديث للمصطلح ويلعبون دورهم، وكان منهم من عارض السلطة السياسية فاكتوى بنارها، وبعضهم كان موالياً للحكّام، وكان أولئك الحكّام في كثير من الأحيان يحاربون أولئك العلماء الأفذاذ والمجتهدين بإيعاز من علماء البلاط ممّن كانوا يحقدون عليهم، فكانوا يوغرون صدر الحاكم والجمهور على بعض العلماء، وكانوا يركّزون على نقطة هامّة هي التطاول على الدّين ورموزه، فكان العديد من العلماء المجتهدين يُتّهَمون حينها بالزندقة والإلحاد، ويتعرّضون لعقوبات مغلّظة من سجن وتعذيب وحرق كتب وقتل، ومن بين الأمثلة مثال ابن رشد “الحفيد” الذي سأتطرّق لنكبته كما سمّاها الجابري، في عهد السلطان الموحدي يعقوب المنصور.

وفي إطار تنسيب الأحكام، وجب التوضيح أنّ المعتمد ابن عبّاد جمع بين كونه رجل فكر ورجل سياسة معاً، ويكون بذلك قد جمع كما قال علي أومليل بين وظائف واختصاصات السيف والقلم، وهو ما كان يُعبّر عنه بـ”ذي الوزارتين”،[5] فابن عبّاد كان حاكم إشبيلية وقرطبة في عصر ملوك الطوائف، وقد حكم ما بين 1069-1091م، قبل أن ينتهي ملكه بسقوط إشبيلية على إثر تدخّل يوسف بن تاشفين أمير المرابطين في الأندلس لإنهاء حكم ملوك الطوائف بها، ومن ثمّ، تمّ أسر المعتمد ونفيه إلى مدينة أغمات قرب مراكش، وبقي في الأسر أربع سنوات إلى أن توفي أسيراً سنة 1095م، وبذلك يكون قد أدّى ثمن موقفه السياسي بالأساس الرّافض للتدخّل العسكري المرابطي لإنهاء حكم ملوك الطوائف، وقد تمّ إيجاد تبرير ديني لذلك التدخّل العسكري بحجّة أنّ تشرذم ملوك الطوائف يشجّع ملوك النصارى على غزو بلاد المسلمين وتشكيل خطر على البلاد والرعية، وأنّ يوسف بن تاشفين استفتى بعض فقهاء وعلماء عصره من المغرب والأندلس والمشرق، فأفتوا له بجواز ضمّ الأندلس والقضاء على ملوك الطوائف، وكان ممّن أفتى بذلك من العلماء والفقهاء: أبو حامد الغزالي، أبو بكر الطرطوشي، أبو بكر بن مُسكن وأبو جعفر بن القليعي، ومن القضاة ابن سهل. كما أفتى فقهاء إشبيلية ابن تاشفين قائلين: [هؤلاء الرؤساء لا تحلّ طاعتهم ولا تجوز إمارتهم، لأنّهم فسّاق فجرة، فاخلعهم عنّا… ونحن بين يدي الله محاسَبون، فإن أذنبنا فنحن لا أنت المعاقَبون، فإنّك إن تركتهم وأنت قادر عليهم، أعادوا بقية بلاد المسلمين إلى الروم، وكنتَ أنت المحاسَب بين يدي الله تعالى].[6]

بعد أن قدّمت معنى المثقف والمثقفين المختارين كنموذجين، أنتقل إلى عرض معنى السلطة بمفهومها العامّ ومفهومها الخاصّ السياسي، فمن ناحية التعريف المتداول لها كمفهوم عامّ، أرجّح ما ذهب إليه جون وليام لابيار إذ عرّفها بأنّها: […الوظيفة الاجتماعية التي تقوم على سنّ القوانين، وحفظها، وتطبيقها، ومعاقبة من يخالفها، وهي التي تعمل على تغييرها وتطويرها كلّما دعت الحاجة: إنها لا غنى عنها لوجود الجماعة ذاته، لاستمرارها، ولمتابعة نشاطها، من هنا بالذات، إنها تلك الوظيفة القائمة على اتّخاذ المقررات التي يتوقّف عليها تحقيق الأهداف التي تتابعها الجماعة، فالتنظيم، والتقرير، والحكم، والعقاب، هي المهام التي تنتظر السلطة، في أيّة جماعة كانت…].[7]

وفيما يخصّ تعريف السلطة في بعدها السياسي، أختار التعريف الذي وضعه هنري لوفيفر، واتّفقت عليه معظم المعاجم القانونية التي عرّفت السلطة السياسية بأنها: [ عنصر من عناصر الدولة إلى جانب السكان أو الشعب، والأرض أو الإقليم. ومن شروطها وجود موارد من البشر والسلاح والمال، وجود مجتمع منظّم يعيد إنتاج العلاقات التي تكوّنه (من الأعراف إلى القانون)، ثمّ وجود ضوابط وقيم وإيديولوجيا].[8]

أمّا فيما يخصّ الإطار الزمني الذي تشمله المقالة البحثية، فيتعلّق الأمر بعصر الدولة المرابطية إبّان حكم يوسف بن تاشفين، وعصر الدولة الموحدية خلال فترة حكم يعقوب المنصور الموحّدي.

ويتّفق المفكّرون العرب والغربيون بخصوص تأصيل مفهوم المثقّف بمفهومه العصري، ونجد مثلاً من بين أولئك المفكّرين العرب المختار بنعبد العالي على سبيل المثال، والذي بيّن أنّ النقطة المفصلية في بلورة المفهوم تاريخياً كانت في “قضية دريفوس”، حيث يذكر الكاتب أنّ: [… بيان المثقفين في قضية “ألفريد دريفوس”، الضابط اليهودي الذي اعتقلته فرنسا في غويانا سنة 1894م بتهمة تجسّسه لألمانيا، أدّى لظهور المثقف، الذي يعني سواء من حيث المعنى اللغوي أو الاستعمالي “الشخص المهتم أو المتابع في مجال بعينه أو في مجالات متقاربة، وقد يكون متابعاً ومعلقاً في الأدب والسينما، المسرح أو الرسم التشكيلي، والحدود هنا واضحة بين المثقفين والمفكرين والمبدعين”. أمّا في الثقافة العربية، فإن الحدود غير واضحة بين المثقف الذي هو قارئ ومتتبّع بالأساس، وبين المفكّر أو المبدع، وغالبا ما يتم إدماج الجميع داخل صيغة واحدة هي صيغة المثقفين، كما يتميز المثقف العربي بطابعه الموسوعي وتعدد اهتماماته وبنزعة تربوية، بل أبوية أحيانا اتجاه مجتمعه، والمثقف أمام شعوره بواجبه “التربوي” إزاء المجتمع، يحاول أن ينقل إليه كل الضروب المعرفية الممكنة، حتى ولو أدى ذلك إلى نوع من الإسفاف، كما ينغمس في العمل السياسي لأنه يعتبر نفسه ضميراً للشّعب، ويرى أن مكانته داخل المجتمع توفر له نوعا من الحماية، وأنه يستطيع أن يصير إحدى القنوات التي يمكن أن يمرّر من خلالها الخطاب السياسي في غياب المؤسسات الاجتماعية والسياسية التي يفترض أن يمر هذا الخطاب عبرها].[9]

غير أنّ بعض المفكرين مثل محمد عابد الجابري وعلي أومليل وغيرهما قاموا بـ”تبيئة” مفهوم المثقف بما يلاءم المرجعية العربية – الإسلامية مع العودة للجذور من باب المقارنة، حيث تمّ استنباط بعض الوظائف المشابهة لوظيفة المثقف، والتي قام بها بعض الفقهاء والوعّاظ والكتّاب والمفسّرون والشعراء والأدباء وغيرهم في التاريخ الإسلامي الوسيط.

بعد هذه التوطئة التي اشتملت على مدخل نظري عامّ، ومحاولة لضبط الإطار المفاهيمي، أنتقل إلى المحور الأول المتعلّق بأوجه ودوافع ومآلات معارضة المعتمد بن عبّاد، باعتباره النموذج الذي اخترته كمثقف معارض في عهد الدولة المرابطية، وبالتحديد خلال فترة حكم يوسف بن تاشفين.

المحور الأول: المثقف المعارض في عصر الدولة المرابطية (نموذج المعتمد بن عبّاد (1040- 1095م):

الأوجه والدوافع والمآل.

  • مدخل:

عرفت علاقة المثقف بالسلطة السياسية في العصر المرابطي شكلين أساسيين، فقد اعتمد الأمراء المرابطيون على الفقهاء والقضاة المالكيين كعماد لدولتهم، حيث كان لهم موقع بارز في رسم سياسة الدولة، فقد كان يوسف بن تاشفين يستشيرهم ويستفتيهم في المسائل الكبرى، وقد ضربت المثل أعلاه باستفتاء العلماء في مسألة تنحية ملوك الطوائف، أمّا في عهد ابنه علي بن يوسف بن تاشفين فقد صار الفقهاء متحكّمين في الدّولة بمعنى الكلمة، وكان الأمير علي ينفّذ ما يراه فقهاء دولته، ويلتزم بما يقرّرونه، ومن أمثلة ذلك حادثة حرق كتاب إحياء علوم الدين لأبي حامد الغزالي، رغم أنّه لم يعش في الدولة المرابطية، وإن كانت له علاقات طيّبة بيوسف بن تاشفين وكانا يراسلان بعضهما بعضاً.

ويصف أسامة عبد الحميد السامرائي هذا الحادث (حرق كتب الغزالي)، حيث يذكر أنّ: [… الفقهاء المتحكّمين في رسم الإطار السياسي العامّ للسّلطة المرابطية استطاعوا أن يؤثّروا سلباً في شخصية الأمير يوسف بن علي إذ أقنعوه أن يقترف أمراً أخلّ بسمعته وبسمعة الدّولة المرابطية، إذ أمر بإيعاز منهم سنة 503 ه الموافق لسنة 1109م بإحراق كتاب إحياء علوم الدّين للإمام أبي حامد الغزالي على مرأى ومسمع من النّاس (أعيانهم وعامّتهم) في الباب الغربي بساحة المسجد الجامع بقرطبة، حيث عُرضت على الأمير فتوى القاضي ابن حمدين بحرق الكتاب، ونالت استحسانه وموافقته].[10]

وعلى الرغم من المكانة البارزة والدور الكبير الذي لعبه العلماء في دولة المرابطين كما بيّنت أعلاه، إلا أنّ العلاقة لم تخلُ من التوتّر والجفاء في بعض المحطّات، ومنها اصطدام يوسف بن تاشفين بالمعتمد بن عبّاد الذي عاش مأساة الأسر والنفي والسجن.

شهدت بلاد الأندلس في عهد ملوك الطوائف في القرن الخامس الهجري فوضى سياسية عارمة، حيث ساد الانقسام والتشرذم واختلاف الرأي، وحاول كل أمير أن يستولي على ما بيد غيره، فكثرت الحروب، وتحالف بعض الأمراء مع ملوك النصارى، وبعضهم دفع الجزية… إلى آخره من التصدّعات التي شهدها المشهد السياسي ببلاد الأندلس، غير أنّ الثقافة أو لنقل الحركة الثقافية عرفت ازدهاراً ثقافياً وأدبياً وعلمياً، ومن بينها الفنون والعلوم الدّينية،[11] لاسيما في قصور أولئك الأمراء، على الرغم من الإقبال على حياة الملذّات والتفسّخ الأخلاقي، لذلك عمل الأمراء على استجلاب العلماء، بل تنافسوا في ذلك، لاسيما ممّن يحظون باحترام العامّة إلى بلاطهم لاسترضاء الناس وإسكات ألسنتهم. وكان منهم من يخصّص يوماً في الأسبوع يجلس فيه إلى المثقفين والفقهاء، يتدارسون في القرآن والحديث ويخوضون في مسائل فكرية متشعّبة، وكان ممّن اشتهروا بذلك على سبيل المثال أمير ألمريّة أبو يحيى بن معن صمادح التجيبي، الملقّب بالمعتصم بالله الواثق بفضل الله.[12]

وبناءً عليه، يجمل إميليو غرسية غوميز بالقول أنّ: [الأدب، ولاسيما الشعر، كانت سوقه نافقة، ومجالسه من أكبر مسارح الأفكار، وأفخم مظاهر الجمال، وأجمع أنواع الأدب، واللهو والجِدّ والهزل، وأكثر أنواع الثقافة انتشاراً ورواجاً في الأندلس في فترة ملوك الطوائف بخاصّة، ومن هنا كان هذا الزّمان عصراً عظيماً للشعر والشعراء، إذ تنافس ملوك الطوائف في اجتذاب الشعراء إلى نواحيهم، ولكن عناية بني عبّاد أصحاب إشبيلية به كانت أعظم وأشمل].[13]

وبالعودة إلى المعتمد بن عبّاد، نجد أنّ بلاطه في إشبيليةكان قِبلةً لكوكبة من ألمع شعراء عصره، من أمثال ابن زيدون ابن اللبانة وابن عمّار وابن وهبون وابن حمديس الصقلي وغيرهم كثير، وكان المعتمد لا يتواني في منح أكياس الذهب والفضّة استباقاً واسترضاء لهم، وكان لا يردّ طلب شاعر ولو غالى في الطّلب. بل إنّ المعتمد بن عبّاد نفسه كان – على غرار العديد من ملوك وأمراء الطوائف بالأندلس- شاعراً فحلاً[14] وملكاً، وكذلك كان جده أبو القاسم بن عبّاد من قبله”ذا الوزارتين” أو “ذا الرياستين” شاعراً وقاضياً، ورجل سياسة وحرب ودهاء، وممّا قيل في المعتمد: [كان يشبّه بهارون الرشيد، كان ذا ذكاء نفس وغزارة أدب، وشعره من طبقة عالية، واجتمع له من الشعراء وأهل الأدب ما لم يجتمع لملكٍ قبله من الملوك… ساس المعتمد بلاده سياسة أبيه المعتضد في التوسّع على حساب الأقاليم الأخرى، وفي دفع الجزية إلى ألفونس، إلى أن اضطرّ للاستعانة بالمرابطين الذي كانت على أيديهم نكبته ووفاته بأغمات سنة 488ه].[15]

المبحث الأول: أوجه ودوافع معارضة المعتمد بن عبّاد للدولة المرابطية:

وبعد أن بسطت لأهمّ ملامح الحياة الفكرية والثقافية في العصر الذي تناولته، أنتقل إلى محاولة تبيان بعض ملامح الصراع بين المعتمد بن عبّاد كرجل فكر وسياسة من جهة، والسلطة السياسية متجلّية في “أمير المسلمين” يوسف بن تاشفين من جهة أخرى، حيث لعب الفقهاء ورجال الدّين دوراً في تغذية النزاع والمشاكل بين الطرفين، فقد كتبوا إلى ابن تاشفين ما يفيد بأنّ زوجة المعتمد “اعتماد الرميكية” تتدخّل في شؤون الحكم، وأنّه لا يرفض لها طلباً وملبّياً جميع رغباتها بسبب حبّه الشديد لها وافتتانه بها، وكان بغض الفقهاء سبباً في وصفهم لزوجة المعتمد بأنّها: [ورّطت المعتمد في ما ورّطته من الخلاعة، والاستهتار والمجاهرة، حتى كتب عليه أهل إشبيلية بذلك، وبتعطيل صلوات الجمع عقوداً، ورفعوها إلى أمير المسلمين].[16]

ومن بين الأسباب كذلك التي يمكن أن أدرجها من بين دوافع الصراع، أنّ المعتمد بن عبّاد تردّد طويلاً في الاستعانة بالمرابطين لمقاومة المدّ العسكري النصراني، بعد اشتداد الخناق على إشبيلية، بل إنّ ابنه الرشيد خوّفه منهم، ونصحه بالعدول عن فكرته، وأيضاً جدّه المعتضد “فخر الدّولة” كان كثير الحذر منهم.[17] وهو ما يدلّ على علاقة الشّكّ والرّيبة والحذر وعدم الثقة التي كانت بين الطرفين.

 وأختم بسبب آخر، وهو سعي بعض ملوك وأمراء الطوائف من الخصوم، للوقيعة بين يوسف بن تاشفين والمعتمد بن عبّاد، ومن ذلك محاولة صاحب ألمريّة أبي محمد بن معن بن صمادح التجيبي الملقّب بالمعتصم وبالواثق بالله، وقد كاتبه المعتمد ردّاً على هذا الموقف، ونظم في ذلك شعراً،[18] لا يتّسع له المقام هنا.

وفي هذا المقام، لا بدّ من التنويه بأنني أرجّح ما ذهب إليه بعض المفكّرين، مِمّن أقرّوا بصعوبة وضع حدّ فاصل بين الذّاتي والموضوعي في علاقة المثقف بمحيطه، بما في ذلك علاقته بالسلطة السياسية، فيما يخصّ طريقة اشتغال المثقف على القضايا التي يتناولها، حيث يبيّن غوستاف لوبون مثلاً على أنّه: [… من الصّعب وضع خطوط واضحة بين الذّاتية والموضوعية في معالجة القضايا الفكرية، ذلك أنّ الذّاتية أو السّلوك الفردي من الصّعب إن لم يكن من المستحيل عزله عن الوسط الاجتماعي- الثقافي المحيط به، كما أنّه من غير الدّقيق حرمان الذّات الفردية من نواياها الخاصّة ومشاعرها الذّاتية، فكلا الجانبين في حالة تداخل وتفاعل أو صدام وتنافر].[19]

من هنا، وفي إطار تنسيب الأحكام، أستطيع القول بأنّه من الصّعب الفصل بين موقف المعتمد بن عبّاد كمثقف وكرجل سياسة فيما يخصّ معارضته للسلطة السياسية المرابطية، وبالتالي يمكن التلخيص بالقول أنّ الدّافع أو الهاجس السياسي كان المحوري في العلاقة المتوتّرة بين الطرفين، وهو دافع له معقوليته في إطاره الزماني والجغرافي، وإن اختلفتُ معه، فالمعتمد سعى لحماية مملكته بفكره وبسياسته من تدخّل المرابطين، لكنّه فشل في ذلك، فما هو المآل الذي واجهه المعتمد بن عبّاد في معارضته لحاكم المرابطين يوسف بن تاشفين؟

المبحث الثاني: مآل معارضة المعتمد بن عبّاد لدولة المرابطين:

يمكن القول أنّ خلافات ملوك الطوائف وتنامي قوّة النّصارى وتهديدهم المستمرّ لأرض المسلمين، وعدم رضا العامّة عن ولاة أمورهم ولاسيما العلماء والفقهاء والقضاة، كان سبباً في تصميم المرابطين بقيادة يوسف بن تاشفين في القضاء على ملوك الطوائف، بعد أن تبيّن له أنّ استمرارهم سيؤدّي لضياع البلاد وهلاك الرعية، وبهذا تحقّق تنبّؤ المعتضد والد المعتمد، وكذا نصيحة ابنه الرشيد، بخصوص تدخّل وشيك للمرابطين لضمّ الأندلس.

واختلفت الآراء بين من قال أنّ تدخّل يوسف بن تاشفين في الأندلس، لاستئصال ملوك الطوائف وتثبيت حكم المرابطين بالأندلس، جاء لمصلحة شخصية وأطماع سياسية، وفريق آخر قال أنّ التدخّل جاء في المصلحة العامّة للمسلمين، وليس هذا مجال مقالي، غير أنّ الأكيد أنّ يوسف بن تاشفين وجّه بالفعل جيوشه إلى الأندلس، وبدأت مدنها وحصونها تتساقط الواحدة تلو الأخرى في أيدي المرابطين. أدرك المعتمد أنّ معركته معهم معركة وجود، فتهيّأ لها مستعدّاً للدّفاع عن ملكه وسلطانه بكلّ ما أوتي من قوّة، واستعان بحليفه ألفونس السادس ملك قشتالة، فأعانه، غير أنّ ذلك لم يفده، فكانت القوّة والغلبة من نصيب جيوش ابن تاشفين، وأستدلّ في هذا المقام بشكل مختصر، بما ساقه ابن عذاري المراكشي، حيث ذكر: [سقطت قرطبة، وقُتل فيها الفتح بن المعتمد، وهو يدافع عن المدينة، وسقطت رندة، وقُتل ولده يزيد الراضي بالله بعد أسره، وظلّ المعتمد يُدافع عن إشبيلية حاضرة مُلكه، غير هيّاب، حتى دُخل البلد من كلّ باب، فلم يدفع الرّمح ولا الحسام، ولم تنفع تلك المتن الجسام، فتملك بعد الملك، وحطّ من فلكه إلى الفلك، فأصبح خائضاً تحدوه الرياح، ناهضاً يزجيه البكاء والنياح، وسقطت بذلك إشبيلية مملكة بني عبّاد عام 484ه في أيدي المرابطين].[20]

ويذكر التاريخ للمعتمد بن عبّاد أنّه قاتل دفاعاً عن ملكه، وظهر دوره كمثقف إلى جانب دوره كقائد سياسي وعسكري، فقد سخّر شعره لبثّ الحماسة في جنده وتحدّي المرابطين ورفض نصائح وزرائه الذين دعوه للاستسلام لجيوش يوسف بن تاشفين، حيث يقول المعتمد في شعره:[21]

قالوا: الخضوع سياسة… فليَبْدُ منك لهم خضوع

وألذّ من طعم الخضوع…. على فمي السّمّ النّقيع.

وتذكر بعض المصادر على غرار أحمد تمّام أنّ: [المعتمد في أغمات عاش المعتمد كاسف البال، كسير القلب، يُعامَل معاملة سيئة، ويتجرع مرَّ الهوان، ليس بجانبه من يخفف عنه مأساته، ويطارحه الحديث؛ فتأنس نفسه وتهدأ. ينظر إلى بناته اللواتي كنّ أميرات، فيشقيه أنهن يغزلن ليحصلن على القوت، ولكنه كان يتجلد ويتذرع بالصبر].[22]

وكان المعتمد يلجأ إلى شعره، فينفّس عن نفسه بقصائد مُشجية مؤثّرة. ومن الأمثلة على ذلك: تدخل عليه بناته السجن في يوم عيد، فلما رآهن في ثياب رثة، تبدو عليهن آثار الفقر والفاقة، انسابت قريحته بشعر شجي حزين:[23]

فيما مضى كنتَ بالأعياد مسرورا….. فساءك العيدُ في أغمات مأسورا

ترى بناتك في الأطمارِ جائعة….. يغزلْن للناس لا يملكْنَ قِطميرا

برزْن نحوَك للتسليمِ خاشعةً……. أبصارُهنَّ حسيراتٍ مكاسيرا

يطأْنَ في الطين والأقدام حافية….. كأنها لم تطأْ مسكا وكافورا.

وممّا يُستفاد منه أنّ مصير المثقف المعارض للسلطة السياسية، وقوامه المعاناة والتنكيل، لا يطاله لوحده، فبالإضافة إلى ما عانته بنات المعتمد من فقر وفاقة وشظف عيش كما بيّنت، يذكر أحمد تمّام أنّ زوجة المعتمد بدورها عانت، حيث يشير إلى أنّ: [ وطأة الأَسْرِ اشتدّت على اعتماد الرميكية زوجة المعتمد، ولم تقوَ طويلا على مغالبة المحنة، فتُوفيت قبل زوجها، ودُفنت بأغمات على مقربة من سجن زوجها. وطال أَسْر المعتمد وسجنه فبلغ نحو أربع سنوات حتى أنقذه الموت من هوان السجن وذلّ السّجّان، فلقي ربه في (1095م) ودُفن إلى جانب زوجته].[24]

ويمكن أن نستنتج من هذا الأمر أنّ التنكيل والعقاب هو المآل الذي ينتظر المثقف أو رجل الدّين أو السياسي أو الناشط في المجتمع المدني أو المصلح الاجتماعي… أو غيرهم ممّن يختارون معارضة السلطة السياسية، حيث تعتبرهم هذه الأخيرة خصوماً لا مناص من مواجهتهم والتخلّص منهم، لأنّها تستشعر خطرهم عليها وتخشى تعاطف الجماهير معهم، وبالتالي التمرّد على السلطة، وأذكّر مرة أخرى بخصوصية حالة المعتمد بن عبّاد كنموذج، كونه يجمع بين كونه رجل فكر ورجل سياسية معاً، حيث جمع إليه وظيفة القلم إلى جانب وظيفة السيف، وبالتالي سخّر مشروعه السياسي إلى جانب أفكاره في مجابهة خصومه، ويصعب وضع فصل حادّ بين الأمرين، لأنّ الذاتي والموضوعي هنا متداخلان ومنسجمان.

بعد أن حاولت في المحور الأول الانفتاح على نموذج المثقف المعارض في عهد الدّولة المرابطية، أنتقل إلى المثقف المعارض في عصر الدولة الموحّدية، وأطرح السؤال التالي: إلى أي حدّ استطاعت تجربة ابن رشد الحفيد في علاقته الصِّدامية مع السلطة السياسية الموحدية متجلية في السلطان يعقوب المنصور الموحدي ورجال بلاطه من علماء ومستشارين، أن تبرز للباحثين أوجه ودوافع ومآلات صدام مواجهة المثقف المعارض للسلطة؟

المحور الثاني: المثقف المعارض في عصر الدولة الموحدية (نموذج أبو الوليد محمد بن أحمد بن رشد “الحفيد” (1198-1126م):

الأوجه والدوافع والمآل.

  • مدخل:

أنتقل إلى المثال الأكثر وضوحاً لمواجهة الفكر للسيف ومواجهة المثقف للحاكم وبطانته من علماء ورجال دين وغيرهم، ذلك أنّ ابن رشد باعتباره فيلسوفاً سعى لإيجاد مكانة بارزة ومرموقة للفلسفة في المجتمع الإسلامي، وقد تصدّى الفقهاء والعلماء المعاصرون له لفكرته هو ومن يتماهى مع طرحه من المفكّرين، حيث اعتبروا الفلسفة نوعاً من التجديف والتطاول على الدين ورموزه ونصوصه.[25] وبدوره تصدّى ابن رشد لهذه الفكرة، حيث نجده قد ردّ مثلاً على كتاب تهافت الفلاسفة للإمام الغزالي، حيث ألّف كتاب تهافت التهافت وهاجم بضراوة أفكار خصمه وحاول هدم حججه الواحدة تلو الأخرى،[26] بما لا يتسع المجال للخوض فيه في هذا المقال.

هذا الجدال بين المعسكرين خلق نقاشاً فكرياً شبيهاً بالنقاشات التي عرفتها فترات غير بعيدة، مثل مسألة خلق القرآن ومحنة الإمام أحمد ابن حنبل مع الخلفاء العباسيين وحلفائهم من المعتزلة، وقضية حرق كتب إحياء علوم الدّين للإمام الغزالي على يد المرابطين بتحريض من علماء وفقهاء وقضاة المرابطين، رغم أنّ الغزالي لم يكن يعيش في كنف الدولة المرابطية. والقاسم المشترك بين هذه الحوادث أنها خلفت في كلّ حادثة منها نقاشاً فكرياً بين مختلف العلماء من تيارات ومشارب مختلفة حول فهم الدّين أو جزئيات منه وكيفية التعاطي معها (المعتزلة والمتكلّمين في مواجهة الأصوليين، الأصوليون في مواجهة الفروعيين، المجددّون في مواجهة التقليديين، الداعون لإعمال العقل في مواجهة المتقيّدين بحرفية النصوص… الخ).

وأستدلّ على هذا المعطى بما ذهب إليه الجابري في قضية محنة ابن رشد مع سلطان الموحدين، حيث ذكر أنّ: [… يعقوب المنصور الموحدي في مواجهته مع ابن رشد، سار على منوال الخليفة المأمون العباسي في محنة “خلق القرآن” عندما قرّر إلحاق الأذى بابن رشد وجماعة من العلماء، وتنفيذ “النكبة” التي قرّرها لهم، حيث أصدر منشوراً يتّهمهم فيه بالتّهمة نفسها، وهي الانحراف عن الدّين في كُتُب لهم وصفها بأنّها: “مسطورة في الضّلال، ظاهرها موشّح بكتاب الله، وباطنها مُصرِّحٌ بالإعراض عن الله، أسياف أهل الصليب دونها مفلولة وأيديهم عن ما يناله هؤلاء مغلولة”، وقد عمّم يعقوب المنصور هذا المنشور من قرطبة على نواحي مملكته بالمغرب والأندلس].[27]

وكانت السلطة السياسية في كلّ هذه المواجهات بين العلماء من المشارب المختلفة تلتزم صفّ أحد الفريقين، وغالباً ما تنحاز إلى علماء بلاطها ورجال الدين، باعتبارهم المدافعين عن الفكرة الأكثر تأثيراً في الجماهير، حتّى تبرز بمظهر المدافع عن الدين والحامية له، لمعرفتها اليقينية بعمق تأثيره على الناس في المجتمعات الإسلامية، وتكرّس بذلك شرعيتها وأحقيتها في الحكم، وتلمّع صورتها لدى عموم الناس لضمان ولائهم لها وعدم تمرّدهم عليها، وهذا في تقديري مركز الصراع بين المثقف المعارض والسلطة السياسية وحلفائها، فكلاهما يراهن على الناس لنصرة فكرته.

المبحث الأول: أوجه ودوافع معارضة ابن رشد للسلطة السياسية في عهد أبي يوسف يعقوب بن يوسف المنصور.

بعد المدخل أنتقل إلى عرض دوافع معارضة ابن رشد للسلطة السياسية، حيث أنّ محنة الفيلسوف ابن رشد مع السلطان أبو يعقوب الموحدي، تنحصر حسب ما ذهب إليه علي أومليل في سببين، أحدهما سياسي والآخر فكري، وهما: [… سعيه لفرض موقع للفلسفة في المجتمع الإسلامي، فابن رشد الذي كان فيلسوفاً وفقيهاً في الآن نفسه، كان قد اكتسب مكانته العالية في المجتمع الأندلسي من كونه فقيهاً لا فيلسوفاً، خصوصاً أنه هاجم المشتغلين بعلم الكلام الذين عدّهم محرّضين للعامّة لكي يخوضوا في العلم والسياسة. وقد كانت معركة ابن رشد ضدّ أصحاب علم الكلام معركة سياسية ضد أفكار “ابن تومرت” سلطان الموحّدين في المغرب، ولكن هجومه على المتكلّمين كان أيضا محاولة لإيجاد مكان للفلسفة في المجتمع الإسلامي].[28]

ويتأكّد هذا الأمر في حالة ابن رشد التي نحن بصددها، بالرجوع إلى المصادر التاريخية من قبيل كتاب الذيل والتكملة وكتاب الموصول والصلة لابن عبد الملك المراكشي، فإنّ سبب الخلاف بين السلطان الموحّدي وابن رشد له تفسير سياسي تمّ صبغه بتأويل ديني كما جرت به العادة فيما يخصّ علاقة المثقف المعارض بالسلطة السياسية في تلك الفترة، حيث ذكر المراكشي أن: [كتب ابن رشد شكّلت خطراً على الدّولة، لدرجة أنّ خطورتها ضاهت خطورة “أسياف أهل الصّليب” كما جاء في منشور المنصور الذي كان بمثابة إعلان حرب على ابن رشد وبعض الفلاسفة، وقد لعب منافسو ابن رشد وحُسّاده على مكانته في البلاط الموحدي دوراً في محنته، واجتهدوا للإيقاع به لدى الخليفة، حيث جاءوا بكتبه، واستخرجوا منها عباراتٍ ونصوصاً اعتقدوا أنها تُدينه وتُثبت خروجه عن الشريعة الإسلامية، وسافروا من إشبيلية إلى مراكش، وفشلوا في لقاء الخليفة لانشغاله بحرب النصارى في معركة الأرك، وبقوا في مراكش وكرّروا محاولتهم واجتهدوا في ذلك، حتّى طرحت هذه القضية على الخليفة ونُوقشت في مجلسه، وتمّ تأويل نصوص ابن رشد “أسوأ تأويل”، رغم أنّ ابن رشد كثيراً ما شدّد على احترام سنن الشريعة].[29]

ويشير الجابري إلى: [… وجود روايات تاريخية متعدّدة تحدّثت عن نكبة ابن رشد، ومن بينها نقمة المنصور والأسرة الحاكمة على ابن رشد لأنّه لقّب خليفة الموحدين ب “ملك البربر”، ويتعّلق الأمر حسب الجابري بملك البرّين، برّ الأندلس وبرّ المغرب، وكان الأمر عبارة عن خطأ في النّسخ].[30] وساق الجابري العديد من الروايات وقال بأنّها: [… تناقض بعضها بعضاً بما فيها روايات المستشرقين الإسبان، ليبقى في نظره أنّ السبب الوجيه لمحنة ابن رشد هو سياسي بالأساس، حيث ناقش في كتبه الفلسفية السياسة بطريقة فلسفية برهانية “أفلاطونية” فيها الجدال والسّجال بعيداً عن الميتافيزيقا، مثل متى وكيف تكون العدالة صفة ومقوّماً أساسية للدّولة].[31]

المبحث الثاني: مآل معارضة ابن رشد للسلطة السياسية في عهد الموحّدين.

بعد أن قرّر سلطان الموحدين يعقوب المنصور معاقبة ابن رشد، عمل على أن تكون المحاكمة علنية، لإقناع الجمهور بأنّ ابن رشد اقترف ما يبرّر عقابه وأنّه يستحقّ ما سيحلّ به، لأنّ الأمر يتعلّق بالدّين، وكان هذا السّبب هو الظّاهر أو الذي يُراد إقناع العامّة به، والأسباب الحقيقية في صلبها سياسية ولها معقوليتها كما أسلفت، وأضيف إليها علاقة ابن رشد الوطيدة بأخ السلطان وواليه على قرطبة، والتي كان السلطان ينظر إليها بعين الريبة.

ويؤكّد الجابري هذا المعطى سالف الذّكر، حيث يذكر أنّ: [… يعقوب المنصور بعد أن استمع لخصوم ابن رشد، قرّر أن يعقد له ولشخص ثانٍ هو القاضي أبو عبد بن إبراهيم جلسة محاكمة علنية في جامع قرطبة، حتّى يعرف الجميع أنّ ابن رشد، يستحقّ اللعن لمروقه عن الدّين، وجيء بابن رشد وانعقد مجلس للقضاء، الذي ترأّسه الخطيب أبو علي بن حجّاج الذي عرّف الحضور بمروق المتّهمين عن الدّين ومخالفتهما لعقائد المؤمنين. وهناك كذلك رواية تاريخية مفادها أنّ أحد أسباب محنة ابن رشد علاقته الوطيدة بأبي يحيى أخ يعقوب المنصور الأصغر وواليه على قرطبة].[32]

وفي تقديري، فإنّ السلطان الموحدي عمل من خلال توجيهاته بمحاكمة ابن رشد علنياً على تحطيم رمزية ابن رشد ومن معه من العلماء، وزعزعة سلطتهم الثقافية لدى العامّة، قبل أن يُسلّط عليهم عقابه، حتّى يستسيغ الناس عقوبتهم ولا يعترضون على ذلك، لاسيما أنّ هذا الحاكم خاطب وجدان المجتمع من خلال تغليف منشوره بصيغة دينية.

ويؤكّد الجابري هذا المعطى، حيث يذكر أنّ: [… يعقوب المنصور خاطب بمنشوره جمهور الناس، عامّتهم وخاصّتهم، فحذّرهم على إيمانهم من هؤلاء العلماء الذين سمّاهم بالملحدين والشرذمة التي تنشر سمومها، وأنّ من عُثِر عنده على كتبهم فجزاؤه النّار مثل أربابه. وبالفعل فقد تمّ نفي ابن رشد إلى بلدة اسمها أليسانة نواحي قرطبة، كما نفى بعض العلماء وفرّقهم وفرّ آخرون، وأمر بإحراق كتب الفلسفة و”علوم الأوائل” إلا علوم الطّب والفلك والحساب].[33]

وما يمكن استنتاجه أو تأكيده ممّا سبق، أولاً أنّ السلطة السياسية سعت في ذلك السياق الزمني (عصر الموحدين وقبله المرابطين) إلى تغليف الخلاف السياسي مع المثقف المعارض بقناع ديني، ليكون عقاب ذلك المثقف أكثر إقناعاً للعامّة، بحكم أنّ الطرفين معاً يتنافسان على إرضائهم، وثانيا: دور علماء البلاط أو وعّاظ السلاطين من علماء ورجال دين في الإيقاع بالمثقفين أو ذوي الفكر وسلطة المعرفة، وبالتالي تكريس منطق الصّدام بين السلطة السياسية من جهة والسلطة الثقافية من جهة أخرى، كما أنّ هذا الصّدام يغذّيه ويعمل على استمراره ذوو النفوذ الديني المتحالفون مع السلطة السياسية، وهذه الأخيرة أيضاً تعتمد على فتاوى علمائها وتأثيرهم على العامّة للتنكيل بالمثقف المعارض أصلاً لأسباب سياسية لها معقوليتها في كثير من الأحيان.

خاتمة:

اخترت في هذه المقالة البحثية نموذجين من المثقّفين المعارضين للسلطة السياسية في التاريخ الوسيط في الغرب الإسلامي إبّان دولتي المرابطين والموحّدين، وإن اختلفت معارضتهما للسلطة من جهة قوّة الخطاب وتماسك المشروع الفكري وحجّية الطّرح، فالمعتمد بن عبّاد سخّر فكره وسيفه في البداية لدعم المرابطين ويوسف بن تاشفين عندما حارب النصارى في معركة الزلاقة بقيادة ملكهم ألفونسو السادس، ذوداً عن حوزة الأندلس وإنقاذاً لأهلها من الخطر الداهم الذي شكّلته مملكتا قشتالة وليون، في ظلّ الضعف والتشرذم السياسي في عهد ملوك الطوائف، غير أنّ المعتمد بن عبّاد عاد ليغيّر سياسته وأفكاره ويوجّههما ضدّ الدولة المرابطية وأميرها يوسف بن تاشفين عندما أراد هذا الأخير إنهاء حالة الانقسام بالأندلس. هنا رفض ابن عبّاد سياسة المرابطين وعارضهم ثقافياً وفكرياً واختلف معهم سياسياً وحاربهم عسكرياً، فكان مصيره الأسر والمنفى.

أمّا ابن رشد فقد سخّر فكره لتعزيز موقع ومكانة الفلسفة في المجتمع الأندلسي خاصّة والإسلامي عامّة، وكانت له بعض الانتقادات والملاحظات على فكر المهدي بن تومرت مؤسّس الدولة الموحّدية وخاصّة فكرة المهدوية، إضافة لما ذكرته المصادر التاريخية من أسباب سياسية جرّت عليه نقمة سلطان الموحّدين وحاشيته وعلماء بلاطه.

ويبقى القاسم المشترك بين النموذجيْن المختاريْن هو العقوبة المسلّطة عليهما من السلطة بسبب معارضتهما ومواقفهما، والتي تنوّعت بين الأسر والسّجن والنّفي (حالة المعتمد بن عبّاد) وحرق الكتب (حالة ابن رشد).

وتنبغي الإشارة إلى التعقيد والاشتباك فيما يخصّ علاقة ذوي الفكر بذوي السياسة، علماً أنّه كثرت التعريفات التي تعطى لذوي الفكر (المثقفين) وتنوّعت واختلفت وأحيانا تضاربت، ومن المفكّرين والباحثين من وسّع لائحة المثقفين ومنهم من اختزلها، ومنهم من رأى في المثقف كائناً فردياً ومنهم من رآه جمعياً أو الصفتين معاً، ومنهم من يهمّه من صفات المثقفين علمهم وعقلهم وأفكارهم، ومنهم من يضيف لذلك أخلاقهم، ومنهم من يزيد الوعي السياسي والاجتماعي والحسّ النقدي.

وحاولت خلال المقال أن أوضح أنّ ما يزيد من تعقيد العلاقة بين المثقف والحاكم، تضارب سلطة المثقف الذي يستمدها من تفكيره وعقله ويترجمها إلى كتابة ولغة وخطاب، وسلطة الدولة التي تسعى إلى فرض “نظامها” بالقوة، وبالتالي تتعامل مع السلطة الأخرى وفق منطقين هما الاحتواء والتدجين أو المواجهة والتنكيل، ويمكن إضافة منطق آخر هو التّهميش، وحتى المثقفون الذي يضعون سلطتهم الثقافية والفكرية رهن إشارة ذوي السلطة السياسية، فهذه الأخيرة تُحول معظمهم إلى موظفين عموميين عندها أو مستشارين لها، كما بيّنت استعانة أهل السياسة بالمثقفين المتحالفين معهم ليقارعوا بهم المثقفين المعارضين لهم، واستغلال الدّين وتوظيفه لضرب مصداقيتهم لدى العامّة. وهذا عامل آخر يغذّي الصراع بين المثقف والحاكم وهو دخول علماء السلطة على الخطّ.

وعلى الرغم من التعقيد والتشابك في مفهوم ووظيفة المثقف وازدياد التعقيد والتشابك في علاقته بالسلطة عموماً والسلطة السياسية على وجه أخصّ، فقد حاولت في هذا المقال أن أنفتح على محطّة تاريخية مهمّة في التاريخ الإسلامي الوسيط، من خلال رصد بعض تمظهرات معارضة العلماء والمثقفين للسلطة السياسية في الغرب الإسلامي (دولة المرابطين ودولة الموحدين).

وعليه، أستنتج أنّ ثوابت علاقة المثقف بالسلطة السياسية في تاريخ الغرب الإسلامي كالتالي:

– حرص الطرفين معاً على تقوية سلطتهما إزاء بعضهما ومحاولتهما استمالة العامّة في صفّهما.

– التباس السياسة بالدين في علاقة الطرفين.

– حاجة السلطة السياسية الملحّة لمثقفين تبريريين لشرعيتها.

– تعامل السلطة السياسية مع المثقف بمنطق الاحتواء أو التنكيل.

– وجود مصلحة لدى الطرفين تحدّد طبيعة العلاقة بينهما.

– تأثير واقع المجتمع ونوعية الوعي المكتسب لدى المثقف في علاقته بالسلطة السياسية.

أمّا فيما يخصّ المتغيّرات، فأرى أنّ ما تغيّر هو نوع الخطاب الذي يستعمله المثقف والقنوات التي يلجأ لها لإقناع الجمهور، مثلاً في بداية العلاقة كان الشعر المؤسّس على العاطفة والهواجس هو الخطاب الرائج (مثال المعتمد بن عبّاد)، ثم الكتب والخطابة المبنيان على المنطق العقلي (مثال ابن رشد)، ومع تطوّر الوقت، أصبحت الخرجات الإعلامية والبرامج التلفزيونية والانترنت. واستغلّت السلطة السياسية التأثير الإعلامي والفنّ لشيطنة المثقف المعارض وتلميع صورة المثقف الموالي لها، عوض الاكتفاء فقط بالتحالف مع رجال الدين أو من يصطلح عليهم بـ”علماء البلاط أو وعاظ السلاطين” كما كان سابقاً.

وأؤكّد في هذا الصّدد على أنّ علاقة السّلطة السّياسية بما لها من قوّة وحلفاء وإغراءات، بالمثقّف، سواء المعارض أو الموالي لها بما له من سلطة معرفية، هي علاقة شديدة التعقيد والتّشابك بحيث يصعب تفكيكها بسهولة.

وأختم بالتأكيد أن الدوافع التي أبداها المثقف في معارضته للسلطة السياسية قد ارتبطت دوماً بالمصلحة (شخصية كانت أو عامّة) وبالنوازع الفردية التي يتمّ تحويلها إلى أفكار ورؤى ومواقف عن طريق الشعر أو الخطابة أو الكتابة، ومن شأن هذه الأفكار أن تعلي من شأن ومكانة المثقف عند الجمهور، لاسيما في ظلّ ظروف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية معيّنة، وبالتالي من شأن هذه المعارضة من طرف المثقف أن تشكّل تهديداً للمشروع السياسي أو المشروع الثقافي والإيديولوجي للسلطة السياسية الحاكمة، ومن خلالها للدّولة ككلّ.

ويؤكّد هذا المعطى فضيل أحمد غباري، حيث يرى أنّ: [… المثقف في هذه المعادلة محكوم بشكل دائم بنوعية هويته الذاتية، والتي هي جزء لا يتجزّأ من هويته الجماعية (الثقافة)، وهذه الأخيرة تحتوى على عناصر مكوّناتها الرئيسية… إنّ الإنسان في بنيته النفسية والفكرية تتحكّم فيه حاجاته الطبيعية الفيزيولوجية، فيبحث عن توفيرها لضمان بقائها، لبقائه محاطاً بمشاعر عاطفية تتراوح ما بين الرّضا والقناعة أو الإفراط والإسراف على نحو ما، كدافع ومحفّز وصولاً إلى الحاجة لتقدير الذات والثقة بها، والميل لاكتساب ثقة وتقدير الآخرين. ومن هذا المرتكز فإنّ العلاقة بين الحدّين الثقافي والسياسي تظهر، في شكل صورة نمطية، لا على شكل معيّن بصورة ستاتيكية، بل بصورة متغيّرة وديناميكية، فهي إمّا علاقة هادئة ومتعاونة أو متناقضة ومتصارعة، على قاعدة المصلحة وكيفية النّظر إليها، فيما إذا كانت مصلحة خاصّة أو عامة].[34]

وبالتالي أرى أنّ صراع المثقف المعارض مع السلطة السياسية، إن جاز تسميته صراعاً، هو بالأساس صراع على استمالة الجمهور واكتساب الثقة والمصداقية والمكانة داخل المجتمع، وهذا المعطى يؤكّده غباري بتأكيده على أنّه: […لا مناص من الإقرار بأنّ الإشكالية تبقى واحدة بين المثقف والسلطة السياسية، من حيث أنّ كلا الطّرفين يسعى إلى تأكيد مكانته في المجتمع، والحفاظ على بنيته موحّدة، فالإشكالية إذاً تكمن في توصيف نوع تلك العلاقة بينهما، مع الأخذ بعين الاعتبار الخلفية والاجتماعية المكوّنة لهما أي لتلك الثنائية].[35]

وأرى أنّ علاقة المثقف المعارض بالسلطة السياسية في عهد الدولتين المرابطية والموحّدية، تعقّدت وتوتّرت بالأساس بسبب تضارب المصالح السياسية والقناعات الفكرية، وبسبب اختلاط السياسي بالديني وصعوبة وضع حدّ فاصل بينهما.

ومن باب المقارنة فقد عرف المشرق الإسلامي في ذات السياق الزمني تقريباً، نفس العلاقة المتوتّرة بين المثقف المعارض والسلطة السياسية، ممّا يدلّ على أنّ الأمر يتعلّق بموروث ثقافي في التاريخ الإسلامي بصفة عامّة. ومن الأمثلة التي يمكن الاستدلال بها في هذا السياق حادثة قتل السلطان صلاح الدّين الأيوبي للفيلسوف “الإشراقي” شهاب الدّين أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك السهروردي مؤلّف كتب: “المعارج والمطارحات” و”حكمة الإشراق” و”اللمحة” و”هياكل النور” و”التلويحات اللوحية والعرشية” بتهمة الزندقة، وكان ذلك سنة 586 هجرية في قلعة حلب، استناداً على فتوى من علماء حلب وعلى رأسهم “الزين” و”المجد” ابنا جهبل، وقد قُتل وهو ابن ستّ وثلاثين سنة، وكان من علماء المتصوّفة وأقطابهم، قيل قُتل بالسيف وقيل حُبس ومات جوعاً، ونُسب إلى المقتول سوء معتقده كما ذكر ذلك ابن حجر العسقلاني في كتابه الميزان والذهبي في أعلام سير النبلاء وغيرهم، والرّاجح هو قتله بسبب وشاية فقهاء عصره به لدى صلاح الدين الأيوبي لكونه معلّم ابن السلطان، وكانت حجّتهم الخشية من أن يتأثّر ابن السلطان بأفكار معلّمه فتفسد عقيدته، وبالتالي لن يكون أهلاً لحكم المسلمين. وكان السهروردي زميل دراسة لفخر الدّين الرازي.[36]

وأختتم باقتراح التوصيات التالية:

1- توسيع دور المثقفين ليشمل مختلف أوجه الحياة فكرياً وسياسياً واجتماعياً وغيرها.

2- تقبّل الحكّام لآراء المثقفين وسعة صدرهم للآراء النقدية من باب النصيحة السياسية، لاسيما أنّ في الدين الإسلامي ما يدعم ذلك، من خلال حديث رواه مسلم في صحيحه من حديث تميم الداري عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [الدين النصيحة، قلنا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم]، واعتبار النصيحة نوعاً من النقد التقويمي مصداقاً لمقولة عمر بن الخطّاب رضي الله “رحم الله من أهدى إليّ عيوبي”، لذلك ينبغي للسلطة السياسية الحاكمة اعتبار تقبّل رأي المثقف المعارض بصدر رحب، ما دام يحترم أدبيات التخاطب، وأسلوب الحوار، وصادراً ممّن كان فعلاً مثقفاً، وهنا أستثني بعض من يمكن تسميتهم بالمثقفين “الدّجّالين” أو أشباه المثقفين الذين يكون غرضهم من المعارضة أو الموالاة كذلك تحقيق مآرب شخصية أو مصالح فئوية أو حزبية.

3- تأسيس أكاديمية مستقلّة للمثقفين، تكون مستقلّة استقلالاً حقيقياً عن الأحزاب والسلطة وجماعات الضّغط، تضمّ مثقفين ممّن عُرفوا بأصالة الرأي والكفاءة العلمية والبحثية الأكاديمية والمواقف الشجاعة في التعبير عن آرائهم ومواقفهم.


فهرس المراجع والمصادر:

1- أومليل علي، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الثانية، بيروت، أكتوبر 1998.

2- ابن الأبار أبو عبد الله محمد بن أبي بكر القضاعي، الحلة السيراء، تحقيق حسين مؤنس، دار المعارف مصر، طبعة 2، 1985.

3- ابن بسّام، الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عباس، الدار العربية للكتاب، ليبيا- تونس، 1981.

4- ابن خاقان الفتح، قلائد العقيان في محاسن الأعيان، تقديم محمد العناني، المكتبة العتيقة، تونس، 1966.

5- ابن رشد أبو الوليد بن محمد، تهافت التهافت، تحقيق سليمان دنيا، سلسلة ذخائر العرب 37، دار المعارف، القاهرة – مصر، الطبعة الأولى، 1964.

6- ابن عباد المعتمد، ديوان المعتمد بن عبّاد، تحقيق حامد عبد المجيد وأحمد أحمد بدوي، دار الكتب المصرية، القاهرة، الطبعة 3، 2000.

7- بالاثيا آنخيل جونزاليز، تاريخ الفكر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، 1955.

8- بنعبد العالي المختار، الثقافة العربية ومعطيات الواقع الراهن والآفاق المتطورة، مجلة الوحدة، العدد 101-102، المجلس القومي للثقافة العربية، باريس، فبراير – مارس 1993.

9- زناتي أنور، إشكالية الفقه والسياسة في الأندلس خلال عصر المرابطين، مقال منشور بتاريخ 23/08/2014، على الموقع الإلكتروني لدار عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بمصر. http://www.dar-ein.com

10- الجابري محمد عابد، المثقفون في الحضارة العربية محنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية يناير 2000.

11- السامرائي أسامة عبد الحميد، دور الفقهاء في السياسة المرابطية وإحراق كتاب إحياء علوم الدّين، مجلة البحوث والدراسات الإسلامية، ديوان الوقف السني، العدد 24، العراق، 2011.

12- عطية أحمد عبد الحليم، جاك دريدا والتفكيك، سلسلة أوراق فلسفسة، دار الفارابي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى 2010.

13- العودات حسين، المثقف العربي والحاكم، دار الساقي، بيروت- لبنان، الطبعة الأولى 2012.

14- الغزالي الطوسي أبو حامد محمد بن محمد بن محمد، تهافت الفلاسفة، تحقيق سليمان دنيا، سلسلة ذخائر العرب 15، دار المعارف، القاهرة – مصر، الطبعة الرابعة، دون تاريخ.

15- غوميز إميليو غرسية، الشعر الأندلسي، ترجمة حسين مؤنس، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 1956.

16- لوبون غوستاف، سيكولوجية الجماهير، ترجمة وتقديم هاشم صالح، دار الساقي، بيروت، الطبعة العربية الأولى 1991.

17- لوفيفر هنري، الدولة والسلطة، ترجمة حسن أحجيج، مقال منشور بالموقع الإلكتروني لمجلة أنفاس. https://www.anfasse.org

18- المراكشي ابن عذاري أبو العباس أحمد بن محمد، البيان المُغرب في اختصار أخبار ملوك الأندلس والمغرب، الجزء 2، تحقيق بشار عواد معروف ومحمود بشار عواد، دار المغرب الإسلامي، تونس، الطبعة الأولى، 2013.

19- المراكشي الأوسي الأنصاري أبو عبد الله محمد بن محمد بن عبد الملك، الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة، المجلد الثاني، تحقيق إحسان عباس ومحمد بن شريفة وبشار عواد معروف، الناشر دار الغرب الإسلامي، تونس، الطباعة دار صادر، بيروت، الطبعة الأولى 2012.

20المقري التلمساني أحمد بن محمد، نفح الطيب في غصن الأندلس الرطيب، تحقيق إحسان عباس، دار صادر لبنان، 1979.

21- ناصيف عبد الله إبراهيم، السلطة السياسية: ضرورتها وطبيعتها، دار النهضة العربية، القاهرة، 1982.

22- هنية عبد الحميد، حول التحقيب التاريخي، ندوة التحقيب في التاريخ العربي الإسلامي، مجلة أسطور للدراسات التاريخية، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة- قطر، العدد 3، يناير 2016.


[1] – عندما أذكر مصطلح “تفكيكية”، فإنني أشير إلى استخدامه الفلسفي لدى “جاك دريدا” الذي يفرّق بين التفكيك (Déconstruction) والهدم (Destruction)، حيث يقصد بالتفكيك نوعا من إعادة النظر في أشكال التأسيس أو الحفريات من باب الاختلاف. (عطية، 2010، صفحة 187 و188).

[2] – (العودات، 2012، صفحة 108 و109).

[3]– هنية، عبد الحميد. 2016، “حول التحقيب التاريخي، ندوة التحقيب في التاريخ العربي الإسلامي”. مجلة أسطور للدراسات التاريخية: 3: 226.

[4] – (الجابري، 2000، ص 24).

[5] – (أومليل، 1998، ص 54).

[6] – (زناتي. 2014. إشكالية الفقه والسياسة في الأندلس خلال عصر المرابطين). http://www.dar-ein.com/articles/797/

[7] – (ناصيف، 1982، ص 49).

[8] – (لوفيفر. 2014. الدولة والسلطة). https://www.anfasse.org

[9]– بنعبد العالي، المختار. (1993). “الثقافة العربية ومعطيات الواقع الراهن والآفاق المتطورة”. مجلة الوحدة: (101-102): 47.

[10] – السامرائي، أسامة عبد الحميد. (2011). “دور الفقهاء في السياسة المرابطية وإحراق كتاب إحياء علوم الدّين“. مجلة البحوث والدراسات الإسلامية: 24: 16 – 17.

[11] (التلمساني، 1979، المجلد 1 ص 221-222. المجلد 4 ص 358).

[12] – (القضاعي، 1985، طبعة 2، ص 128).

[13] – (غوميز، 1956، ص 45).

[14] – قال عنه غرسية غوميز: “كان يمثّل الشعر من ثلاثة وجوه، أوّلها أنّه كان ينظم شعراً يثير الإعجاب، وثانيها أنّ حياته نفسها كانت شعراً حيّاً، وثالثها أنّه كان راعي شعراء الأندلس أجمعين، بل شعراء الغرب الإسلامي كلّه”. المرجع: (بالاثيا، 1955، ص 89).

[15] – (ابن بسّام، 1981، ص 13).

[16] – (بالاثيا، 1955، ص 95).

[17] – (بالاثيا، 1955، ص 100).

[18] – (ابن خاقان، 1966، ص 51).

[19] – (لوبون، 1991، ص 6).

[20] – (ابن عذاري المراكشي،2013، ص 447).

[21] – (ابن عباد، 2000، ص 88).

[22] – (تمام. دون تاريخ. المعتمد بن عباد من المُلك إلى المنفى (في ذكرى سقوط دولته: 22 من رجب 484ه). https://archive.islamonline.net/8959

[23] – (ابن عباد، 2000، ص 100- 101).

[24] – (تمام. دون تاريخ. المعتمد بن عباد من المُلك إلى المنفى (في ذكرى سقوط دولته: 22 من رجب 484ه). https://archive.islamonline.net/8959

[25] – (الطوسي، دون تاريخ، ص 73).

[26] – (ابن رشد، 1964، ص 55 وما بعدها).

[27] – ( الجابري، 2000، ص 119- 120).

[28] ( أومليل، 1998، ص 167 وما بعدها).

[29] – (المراكشي 2012، ص 154).

[30] – ( الجابري، 2000، ص 127).

[31] – ( الجابري، 2000، ص 139).

[32] – ( الجابري، 2000، ص 126).

[33] – ( الجابري، 2000، ص 120-121).

[34] – (غباري، 2018، ص 3 – 4).

[35] – (غباري، 2018، ص 4).

[36] – (سعد. 2014. السهروردي عالم شابّ قتله الفقهاء غيظاً من علمه.) https://alarab.co.uk/

 

4 تعليقات
  1. تاشفينية يقول

    أحسنت و وفيت و كفيت
    موضوع متميز مزيدا من التفوق و الإبداع دكتور

  2. فضيل الغباري يقول

    اشكر الدكتور ياسين العمري على هذا المقال الجميل

  3. أمير الدين ياسين أحمد يقول

    مقال غاية في الروعة تحياتي دكتور وبالتوفيق لسيادتكم.

  4. يوسف بنعبد الله البقالي يقول

    تصفيقات حارة بصراحة مقال رصين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.