منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بحثا عن تنظيم الاختلاف ضمن مرجعية فكرية موحدة

د. خالد العسري

0

نشر هذا المقال بمجلة منار الهدى العدد الثاني

قراءة وتنزيل المقال pdf

يقف الديمقراطيون مشدوهين أمام الامتداد الشعبي السريع للحركة الإسلامية، يفسر مفسرهم ذلك بأن ” المثقفين لديهم ما يقـولون، ولكن لا يعرفون كيف يقولون، بينما يعرف الإسلاميون كيف يقولون، وإن كان ليس لديهم ما يقولون “، وما بين معرفة الخطاب وكيفية تصريفه، يتعلم المثقف الديمقراطي كيف يغلف مقولاته بالشعار الإسلامي، فعل يستثمره الإسلامي الحذق ليطرح سؤال الهوية على الفاضـل الديمقراطي:

ـ لماذا لا يتم تنظيم الاختلاف من داخل المرجعية الإسلاميـــة؟

ـ لماذا يرفض الفرقاء السياسيون الاجتماع لصياغة ميثاق ينال إجماع الاختلاف من داخلــه؟

ـ بل لماذا لا نقبل بداية حتى الحوار عن ميثاق يبنى على الأصول الإسلامية، وكلنا يعلن انتماءه للإسلام؟

المزيد من المشاركات
1 من 32

1 – الحركة الإسلامية وإعادة طرح سؤال: ما الإسلام؟

عندما نتحدث عن الحركة الإسلامية، فإنه يفترض أننا نتحدث عن حركة منظمة تعي مسؤولياتها التاريخية، التي ندبت نفسها للتصدي لإحقاقها، عبر تصور نظري محكم، يضع الأهداف في مراحل، ويرسم الخطط، ويطرح الوسائل الكفيلة بإخراج الأمة من غثائيتها، لتتقدم من وراء الصفوف لتكون لها الإمامة على المجتمعات البشرية. إن الانتقال من درك الغثائية إلى مقام الأستاذية يستلزم بالضرورة قيادة حكيمة، تجعل من أي حركة في العمل السياسي مجازفة مدروسة تعطي أكلها ولو بعد حين.

لكن أيتحدد الفاعل التاريخي لدى الحركة الإسلامية من موقعه الطبقي في المجتمع؟

أتجعل الحركة الإسلامية أفق مطالبها وأفق تعبئتها لفئات المجتمع، الدعوة إلى تحقيق عدالة اجتماعية يعيش الجميع في كنفها في رغد العيش؟ أم تجعل الحركة الإسلامية من الديمقراطية الشعار الذي يلخص مشاريعها وبرامجها؟

تشترك الحركة الإسلامية وتشتبك مع الفرقاء السياسيين في نفس الساحة المجتمعية. فيقع التدافع في المنظمات النقابية ودور الشباب والهيئات النسوية، وتشترك الحركة الإسلامية مع الفرقاء وتشتبك في اتباع نفس الوسائل: منابر إعلامية وندوات وملتقيات، مسيرات وإضرابات وبيانات… فيستنكر الديمقراطي على الحركة الإسلامية استغلالها الدين كسلاح إضافي لا تسمح به قواعد اللعبة السياسية-السياسة كما يفهمها اللائكي-، يستنكر الديمقراطي ويندد بالإسلاميين الذين يريدون توظيف مشاعر الأمة المتدينة في معاركهم السياسية.

يوشك التدافع السياسي أن يعمّي على الفرقاء السياسيين والاجتماعيين أهداف ومرامي الحركة الإسلامية العميقة، بل توشك هذه الأهداف والمرامي أن تغيب حتى على أبناء الحركة الإسلامية، الذين يتآكل خطابهم القرآني وهم في سوق السياسة. فما الإسلام الذي تنسب الحركة الإسلامية إليه نفسها؟

يفسر اللائكي ظهور ونمو حركة “الإسلام السياسي” تفسيره المادي، يرد الأمور إلى الظرف السياسي والاجتماعي والاقتصادي، يحاكم نسق الفكر الإسلامي من داخل نسق الفكر اللائكي، لكن ما الجواب من داخل النسق الإسلامي؟

عندما نعود إلى كتاب ربنا، نجد الله عز وجل يخاطب المؤهلين للتكليف الشرعي الجماعي بـ “يا أيها الذين آمنوا”، فالمفروض أن تحرص الحركة الإسلامية على أن يبلغ الوارد على صفها مرتبة الإيمان، حتى يتلقى الخطاب الإلهي بنية التنفيذ، كما كان يقول الشهيد سيد قطب رحمه الله.

لا يسأل الحزب الديمقراطي عن إيمان أعضائه ومنتسبيه، لكن جماعة إسلامية لا تنال شرف التسمية إن كانت قلوب أفرادها خواء من الإيمان، لا تسعى في برامجها وأنشطتها ومؤلفاتها أن تحيي الإيمان في القلوب، أن تجعل من العضو الوارد عليها من مجتمع الفتنة متهمما بمصيره عند الله عز وجل، متقربا إليه بالفرض والنفل، مشتغلا قلبه بذكر المعبود حين ينشغل عنه الساهون بذكر الموجود.

فإن دخل المؤمنون إلى معمعان السياسة، فليس الأمر يتعلق بردة فعل ضد أوضاع مزرية فقط، يأتي ذلك في مرتبة تالية، وإنما يتعلق الأمر باستجابة لأمر إلهي، استجابة لمثل قوله تعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون) 1. تختلف نيات العاملين في حقل السياسة رغم تشابه حركيتهم، كما تختلف نيات الساجدين لله والساجدين لغيره وإن تشابهت أوضاع سجدتهم، فإنما المعول على النيات.

يجد اللائكي في ذلك مخرجا، وإنما لكل نية برهان عمل يصدقها، يطالب الديمقراطي الإسلامي بالبراهين تلو الأخرى المثبتة لاقتناعه بالآليات الديمقراطية، ويبقى الإسلامي متهما وإن كان ضحية التلاعب بها، فإن سئل الديمقراطي عن حقيقة إسلامه، عن صلاته وزكاته، عن موقفه من شريعة خالقه، تمطى وشجب “محاكم التفتيش” التي توشك أن تنتصب، وإنما يريد الديمقراطي إسلاما ينضوي تحت عباءته مسلمون لا يصلون ولا يزكون، وللشريعة ينفون، إسلاما يستوي فيه الداعي إلى الله والصاد عن سبيل اللـه!.

تجمع مكونات الحركة الإسلامية بالمغرب على اعتبار نفسها “جماعة من المسلمين” لا “جماعة المسلمين”، ولإزالة غبش الشبهة آثر تنظيم إسلامي سابقا، على تغيير اسمه من “الجماعة الإسلامية” إلى “حركة الإصلاح والتجديد”، ومع ذلك يصر الديمقراطي على نعت الحركة الإسلامية بأنها تسعى إلى احتكار الإسلام، يجعل من تخليها عن مطلب تطبيق الشريعة شرطا ليسحب تهمته، لا يسعى هو إلى “احتكار الدين” بأن يزاحم أعضاء حزبه العتيد المؤمنين في المساجد، بأن يجعل أس مطلبه الامتثال الكلي لأمر الله، بأن يجعل همّ الدنيا يعانق عنده همّ الآخرة، يسابق وينافس ويصحح النية، إخلاصا لله عز وجل خالق الناس، لا نفاقا سياسيا لتحصيل ولاء الناس.

يسعى اللائكي ليجعل السياسة ساحة برامج وأفكار وتحالفات، لا علاقة للدين ببسط أرضيتها، وتأثيث فضائها، وتحديد مقاصدها، إنما الأمر موكول إلى التنظير الإيديولوجي، بما أن الإيديولوجيا في” علم السياسة” هي:”مجموعة تصورات منسقة تعمد إليها طبقة اجتماعية فتتبناها لأنها تعكس طموحها، وتستعملها في صراعها مع طبقة أخرى لكي تفرض هيمنتها”، فموقعك الطبقي يحدد لك نوعية الإيديولوجيا التي ستعتقدها، الإيديولوجيا بما هي إجابة عن إشكالية علاقة الفكر بالواقع، ونجد اللائكي يتحدث عن الإيديولوجيا الإسلامية، كأنه يغمز إلى بشرية النص القرآني، بينما لا يغيب عن المسلم بداهة أن الإسلام ليس إيديولوجية عقلانية المنطلقات والنتائج، بل البناء النظري الإسلامي يبقى عقلانية محدودة في إطار ومنفتحة على آفاق، إن ذلك يعني أن الإسلامي ينضبط بضوابط النص، هذا يعني أن الإشكالية لا تطرح في الفكر الإسلامي على شكل حل معادلة علاقة الفكر بالواقع، ولكنها تتشكل عبر زوايا ثلاث: النقل والعقل والواقع، أي محاولة إيجاد المعادلة الصحيحة في الكيفية المنهاجية التي يتنزل بها النص الديني المطلق على الواقع النسبي المتقلب، والرابط بين ذلك عقلانية إيمانية، وهذا ما يدفعنا للحكم عليه بالبناء النظري المتجدد لا الجديد، ونحن على علم تام بأن فقه التجديد إنما يقوم على ربط ما استجد في حياة الناس بأصول دينهم، لا بابتكار وإنتاج “دين” جديد أس عقيدته نسبية كل الحقائق.

تقدم الحركة الإسلامية نفسها إلى الفاضل الديمقراطي على أنها حركة دعوة إلى الله عز وجل، حركة أوبة وتوبة إليه، تصل الرحم معه بالتأكيد على أن الجميع في الفتنة والغفلة عن الله سادرون، وأن أبناءها لغيرهم لا يستتيبون، بل هم إلى الله أول من يتوبون، توبة شاملة بما هو الإسلام دعوة ودولة، عقيدة وشريعة.

وقد يقصر الخطاب الإسلامي عن إبلاغ الفاضل الديمقراطي الكلمة السواء التي يدعوه إليها، والتي قد تتحول ديمقراطية تارة، ومصلحة الوطن تارة أخرى، ورفاه الشعب تارة ثالثة… يتآكل الخطاب الإسلامي ويتراجع عن مواقعه أمام هجمات الشعارات اللائكية حين ينسى الأخ الداعية الهدف والغاية من جهاده الرسالي، فإذا بشعار “الإسلام هو الحل”شعار غير سليم، ولا يصلح إطارا موجها للعمل السياسي لنا”2 و”الخلافة على منهاج النبوة”، “بشارة لا تشكل أحكاما، بل يجب التعامل معها بواقعية3“، والواقعية هي أن نلحظ أن “المجتمع المغربي الآن يشهد تدافعا محكوما بمنطق البحث عن المنفعة المادية وتداولها بعدل وحرية، ومطالبه تتسم بهيمنة شديدة لمطلب الرفاه المادي والاجتماعي، وهي سمات مخالفة ومناقضة لسمات مجتمع الخلافة على منهاج النبوة”4، ويلتقي الإسلامي مع الديمقراطي حول مطلب التنمية، ويظن أنه يزيد التواصل حرارة حين يخلط بين المرجعيات الفكرية، فالأهم هو حل المشاكل المادية للمجتمع، ولا ضير أن يكون الاجتهاد من هنا أو هناك، “فالباب مفتوح لعدة حلول في إطار مرجعية الإسلام ومقاصده، وقد تكون في نفس الوقت قريبة من الفكر الليبرالي أو الاشتراكي”.5

يقصر الخطاب الإسلامي ويعمي عن مقاصده الأرقى من حيث يريد التوضيح، يقزم الإسلامي الرسالي دعوته باستعداده الانصهار في أي قطب أو في أي تحالف دون السؤال عن هويته، يظن الإسلامي أن قد حقق التقارب حين يسكت عن اللائكية وويلاتها، والإسلام وشروطه، وإنما يكون عندها قد اقترب من التصور اللائكي للإسلام، نستمع إلى مقالة مناضل يساري أبواب حواره مشرعة مع مكونات الحركة الإسلامية،”و فيما يتعلق بمدى تمثيل البديل الحضاري للإسلام العلماني، فأنا أعتقد بأن الإسلام بطبيعته علماني، بمعنى أنه ضد الكهنوت واحتكار الدين، وأتمنى أن يشاطرني الإخوة في البديل الحضاري هذا التصور للإسلام” 6، إسلام علماني! وابحث لك عن الشراح.

يقصر الخطاب الإسلامي عن تبليغ دعوته صافية إلى أبناء أمته، حين يجعل من التواصل مع النخب المغربة هدف أهدافه ومرمى مقاصده، لا يضره أن يتنازل في حواره عن لغة دعوته، ومفاهيم مرجعيته، فإذا حديثه خلو من ذكر الله واليوم الآخر، إلا في مجالس الوعظ الخاصة، ينضبط من حيث لا يدري إلى شرعة اللائكي حين يجعل للمقدس أسوارا لا يجوز له تجاوزها.

يقصر الخطاب الإسلامي عن تبليغ البلاغ المبين، حين يتوسل بمفاهيم غربية لإيصال تصوراته، يتوسل بمفاهيم الديمقراطية والحداثة والمجتمع المدني والعقلانية… لإبراز تقدمية الإسلام، فإلى من يكل الإسلاميون مهمة إحياء المصطلح الإسلامي؟، من يؤسس بناء نظريا تتآلف فيه مفاهيم: الدعوة والشورى وجماعة المسلمين والجاهلية والاستكبار والاستضعاف والفتنة والإيمان … أم هي مفاهيم غابرة طواها الزمن؟، أوينسخ الزمن المصطلح القرآني!، يا حسرة على العباد (و قال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا 7).

 2- الديمقراطية: مناعة ضد الاستبداد، حاملة لفيروسات الإلحاد.

يدعو ذ.عبد السلام ياسين إلى “ميثاق إسلامي” بديلا عن الطرح الحداثي الديمقراطي، ليس رفضا للديمقراطية بما إنها ضد الاستبداد بل لأنه “معجون في جبلة الديمقراطية المستوردة مادة اللائكية اللادينية، مخلوطة في مائه8“، اللائكية التي نعرفها التعريف الأكثر شيوعا، على أنها “تجعل دور الإنسان شموليا، أي أن يسعى للكشف عن الغايات التي يجدر به تحقيقها في هذا العالم، والوسائل القمينة بتحقيقها مستقلا عن الدين”.9

يجتهد إسلاميون على إضافة صفة الإسلامية إلى الديمقراطية، علهم ينفوا عنها لازمتها اللائكية، فإن تحدث إسلامي عن “ديمقراطية إسلامية” وآخر عن الشورى، فلا مشاحة في اللفظ، لكن حين يتحدث لائكي عن الديمقراطية، فهل يفصل بينها وبين لازمتها؟

نقرأ بعض إجابات المثقف المغربي عن هذا السؤال، فنستمع إلى أحدهم يقول “بالفعل، لا يمكن إقامة ديمقراطية بدون علمانية، لا يمكن إقامة ديمقراطية في مجتمع إلا إذا دخلت جسد هذا المجتمع عملية التعددية بمعناها الثقافي والفلسفي، وبمعنى آخر، فإنه لا يمكن لديمقراطية ما أن تنهض إذا ما وجد هنالك دين أو معتقد أو فلسفة يغطي كل المساحة الروحية للمجتمع، ويفرض ذلك كمقدس” 10، حول نفس الموضوع، وفي نفس المجلة يعلق لائكي آخر قائلا:”حين نقول بضرورة الفصل بين الدين والدولة في الإسلام وفي المغرب، فإن ذلك يعد شرطا للديمقراطية، ذلك أن امتلاك السلطة السياسية والسلطة الروحية يؤدي إلى الكليانية، وهو ما يتعذر معه الانطلاق نحو الديمقراطية ” 11.

هذا على المستوى النظري، فماذا يعطينا الدرس الميداني من خلاصات؟ ما المستفاد مثلا من تجربتي الجزائر وتركيا الانتخابيتين؟ لقد فزع الناس إلى صناديق الاقتراع في الجزائر، وصوتوا بكثافة لصالح الإسلاميين، فما فعل العسكر؟: وأد التجربة الديمقراطية الوليدة، وألغى نتائج الانتخابات النزيهة، وألقى بنواب الأمة في المنافي والمعتقلات والمقابر الجماعية، فهل كان من رد فعل للغرب الديمقراطي؟!، بل ما كان رد فعل مثقفنا على انقلاب العسكر على الديمقراطية؟، نستمع إلى مقالة أحد من رموز اليسار المغربي معلقا على الحدث بعد عقد من الزمن: “ليس هناك ديمقراطية تقام بدون تحالف بين التيارات المتعددة، لأن الديمقراطية تدار بالأغلبية، إلا إذا أردنا ديمقراطية يقوم بها العسكر كما وقع للأسف لبعض الديمقراطيين في بلدان أخرى قبلوا بها، حيث أصبحت الديمقراطية فعلا تحمى من طرف العسكر، أما بالنسبة لي، فليست هذه هي الديمقراطية على كل حال، هذه طريقة سهلة لتحقيق أهداف ديمقراطية” 12، ديمقراطية سهلة تحمى من طرف العسكر، مرحى بالديمقراطية العسكرية!!.

الدرس التركي الميداني يبرز لنا الوجه اللائكي للديمقراطية في أوضح صورة، اللائكية بما أنها موقف من الدين، وليست فقط تلك التي تقف موقف الحياد من الدين، فالمادة 24 من الدستور التركي تحوي جملة لا مثيل لها في العالم، حيث “إن استعمال العبارات والأشياء التي تعتبر مقدسة في الدين، يعتبر جريمة في نظر القانون”، وبالتالي يمنع الاستشهاد بآية قرآنية أو حديث نبوي أثناء جلسات المؤسسة التشريعية، ولا ضير أن تقتبس من أقاويل البروفيسور وتستشهد بكلم الفيلسوف، وعندما حاول حزب “الرفاه” الإسلامي سنة 1994 أن يتبنى مشروعا لتغيير فقرات من الدستور يحرم حرية الاعتقاد والتدين، أصم اللائكيون آذانهم، ورفضوا قراءة 160 دستورا تم إحضارها للتأكيد على عدم وجود شبيه للدستور التركي في العالم، ولم تعمر حكومة رئيس الوزراء الإسلامي نجم الدين أربكان طويلا، فقد أقاله العسكر من منصبه بتهمة التآمر على أساس الدولة الديمقراطية الأتاتوركية اللائكيـة.

هناك – على الأقل – كانت التهمة واضحة، لا مجال للتعمية عليها كما يفعل لائكيو وعسكر الجزائر الشهيدة.

في التجربتين الديمقراطيتين الميدانيتين، تحول المثقف الحداثي من الانتصار للديمقراطية إلى الانتصار للاستبداد اللائكي، لا سيما وأن صناديق الاقتراع “البلهاء” لا تفرز إلا أغلبية إسلامية، فلا أقل من أن يتحدث عن ديمقراطية الاستثناء، ويحيي النموذج التونسي.

تقترح جماعة العدل والإحسان “الميثاق الإسلامي” بساطا للتلاقي مع القوى السياسية، يقول الديمقراطي: حوار مشروط. ونقف مع هذا التعليق، نستجلي الأمر ونتساءل: الإسلام شرط من؟

يرفض الديمقراطي احتكار الإسلام من طرف الإسلاميين، ويغضب أشد الغضب إن نسب لغير الإسلام، فإن زعم أن الحوار على أرضية الإسلام شرط الإسلامي وحده، فإنما يضع نفسه خارج دائرة الدين، وهو أمر يأباه لنفسه كما يأباه له الإسلاميون، ينتحر سياسيا إن أقر بذلك، لكن الحوار البناء شرطه الوضوح،”فأنا لا أمانع أن يلحد الملحدون، ليجهر بإلحاده منهم الشجاع الجريء، لكن أن ننافق الأمة، ونزعم أننا مسلمون بينما نحن نتبنى فكرا ماديا، ونرفض أن تكون كلمة الله بيننا هي الفصل، ورباط الإيمان شأنا عاما، وشرعة الإسلام قانونا، فهو توغل في الرداءة الفكرية، وترد في مهواة نفاق جديد يلبّس كما لبّس النفاق الموروث” 13.

شرط الاجتماع على الإسلام، قبل أن يكون شرط الإسلامي، هو شرط كتاب الله عز وجل الذي يدين ويتعبد به كل مسلم، نتساءل: ما كانت الكلمة السواء التي دعا إليها القرآن الكريم أهل الكتاب؟، قال تعالى:(قل يا أهل الكتاب تعالـوا إلى كلمـة سـواء بيـننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنــا مسلمون) 14، أفيكون أهل الكتاب أقرب من المناضل الديمقراطي للقبول بالإسلام منطلقا وأرضية للحوار!

شرط الاجتماع على الإسلام، هو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لأبناء أمته، قال: “تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك” 15. شرط الاجتماع على الإسلام، هو شرط الأمة على من ينصبون أنفسهم ممثلين لها في المحافل السياسية والثقافية، أوَ استفتيت الأمة في تغيير دينها الذي ارتضاه لها الخالق عز وجل بدين الديمقراطية النسبي؟!

تقترح جماعة العدل والإحسان ميثاقا إسلاميا جامعا للمكونات السياسية للأمة، يقترح مرشد الجماعة بنودا له، يقترح ويعترض، وينتظر من يزكي أو يعترض، فإنما الأمر تمييز بين ثوابت الشرع فتحفظ، ومتغيرات تستوجب الاجتهاد فيدلي كل بدلوه، لا ننسى أن للاجتهاد ضوابط وآليات وقواعد.

يعترف الإسلاميون بميزة الديمقراطية في أنها الحل الأمثل الآني لمناهضة الاستبداد، وإنما العقبة الكأداء أن الديمقراطية لا تسقى إلا بزقوم الإنكار لألوهية وحاكمية الله عز وجل، تساوي الديمقراطية – إن أحسنّا بها الظن – بين راسخ الاعتقاد ومعتقد الإلحاد. تجعل في مرتبة واحدة نقيضين لا يجتمعان في دين وشرع من له الملك والحمد، قال عز من قائل: (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون)16، وفي آية أخرى:(أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم) 17، فإن صلى الديمقراطي وصام وزكى، ولزم الحلال وابتعد عن الحرام، ثم ناضل مع الغافلين عن النبأ العظيم، الذين يبغونها عوجا على غير شرع الله، فإنما يبعّض دينه، وإن الحوار يثمر معه لا محالة.

يثمر لا محالة ونحن نرى أسماء وأسماء تخرج من صفوف الأحزاب اللائكية في الوطن العربي، معلنة أوبتها لمناصرة القضية الإسلامية في ركب الصحوة الإسلامية، في المغرب قدم امحمد طلابي استقالته من حزبه، شارحا الأسباب فيما نقرأه من كلامه: “جاء في رسالة الاستقالة أنني أنتقل بالتمام من الماركسية إلى الإسلام، وكلمة بالتمام هنا ذات مقصد، بمعنى أن انتقالي كان سابقا ولكنه كان انتقالا ناقصا، بمعنى آخر، كنت أمارس عقيدة الإسلام وفرائضه وأنا مسئول بمنظمة العمل، ولكن هذا الانتماء للدين عن طريق العبادة فقط، تبين لي فيما بعد أنه انتقال ناقص، وأما الانتقال الكامل للإسلام، يعني أن أكون مسلما شاملا، فالإسلام هو عبادة الله وهو خلافة الله في الأرض، وهو ما يعني الاهتمام بالشأن السياسي وهو أيضا عمارة الأرض، هذا هو الإسلام ” 18، بعد هذا الانتقال الشامل للإسلام، نسأله عن موقفه من الديمقراطية، فيجيب: “الديمقراطية في أساسها الفلسفي ملحدة، وبالتالي لا بد أن نأخذ بمبدأ الشورى وتركيبها مع آلية التنظيم “19، يشرح الله صدر من شاء، ويزيل الغبش عن عقل من شاء.

نستمع إلى مناضل آخر من اللجنة المركزية لنفس الحزب، يعلن في رسالة استقالته أنه “عود للنضال من موقع الإسلام وخط المقاومة المدنية” 20، وأنه يقدم “استقالة عامة من تيار الأحزاب العلمانية (= اللائكية )، بعد اقتناعي التام أن العلمانية ليست السبيل لنهضة أمة العروبة والإسلام، وما بداية أفول التيار العلماني، وبداية إفلاس نخبته أمام تنامي الصحوة الإسلامية المباركة إلا برهان على هذا”21.

يقترح الميثاق الإسلامي ليكون الخلاف من داخل مرجعية واحدة، تنوع في وحدة، تعدد ضمن الثوابت الإسلامية التي لا يتنازع حولها، وهل يتنازع في فرنسا حول مبادئ الثورة فتعرض على “الجمعية العمومية” مثلا، وحتى لو صوتت هذه الجمعية بالإجماع ضد واحد من هذه المبادئ، فإن المجلس الدستوري يطعن في القرار بسبب لا دستوريته، نفس الأمر في الولايات المتحدة الأمريكية حيث لا مساس بـ”إعلان الاستقلال”، وحدها ديمقراطيتنا تجعل من ثوابت الشرع متغيرات ينسخها الفكر اللائكي.

مرحى بالاختلاف والتعدد السياسي، نضيفه إلى رصيدنا التاريخي ونحن من احترفنا “التعددية الفقهية” و”التعددية الكلامية”، لأننا “نتحدث عن الحق في الاختلاف والتسامح وهذه مفاهيم غربية، لكن عندنا في إطار التعامل بين الفقهاء والمذاهب موجودة مثل هذه القضايا. وأنا أذكر قولة الإمام الشافعي: رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاء بأحسن من رأينا قبلناه منه، هذا هو التعامل الذي كان سائدا بين الأئمة الكبار”22. نعلق فقط على أن الأئمة الكبار ما اختلفوا حول الثابت من الدين، وإنما كانوا يؤكدون أن كل راد مردود عليه إلا صاحب هذا القبر – مشيرين إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم -، وذاك ما نعنيه من تعدد ضمن مرجعية فكرية إسلامية موحدة، ونترك الخطاب في ختام هذه الفقرات إلى من دعا بأوضح عبارة إلى الإجماع على ميثاق إسلامي، يجيب على مثل أسئلة: أيكون الحوار حول الميثاق نخبويا أم شعبيا؟، ما الموقف من التعددية السياسية؟، وما موقع من يرفض الميثاق جملة وتفصيلا؟، وما هي الشروط التاريخية لإنجازه؟… يقول ذ. عبد السلام ياسين:”لكيلا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ندعوكم إلى ميثاق نطرحه على الأمة للنقاش الواسع، تقبله الأمة أو ترفضه، تدخلون فيه أنتم معنا أو نترككم أحرارا في انقساماتكم. هذا الميثاق يقترح على الأمة أن يكون لها، أن يكون منها، قاعدة سياسية متعددة التنظيمات الحزبية والنقابية والمهنية إلخ. قاعدة تسمى “جماعة المسلمين” تكون لنا فيها رابطتنا الإسلامية تضم تنظيمات الإسلاميين في جبهة إسلامية، وتكون لكم فيها وبمقتضى ميثاقها وبالتزامكم ببنوده أحزابكم وتنظيماتكم.

وربما تدعونا الضرورة وتدعوكم لتشكيل حكومة ‘وفاق وطني’ نعمل فيها نحن وأنتم جنبا إلى جنب، ونحمل معا عبء الحمل الثقيل الموروث مما أفسده السلطان العاض والجبري ومما أفسدتم، نعمل نحن وأنتم ونحمل ونصلح على بساط المروءة وفي ظل الميثاق. أو تختارون عدم الدخول في ميثاق “جماعة المسلمين”، وذلك إليكم، لا تضارون فيه ولا تخشون منا عنفا. شرطنا الوحيد أن تعلنوا رفضكم لذلك الميثاق، وأن تنتقدوه ليعرف الشعب، وليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة، وإن الله لسميع عليم ” 23.

3- الطريق الثالث: الديمقراطية الآلية مع اللائكيين.

لقد أصبح للسياسة معنى في الواقع الغربي بعد أن تم رسم الحدود الفاصلة بين الدين والسياسة، ويعيب الديمقراطي في ديار المسلمين على الذي لا يمل من الحديث عن التخوم الواصلة بين الدعوة والدولة في الفقه السياسي الإسلامي. نبتت الديمقراطية في التربة الأوروبية بعد أن تم فصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية، فاللائكي لا يرى –لإنبات الديمقراطية في بلاد المسلمين – بدا من استنساخ التجربة الغربية، يتغاضى عن أن يطرح السؤال عن تاريخ أمته: كيف ومن أصّل لحكم الاستبداد في تربة المجتمع الإسلامي: رجال الدعوة أم رجال الدولة؟

يمنحنا حديث الخلافة عمقا نظريا لتحليل تاريخ المسلمين، الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن حديفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، فيرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم يكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبريا فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون الخلافة على منهاج النبوة، ثم سكت “. فأول ما يستخلص من الحديث تحقيبه لتاريخ المسلمين إلى خمس مراحل، ثاني الملاحظات التي يؤكدها الحديث النبوي الشريف أن تاريخ المسلمين هو تاريخ فواصل وانكسارات لا تاريخ تواصل واستمرارية، ثالث الملاحظات التي نستنتجها منه أن نظام الحكم المطلوب شرعا هو نظام الخلافة، أما الحكم الوراثي فإنما يتكئ على مشروعية تاريخية نسفت الشرعية الدينية، رابع الملاحظات أن الحديث يؤرخ لبداية الاستبداد في المرحلة الثالثة من تاريخنا، لتكون هذه المرحلة فاتحة الخروم العظمى التي زاغت بالحكم الإسلامي الراشد عن سكته، فمتى كانت بداية هذه المرحلة؟

يمنحنا الحديث النبوي الشريف الذي رواه الإمام أحمد: ” الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم ملكا عاضا “، المدة الزمنية التي استغرقتها الخلافة المنهاجية الأولى، ” قال العلماء: لم يكن في الثلاثين بعده صلى الله عليه وسلم إلا الخلفاء الأربعة وأيام الحسن ” 24. فما تغير في نظام الحكم عند تحوله من مرحلة إلى مرحلة؟، تغيرت أمور كثيرة وإنما تشغلنا في هذه الورقات قضية الاستبداد 25.

كتب معاوية بن أبي سفيان إلى مروان بن الحكم إنه استخلف ابنه يزيد، ففرض مروان ذلك على أهل المدينة، وخطب في المسجد النبوي،” فقال: إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر، فقام عبد الرحمان بن أبي بكر، وقال: كذبت يا مروان وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لأمة محمد ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية، كلما مات هرقل قام هرقل، إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا من أهل بيته “26. إن أول ما يستخلص من هذا النص بداية تحول الخلافة من حكم يتداول بالشورى إلى حكم يتعاقب عليه بالوراثة، تحول سبقه قبل ذلك تحول الخلافة عن الصحابة ذوي السابقة والغناء والقدم في الإسلام إلى طلقاء فتح مكة، ونتساءل: كيف بويع ليزيد بن معاوية مع ما اشتهر عنه من فسق وفجور؟

نستسمح القارئ عذرا، ونحن نعرض عليه هذا النص بطوله، وإنما آثرناه لنعي من أين بدأ التحول وكيف تم، حتى نعي نحن أيضا كيف يتم تحويل ما تحول عن سكّته، يقول المؤرخ ابن الأثير:” أخذ معاوية البيعة ليزيد من العراق والشام والولايات الأخرى، ثم توجه بنفسه إلى الحجاز( …) فلقيه الحسين بن علي وابن الزبير وابن عمر وعبد الرحمان بن أبي بكر خارج المدينة، فقابلهم مقابلة جافة وأغلظ لهم، فتركوا المدينة إلى مكة، فسهل بهذا أمر المدينة على معاوية، ثم توجه بعد ذلك إلى مكة، فدعا نفس هؤلاء الصحابة الأربعة خارج مكة، وأحسن معاملتهم (…) وحاول استرضاءهم ليبايعوا يزيدا، فقال له عبد الله بن الزبير ‘نخيرك بين ثلاث خصال: تصنع كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يستخلف أحدا فارتضى الناس أبا بكر، أو تصنع كما صنع أبو بكر فإنه عهد إلى رجل من قاصية قريش ليس من بني أبيه فاستخلفه، أو تصنع كما صنع عمر، جعل الأمر شورى في ستة نفر ليس فيهم أحد من ولده ولا من بني أبيه’، فسأل معاوية باقي الصحابة: فأنتم؟ قالوا:قولنا قوله، قال معاوية: فإني قد أحببت أن أتقدم إليكم أنه قد أعذر من أنذر، إني كنت أخطب فيكم فيقوم إلي القائم منكم فيكذبني على رؤوس الأشهاد فأحمل ذلك وأصفح، وإني قائم بمقالة، فأقسم بالله لئن رد علي أحدكم كلمة في مقامي هذا لا ترجع إليه كلمة غيرها حتى يسبقها السيف إلى رأسه، فلا يبقينّ رجل إلا على نفسه، ثم نادى رئيس حرسه وقال له: أقم على رأس كل رجل من هؤلاء رجلين، ومع كل واحد منهما سيف، فإن ذهب رجل منهم يرد علي كلمة بتصديق أو تكذيب فليضرباه بسيفهما، ثم دخل بهم المسجد وأعلن في الناس: إن هؤلاء الرهط سادة المسلمين وخيارهم، لا يبتر أمر دونهم، ولا يقضى إلا عن مشورتهم، وإنهم قد رضوا وبايعوا ليزيد، فبايعوا على اسم الله ” 27، فلم يبق موضع ليعترض أحد من الناس على البيعة ليزيد من أهل مكة أيضا.”

انقضى عهد الخلافة الراشدة التي كان يبرم فيها الأمر بعد شورى أهل الرأي من الرجال، انقضى عهد الخلافة الراشدة التي كان يفخر فيها الخليفة أن جعل الله في أمته من يقوّمه بالسيف إن حاد عن المحجة اللاحبة، انقضى عهد الخلافة الراشدة التي كان يتورع فيها الخليفة على سفك دم امرئ مسلم ولو تواترت ضده الشبهات، مضى عهد الخلافة الراشدة المحضونة من رجال الدعوة الحاضنة لهم، وأطل ملك يعض على الصالحين من الأمة، فإما يصرخوا من شدة الألم، أو يستسلموا لعضه.

بويع ليزيد ليقتل ريحانة الجنة وسيد شبابها الحسين بن علي رضي الله عنهما، وليهلك خلقا كثيرا من خيار الصحابة في موقعة الحرة المريرة، وليرمي الكعبة المشرفة بالمنجنيق حصارا لعبد الله بن الزبير رضي الله عنهما.

صار التقتيل والسبي وجز رؤوس الدعاة المعارضين سنة “الخلفاء الشاردين”، ويتساءل الباحث عن سر ضمور الفقه السياسي في نتاجات علماء المسلمين! وكيف ينمو الفقه الشوري وملوك العض يستقوون “بالمؤسسة العصبية” في مواجهة العلماء القائمين! كيف ينمو الفقه الشوري ومبحث الخلافة أصبح علما من”علوم الكلام” الذي يجعل من عقيدة الأمة طاعة الإمام برّا كان أو فاجرا! كيف ينمو الفقه الشوري والعالم إما يجعل مقصده حفظ جماعة المسلمين من التفتت، فيبايع الإمام من غير شرط، وإما يخرج على الإمام ويقوم مدة، فيكون أهم ما يشغله أن يتوارى عن أعين عيونه أو تحشد الحشود لمنازلته!، وإنما ينمو الفقه الشوري القريب من تجربة الحكم في محضنه الطبيعي: محضن دولة الدعوة لا دولة الدعاوى الاستبدادية.

بعد هذه الإطلالة على تاريخ للمسلمين اسودت لهم فيه صفحاته في وقت مبكر، نتساءل: ماذا يقول درس التاريخ؟

درس التاريخ يقول أن الاستبداد إنما طغى وبغى، بعد أن تحرر”ساسة الدولة”من”علماء الدعوة”، درس التاريخ يقول أن “لائكية” مبكرة زرعت في تاريخنا شرّعت للاستبداد، وأغلقت أبواب الاجتهاد. درس التاريخ يقول أن الدرس المستفاد من تجربة المسلمين السياسية تختلف مقدماتها ونتائجها عن تجربة الغربيين. درس التاريخ يقول أن لا عزة، لا حياة، لا مستقبل لأمة ترزح تحت الاستبداد.

وإنما تبسق شجرة الدعوة المباركة في فضاء الحرية، فإنه ” لا إكراه في الدين28، “والغبي من يظن أن الإسلاميين يريدون الحكم ليغتالوا الديمقراطية. ما نفعل باستبداد! ما نفعل بأمة في الأغلال “.29

يصر اللائكي على مشروع تلييك المجتمع، ويجعل أفق عمله الاستراتيجي “دولة القانون الوضعي حيث تناط السيادة بالشعب”، ويصر الإسلامي على مشروع أسلمة المجتمع، ويجعل أفق عمله الاستراتيجي: “دولة الشريعة حيث الحاكمية لله والسلطة للشعب”. فكيف يكون الفيصل بين نخبة الأمة المثقفة، وطليعة الأمة الرسالية؟

يجمع المراقبون – كل نزيه – للحركة الإسلامية المغربية، على أن من أهم ما يميز مكوناتها نبذها واستهجانها للعنف، واعتبارها الاغتيال السياسي عملا صبيانيا، كما يعرف عنها قبولها بالاختيار الديمقراطي في وجهه المسطري الآلي الإجرائي التنظيمي، فحركة “التوحيد والإصلاح” تدعم الاختيار الديمقراطي، مما يعنيه من قبول بالتعددية وإقرار بالتداول السلمي على السلطة والاحتكام إلى الشعب” 30. و”حركة البديل الحضاري” تؤمن أن لا تغيير إلا “بطريقنا الذي سنتشبث به لأداء رسالتنا، وهو اختيار الديمقراطية كآلية تسمح بالاختلاف والتعددية والتداول السلمي للسلطة من خلال الاحتكام إلى صناديق الاقتراع”31. نفس الرؤى تقترحها “الحركة من أجل الأمة”، ويدعو مرشد “جماعة العدل والإحسان” إلى الاختلاف من داخل مرجعية موحدة، لأن “خلاصة ما تقترحه الديمقراطية يرجع إلى عمل مسؤول محاسب عليه، وإلى تمثيل صحيح لرأي الشعب واختياره، وإلى إقامة مؤسسات قاعدتها حرية التعبير والمعارضة، فهل نحتاج لتحقيق هذه الأهداف، وهي بيننا وبينكم مشتركة، أن نتنصل من ديننا وأن نجعل اللائكية شرطا؟”32، فإن أصر الديمقراطي على شرط اللائكية، فالاحتكام إلى الشعب أولى، فإن اختار الشعب “في هذه المرحلة أو تلك، أن يسير مع الديمقراطيين رجعنا على أنفسنا نتهمها بالتقصير في التعريف بما هو الحكم الإسلامي، واتخذنا وسائل تتيحها الديمقراطية النظيفة، ولا يتيحها الاستبداد لكي نبسط للناس، ونشرح للناس، ونخالط الناس حتى يعرفونا على حقيقتنا ويعرفوا الديمقراطيين على حقيقتهم”.33

يجيب الإسلاميون على أفق عملهم الاستراتيجي، وعن وسائلهم للتغيير، وعن علاقتهم بالآخر الديمقراطي، ثم يصم المثقف أذنيه، فيتهم الحركة الإسلامية بغموض استراتيجيتها، وبتوسلها بالعنف لإحداث التغيير، وبتوعد كل معارض بالقتل والإرهاب…

ألا وإن أولى خطوات التواصل والحوار، أن ينزل الديمقراطي من برجه العاجي، ليستمع إلى ما يقترحه الإسلاميون من أفواههم، لا مما يروجه أعداؤهم عنهم. فحين يبسط الإسلاميون يدا بيضاء إلى الآخر، تقي الأمة شر فتن العنف المدمرة، فما يقعد بالديمقراطي عن الاستجابة: سلوكه الديمقراطي أم عقيدته اللائكية، أم مواقعه في هرم السلطة السياسية والثقافية والإعلامية؟!

الهوامش:

  • آل عمران الآية 104.

2 و3 و4 و5 وثيقة عبد الإله بنكيران، جريدة “الصحيفة” عدد 13 بتاريخ مارس 2001.

6-أحمد حرزني، ندوة “الإسلاميون واليسار: إمكانية التحالف” جريدة الأحداث المغربية عدد 802.

7- الفرقان عدد 30.

8- عبد السلام ياسين، “الشورى والديمقراطية”.مطبوعات الأفق ط 1: 1994 ص 8.

9- عادل ظاهر، “الأسس الفلسفية للعلمانية” ص 38.

10- الصغير جنجار، ندوة “العلمانية وأسئلة الانتقال الديمقراطي في المغرب” مجلة “وجهة نظر” عدد 10 شتاء 2001.

11- محمد العيادي، نفس الندوة الأخيرة.

12- أحمد حرزني، م.س.

13- عبد السلام ياسين، “حوار مع صديق أمازيغي” مطبوعات الأفق ط 1: 1997 ص 41.

14- آل عمران الأية 64.

15- رواه ابن ماجة وأحمد وغيرهم عن العرباض بن سارية رضي الله عنه.

16- القلم الآية 36.

17- الملك الأية 22.

18- و19- امحمد طلابي في حوار مع جريدة “الصحيفة” عدد 54، أكتوبر1999.

20-و 21- المقاوم حاج محمد أطلسي، “لهذه الأسباب قدمت استقالتي” جريدة “المستقل” مارس 2000.

22- محمد عابد الجابري، “برنامج في الواجهة” القناة الثانية بالمغرب. 18 أكتوبر 2000.

23- عبد السلام ياسين، ” العدل: الإسلاميون والحكم” مطبوعات الصفاء ط 1: 2000 ص 531-532.

24- الحافظ جلال الدين السيوطي، “تاريخ الخلفاء” دار الرشاد الحديثة، بدون تاريخ ص 11.

25- لمزيد من التفاصيل يراجع “الخلافة والملك”لأبي الأعلى المودودي، و”نظرات في الفقه والتاريخ” لعبد السلام ياسين و”محاولة في تصحيح المسار” لزيد بن علي الوزير.

26- ابن الأثير، ” الكامل في التاريخ” القاهرة جزء 3 ص 250.

27- ن.م. جزء 3 ص 252.

28- البقرة الآية 255.

29- عبد السلام ياسين، “العدل…” ص 586.

30- محمد يتيم،”حركة التوحيد والإصلاح: التوجهات العامة” مجلة الفرقان عدد 41 سنة 1998 ص 32.

31- مصطفى المعتصم، “معالم المشروع السياسي لحركة البديل الحضاري” مجلة نوافذ عدد 5 سنة 1999 ص 97.

32- عبد السلام ياسين، “العدل…” ص 541.

33- عبد السلام ياسين، “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” مطبوعات الأفق ط 1: 1994 ص 59.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.