منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

الأمة في مواجهة غلاة التبديع “الشيخ محمد الحسن ولد الددو”

عبد العزيز ثابت / الأمة في مواجهة غلاة التبديع "الشيخ محمد الحسن ولد الددو"

0

الأمة في مواجهة غلاة التبديع “الشيخ محمد الحسن ولد الددو”

 الأستاذ عبد العزيز ثابت

في محاضرته الافتتاحية لمؤتمر ” الأمة في مواجهة غلاة التبديع “ الذي نظمته أكاديمية الرواد الإلكترونية على منصة ” كلنا دعاة “ يوم الأحد 7 محرم 1443 الموافق لـ 15 غشت 2021 على الساعة الثامنة مساء بتوقيت مكة المكرمة، تناول الشيخ العلامة محمد الحسن ولد الددو رئيس مركز تكوين العلماء بموريتانيا بالشرح و التفصيل النقاط التالية:

1- المنهج النبوي بين خيرية الأمة في الاتباع و شذوذ أهل الضلال في الابتداع.
2- أهل الانحراف بين تزكية النفس و تبديع الآخر و تجزيء الدين.
3- الرقابة على الناس و ميزان الكفة الواحدة.
4- الخلط بين الوحي و اجتهادات الرجال و مزاعم اتباع السلف الصالح.
5- مظاهر الانحراف بين الجرأة على الدعاة إلى الله و تأييد ظلم الحكام.
6- اتهام المخالف و الخلط بين عالمي الغيب و الشهادة.
7- إحياء ماضي الخصومات و استباحة الكذب.
8- ادعاء العصمة و النصرة و تُهم التبديع و الضلال.
9- مصيبة التقليد و التعصب لآراء المجتهدين.
10 – ميزان الحكم على الناس عند غلاة التبديع.
11- المنهج القويم في الدلالة على الحق و التعامل مع المخالف.

——————————————————————————–

1- المنهج النبوي بين خيرية الأمة في الاتباع و شذوذ أهل الضلال في الابتداع.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين و أصلي و أسلم على سيد الأولين و الآخرين، نبينا محمد و على آله و أصحابه و من اهتدى بهديه و استن بسنته إلى يوم الدين،

و السلام عليكم و رحمة الله وبركاته.

إخوتي و أخواتي إن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان و هداه النجدين و جعله قابلا للخير و الشر، و أقام عليه الحجة و أنار له المحجة فبعث الرسل مبشرين و منذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، و أنزل الكتب و قفى على آثارهم بالمرسلين و ختمهم بسيدهم نبينا محمد صلى الله عليه و سلم، فأرسله على فترة من الرسل و اقتراب من الساعة و جهالة من الناس بالحنيفية السمحة ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، و أنزل الله إليه هذا الكتاب المبين و الذكر الحكيم، هو الفصل ليس بالهزل، هو حبل الله المتين وصراطه المستقيم، و من تمسك به عُصم و من نطق به صدق و من تركه من جبار قصم الله ظهره، فيه خبر ما قبلكم و فصل ما بينكم و خبر ما بعدكم، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، أتم الله به الدين إلى أهل الأرض و ختمه و أنزل في ذلك: { اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي و رضيت لكم الإسلام دينا }.

و قد بين رسول الله صلى الله عليه و سلم هذا المنهج الذي أُرسل به أتم بيان كما أمره الله سبحانه و تعالى بذلك في قوله: { لتبين للناس ما نزل إليهم }، و نقل ذلك عنه أصحابه الثقات المعدَّلون الذين رضي الله عنهم و أرضاهم و زكاهم و عدلهم و أوصلوا ذلك إلى التابعين لهم بإحسان من جماهير علماء هذه الأمة الصالحين، و مازالت هذه الأمة تتناقل ذلك خلفا عن سلف حتى وصل إلينا، فهذا القرآن بين أيدينا كما أنزل و هذا الدين كما شُرع و هذه السنة كما جاء بها رسول الله صلى الله عليه و سلم. كل ذلك هو الحق الذي لا يرتاب فيه إلا مفتون و لا ينحرف عنه إلا من أضله الله سبحانه و تعالى، و قد بين الله سبحانه و تعالى أن هذه الأمة هي خير أمة أخرجت للناس و بين ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم، فبين أن الخير في أولها و آخرها و قال: ( مثل أمتي كمثل المطر لا يُدرى أوله خير أم آخره ).

و هذه الأمة وجه فضليتها على الأمم و سبقها لجميع الأمم أنها قائمة لله بالحجة على خلق الله، مبينة لشرع الله، منطلقة من وحي الله و لذلك قال الله تعالى: { كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف و تنهون عن المنكر و تؤمنون بالله }. و هذه الخيرية في هذه الأمة لا تُرى في ضلال الضالين منها و انحراف المنحرفين منها و لكن لابد أن يبقى فيها من تقوم به الحجة لله سبحانه و تعالى فقد أخرج أبو عمر بن عبد البر في “مقدمة التمهيد” و الخطيب البغدادي في “شرف أصحاب الحديث” و كذلك أخرجه البيهقي أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: ( يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين و انتحال المبطلين و تأويل الجاهلين )، و تحريف الغالين هو ما يحرفون به النصوص ويلوون أعناقها و يأخذونها عن مواضعها.

2- أهل الانحراف بين تزكية النفس و تبديع الآخر و تجزيء الدين.

هؤلاء المحرفون يجعلون من أنفسهم حكاما على الناس، فما هم عليه من الاجتهاد يرونه لا محيص و لا محيد لأحد عنه و أن من خالفه فهو مبتدع إن لم يكن كافرا، و أن كل ما عندهم هو الحق المحض الذي لا مرية فيه و لا إشكال و أن كل ما لدى مخالفيهم فهو الباطل المحض. و هؤلاء قد ابتلاهم الله سبحانه و تعالى بفتنة عظيمة منها أولا إعجابهم بأنفسهم و ذلك أصل كل داء من أمراض القلوب فإبليس لعنه الله ما استحق اللعنة إلا عندما أُعجب بنفسه و قال: { أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين }، فاستحق أن يُلعن، أن يُطرد عن رحمة الله سبحانه و تعالى.

و كذلك من أدواء هؤلاء أنهم غير متسعي البال في العلم و غير متسعي الباع فيه فوصلوا إلى بعضه فأخذوا بجانب منه و تركوا الجوانب الأخرى، و هذا داء عظيم و هو الجزئية و أخذ جانب من الحق و الإعراض عن بقيته، و قد نعى الله ذلك عن اليهود فقال: { أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا و يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب }. فالذي لا يُحكم هذا القرآن و هذه السنة بكل ما فيها من التفاصيل و بجزئياتها كلها و يأخذ بها جميعا و لا يرد شيئا منها مفتون لا شك، و هذه الفتنة يسلك فيها طريق اليهود المغضوب عليهم، فقد علموا و لم يأخذوا بما أوتوا من العلم، فضُرب لهم أسوأ الأمثلة بالحمار يحمل أسفارا فوق ظهره فلا هو ينتفع بها و هي ثقل عليه و حجة و وبال. و هؤلاء الذين أصيبوا بهذا الداء لا يأخذون من النصوص إلا ما يوافق أهواءهم، كما أنهم لا يطلعون من كلام الآخرين إلا على ما فيه انحراف أو يمكن تأويله على الانحراف، فقد اتصفوا بوصف الذباب الذي لا يقع إلا على القذر كما روي عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه أنه كان يُقرأ عليه كتاب فتح الباري للحافظ ابن حجر بشرح صحيح البخاري و حوله بعض هؤلاء المتنطعين، فقرأ القارئ مدة طويلة حتى جاء إلى تأويل وصف من أوصاف الله سبحانه و تعالى فشغب ذلك الرجل فقال له الشيخ محمد ين عبد الوهاب: ” اسكت فما أنت إلا كالذبابة لا تقع إلا على القذر فقد سمعت العلم الصحيح بأنواعه في هذا المجلس فلم يحرك ذلك لك ساكنا و لم تشم له رائحة و لم تذق له طعما حتى جاء ما فيه خطأ فشغبت به و فرحت به “.

3- الرقابة على الناس و ميزان الكفة الواحدة.

و كذلك من أدواء هؤلاء أنهم يفرحون بأخطاء المسلمين و يتتبعونها كأنهم جعلوا من أنفسهم ملائكة يكتبون على البشر، و قد جعل الله على البشر ملائكة يكتبون، فكل فرد منا جعل الله عليه واحدا و عشرين ملكا يحصون أعماله و يعدونها، و الله سبحانه و تعالى هو الشهيد الذي لا يغيب، و هو غني عن أولئك الملائكة جميعا، لا تخفى عليه خافية و هو أسرع الحاسبين و هو سريع الحساب. كذلك فإن من طوام هؤلاء أنهم جعلوا للميزان كفة واحدة فإنهم لا يزنون الناس و لا النصوص و لا الكلام و لا الأعمال و لا الجماعات و لا الأحزاب و لا أي شيء إلا بكفة واحدة، فما كان موافقا لمذهبهم و رأيهم فهو الصواب المحض و ما سوى ذلك لا وجود له أصلا و لا نظر إليه، و هذا مخالف لسنة الله في خلقه، فالله جل جلاله هو المالك للخلائق و هو الخالق لهم و هو المدبر لشؤونهم و كل ما عندهم من النعم فمنه: { و ما بكم من نعمة فمن الله }، و مع ذلك فإنه يضع الموازين القسط ليوم القيامة فيزن أعمال الناس ، فكل أحد حتى لو كان مشركا كافرا و لو كان إبليس و لو كان أبا جهل و لو كان فرعون فإنه يوضع الميزان بين يديه له كفتان فيوضع في إحدى الكفتين حسناته و في الأخرى سيئاته، من رجحت كفة حسناته نجا و من رجحت كفة سيئاته هلك، حينئذ تقام الشهادة على الخلائق فتومر الأرض فتتحدث بما صنع عليه من الأعمال كما قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم { إذا زلزلت الأرض زلزالها و أخرجت الأرض أثقالها و قال الإنسان مالها يومئذ تحدث أخبارها بأن ربك أوحى لها، يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره }، و قال تعالى” { و الوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون و من خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون تلفح وجوههم النار و هم فيها كالحون }.

4- الخلط بين الوحي و اجتهادات الرجال و مزاعم اتباع السلف الصالح.

كذلك من طوام هؤلاء أنهم يلتبس عليهم الحق و الوحي المنزل المعصوم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و كلام الرجال المجتهدين الذين يُقدَّرون و لا يقدَّسون و يُلتمَس لهم العذر و مع ذلك يُعلم أن كل بني آدم خطاؤون و خير الخطائين التوابون، و بذلك لا يميزون بين اجتهادات بعض الأئمة و ما نقل عن بعضهم في ظروف معينة تختلف عن ظروفنا التي نعيشها من الاجتهادات و هم يخالفونهم بأمور أخرى كثيرة، فمثلا قد يزعم بعضهم أنه يتابع السلف الصالح فإذا ذكرت بعض السلف الصالح طعن فيهم، و السلف الصالح عنده غير محددين و إنما هم أهل وجود ذهني فقط لا وجود له في الخارج، و لذلك لا تراه يلتزم منهم منهجا معينا فإذا قلت له: هل الصحابة الكرام من السلف الصالح؟ قال: نعم. فقل له: هل الحسين بن علي بن أبي طالب و سليمان بن صرد و عبد الله بن حنظلة الغسيل و عبد الله بن الزبير بن العوام و أمثالهم هل هم من الصحابة الكرام؟ سيقول: نعم. لكنه يراهم جميعا قد ابتدعوا و أنهم خرجوا على السلطان و أنهم في ذلك على فتنة، و هكذا في التابعين إذا ذكرت له أئمة التابعين من أمثال سعيد بن حبير و عامر الشعبي و إبراهيم النخعي و قتادة بن دعامة السدوسي و بكر بن عبد الله المزني وإياس بن معاوية بن قرة و غيرهم من الذين خرجوا على الحجاج و قاتلوه في ثورة الفقهاء فإنه سيقول: نعم هم من التابعين و لكنه مع ذلك يبرأ منهم و يرى أنهم أهل فتنة.

5- مظاهر الانحراف في الجرأة على الدعاة إلى الله و تأييد ظلم الحكام.

و هكذا في كل عصر من العصور إذا أتيت إلى ذكر الذين أنكروا المنكر و وقفوا ضده و وقفوا مع الحق حيث كان فإنه لا يعترف بهم و لا ينتسب إليهم. و من هذا القبيل أنه ينظر مثلا إلى بعض الناس أنهم دائما على خطأ و إلى بعض الناس أنهم دائما على صواب ، فهو يرى أن الحكام دائما على صواب و أنه لا يحل الكلام في خطأ أي أحد منهم و لا تراه يتكلم أبدا في أي خطإ و لا أي منكر سواء كان قتلا أو تعطيلا لشرع الله أو تحريفا له أو تبديلا أو منعا للآخرين من عبادة ربهم الذين خلقهم و سواهم أو حيلولة بين الناس و بين تعلم شرع الله و كتابه أو غير ذلك من الطوام الكبرى لا ينظر إلى هذه و لا يقدر لها وزنا و لا يعد لها أي احترام، و في مقابل ذلك تجد أنه تابع لمواقفهم أيا كانت حتى لو وقفوا ضد شرع الله بالكلية و طبعوا مع الصهاينة الغاصبين المحتلين لمقدسات المسلمين فيرى أنهم على حق و صواب و تجده يبحث فيبعد النجعة في التماس الأعذار لهؤلاء و في مقابل ذلك تجده جسورا على الطعن في الداعين إلى سبيل الله و معلمي الناس الخير و المرشدين إلى ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم و إلى نقلة السنن، سريعا إلى الطعن فيهم كما قال الشاعر: سريع إلى ابن العم يلطم وجهه * و ليس إلى داعي الندى بسريع. فهذا النوع من الناس هم أهل انتكاس في تصورهم، و أنبه إلى أن هذا النوع من الناس لا يختصون بمذهب و لا بطائفة و لا ببلد بل هم أهل تربية معينة كانت منحرفة معوجة فنشأ عليها أجيال من الناس فتعودوا على ذلك و أورثه أكابرهم أصاغرهم و استمروا عليه، و إذا جاء مصلح رموه عن قوس واحدة و لا يريدون التفكير و لا التقويم و المراجعة أبدا فيما هم عليه، و هذا في مختلف المذاهب حتى في المذاهب الفقهية يوجد بعض هذا التعصب، و في المذاهب العقدية كلها يوجد بعض هؤلاء المتعصبين في الماضي و في الحال.

6- اتهام المخالف و الخلط بين عالمي الغيب و الشهادة.

و كذلك نجد أن من طوامهم و أغلاطهم الكبيرة أنهم لا يميزون بين عالم الغيب و عالم الشهادة و كل له طبيعته و منطلقه و تصوره المختلف تماما، فهم يريدون أن يحملوا كل شيء فيما مضى من الزمان يفسرونه كأنهم حضروه و شهدوه و ما يستقبل من الزمان كأنهم حضروه و شهدوه و استوعبوه و يريدون قياس الغائب على الشاهد و قياس الغيب على الشهادة و يقعون في هذه الأخطاء الجسيمة، فنحن نعلم أن الدين نزل على الصحابة الكرام أهل الفطرة و السلامة و الاستقامة و الخير، فجاءهم به رسول الله صلى الله عليه و سلم كتابا و سنة فاستوعبوا و لم يكونوا سواء، فمنهم من كان من أهل العلم البارزين الذين استوعبوا هذه النصوص و مقاصدها و فهموا ما أراد بها الله سبحانه و تعالى و ما أراد بها رسوله الكريم صلى الله عليه و سلم، و هؤلاء هم أهل الاجتهاد و أهل الفتوى و هم قليل، و ليسوا عامة الصحابة بل أوصلهم ابن حزم إلى ثمانية عشر و أوصلهم النسائي إلى واحد و عشرين، هم الذين رويت عنهم الفتوى أو الاجتهاد من الصحابة الكرام، و هم الذين أحال الله إليهم بقوله: { و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }، و لم يقل لعلموه جميعا، و كذلك التابعون بعدهم فيهم أهل اجتهاد و فيهم من دون ذلك، و كذلك أتباع التابعين، فأهل كل زمان فيهم مجتهدون تقوم بهم الحجة لله سبحانه و تعالى، غير معصومين، يقعون في أخطاء اجتهادية طلبوا فيها وجه الله و طلبوا فيها الحق، و ما وصلوا إليه من الحق و الصواب فمن فضل الله و توفيقه، يثابون عليه ثوابَيْن و ما أخطؤوا فيه يثابون ثوابا واحدا، و لا يعاقبون على الخطأ لأنهم إنما التمسوا الحق و فعلوا ما أمروا به و طلبوا الوصول إلى الصواب من طريقه. لكن هؤلاء المنحرفين يرون أن الذين يخالفونهم في الرأي في أي أمر من الأمور كأنهم يعيشون معهم الآن، و لذلك يرون أن حال الأمة الآن كحالها في أيام الصحابة الكرام، و هذا لا شك أنه قياس خمر على لبن، فمن المعلوم أن الصحابة الكرام في عصر النبي صلى الله عليه و سلم كانوا جميعا أهل اللسان العربي على وجه السليقة يفهمون القرآن الكريم و السنة دون الحاجة إلى ترجمان و قد شهدوا الوقائع و شهدوا نزول القرآن و ورود السنة فلذلك لم يحتاجوا إلى البحث كثيرا في أي جانب من هذه الجوانب و لم يحتاجوا للبحث في جهة الإسناد و الورود لسماعهم من الرسول المعصوم صلى الله عليه و سلم و لسماع بعضهم من بعض و هم المعدلون بتعديل الله، و كثير من التعقيدات المدنية و الحيوية في حياتنا اليوم لم تكن في أزمانهم و كثرت بعدهم في أزمان من بعدهم و اختلف الواقع تماما. و قد أخرج الترمذي في السنن عن الجوجزاني قال حدثنا نعيم بن حماد قال حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ( إنكم في زمان من ترك فيه عُشُر ما أمر به هلك و سيأتي على الناس زمان من أتى منهم بعُشُر ما أمر به نجا ). و لا شك أن الناس اليوم و في العصور السابقة إلى وقت طويل كلهم يحتاج إلى أن يتعلم أن الفاعل مرفوع و أن المفعول به منصوب و أن المضاف إليه مجرور و ليسوا من الناطقين بالعربية على وجه السليقة، فمن أراد أن يحاكمهم إلى فهم الصحابة و التابعين لهم بإحسان فإنه كلفهم عناء و أجهدهم ما لا يطيقون فكلٌّ أبناء زمانهم و كلٌّ إنما يكلفون على حسب ما بأيديهم: { لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها }، { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها }.

7- إحياء ماضي الخصومات و استباحة الكذب.

و كذلك فإن هؤلاء المتنطعين يبحثون عن خصومات كانت في زمان مضى فيحاولون إحياءها فإذا لم يجدوا طرفا يلصقونها به عينوا بأنفسهم طرفا معينا و ألقوا عليه تلك الصفات التي قالها بعض السلف في بعض معاصريهم الذين اختلفوا معهم في بعض تلك الأمور، فهم الآن يبحثون عن الجهم بن صفوان بين أظهرنا اليوم، و يبحثون كذلك عن أضرابه و أمثاله من المنحرفين فيبحثون عن ابن أبي دؤاد و عن بشر المريسي و عن غيرهم، يبحثون عنهم الآن كأنما يأخذون برأي الانحراف الآخر في البحث عن المهدي المختفي و نحو ذلك. و لا شك أن هذا إنما هو من روح التعصب التي تربوا عليها و من الجزئية و عدم الشمول في أخذ هذا الدين كله فيقعون في مثل هذه الطوام و الأخطاء.

كذلك من مشكلات هؤلاء أن كثيرا منهم يستبيحون الكذب على الناس و تحريف الكلم عن مواضعه فينسبون إلى كثير من الناس ما لم يقولوا، و ينسبون إلى المذاهب قولا قاله فرد واحد ينتسب إلى المذهب فيجعلونه كأنه المذهب، و ينسبون إلى الجماعات تصرفا واحدا تصرف به شخص واحد غير معصوم فيرون أنه فعل هذه الجماعة كلها.

8- ادعاء العصمة و النصرة و تُهم التبديع و الضلال.

ومن أخطائهم الكبيرة أنهم يرون أنهم الفئة المعصومة و الطائفة المنصورة و أن من سواهم من هذه الأمة كلهم من الفرق الضالة و المنحرفة، ولا يعلمون أن الفرق لا تبعث يوم القيامة و لا تحشر و إنما يحشر الناس أفرادا كما قال الله تعالى: { و كلهم آتيه يوم القيامة فردا }، و قال تعالى: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها }، فالناس لا يبعثون أحزابا و لا جماعات و لا فرقا و إنما يبعثون أفرادا، كل فرد يعرض عليه كتابه و يحاسب على عمله و لا علاقة له بغيره بل يفر من أقاربه جميعا: { يوم يفر المرء من أخيه و أمه و أبيه و صاحبته و بنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه }. فذلك مقتضٍ لأن ندرك أن كل إنسان على نفسه بصيرة و أن كل إنسان مكلف بما لديه، و أن الإنسان قد يرى رأيا و اجتهادا في وقت من الأوقات و يعدل عنه و يرى غيره، و بقاء ذلك الرأي مرتبط به و نسبته إليه في كل الأوقات، و الطعن فيه مثلا، هذا لا شك أنه من عمل المبتدعة، فأئمة الاجتهاد جميعا ما منهم من أحد إلا و له رجوع كثير عن كثير من الأقوال و الاجتهادات التي قالها، فأبو حنيفة رحمة الله عليه له ما يعرفه أهل المذهب بالنوادر و هي ما كان على خلاف الرواية المشهورة عنه و المعروفة في فقهه، و مالك رحمه الله أحصينا له مئة و ثمانية و تسعين مسألة رجع بها عن قوله الأول، و الإمام الشافعي كذلك له مذهبان المذهب القديم و المذهب الجديد و في كل أقوال متعددة و رجوع و حوار و مناقشة، و كذلك في كثير من المسائل في كتاب الأم يقول: القول في هذه المسألة أحد قولين، فيبقى مترددا لا يجزم فيها بقول اجتهادي، و كذلك الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليهم أجمعين، ذكر عنه أبو يعلى القاضي ثلاث عشرة مسألة قال في كل واحد منها عشر روايات، و من النادر أن تجد له مسألة في المذهب إلا و فيها روايتان أو أكثر، إما أن تكون روايات منقولة عن الإمام و إما أن تكون مخرجة على فتواه في مسائل أخرى تشبهها، و هكذا أئمتنا في مختلف المجالات.

9- مصيبة التقليد و التعصب لآراء المجتهدين.

و مع ذلك لا شك أن التعصب لآراء المجتهدين طامة من الطوام و أن المجتهدين لو عاشوا لرجعوا و تراجعوا عن كثير من اجتهاداتهم، و لذلك قال الأصوليون: المجتهد الحي أولى بالتقليد من المجتهد الميت إذ لو عاش لربما غير رأيه كما رأيناه غير رأيه في حياته في كثير من المسائل. و كذلك فإن واقع الناس الآن يختلف تماما عن كثير مما كانوا يعيشونه فالصحابة الكرام و التابعون لهم بإحسان كانوا يقرؤون هذه النصوص و يفهمونها كما قرؤوها بسجيتهم العربية الصرفة التي ليس فيها مداخلة للعلوم العقلية و لا لغير ذلك، و نحن اليوم قد دخلت إلينا هذه العلوم و اللغات و دخل الناس في دين الله أفواجا فلا يمكن أن نقيس أهل زماننا على أهل ذلك الزمان، بل نشأ هذا قديما في القرن الثالث الهجري عندما ترجمت العلوم و أصبح كثير من الحضارات إسلاميا بعد أن كانت حضارت أجنبية و فتحت البلدان و الأمصار و دخل أهلها في الدين و تعلموه، أصبح لديهم كثير من المشكلات و الإشكاليات التي لم تكن مطروحة في زمان من سبق فكان، فكان الأولون، كما قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في بعض النصوص في القرآن و السنة تتعلق بالعقائد: ” تفسيرها قراءتها و لا كيف و لا معنى “، “تفسيرها قراءتها”: هذه النصوص تفسيرها قراءتها لأنهم يقرؤونها بلسانهم العربي المبين كما هي فيفهمونها على ما جاء و لا يتعدون، “و لا كيف و لا معنى”: لا يكيفون و لا يبحثون عن الكيفيات في أمور الغيب، “و لا معنى”: أي لا تفسير لها ، فلا يفسرون نحوا من ذلك، لم يكونوا يشرحون نحوا من ذلك. و نحن اليوم محتاجون إلى شرح هذه الألفاظ و بيانها، ذلك أنا لم نعد ناطقين بالعربية على وجه السليقة، و لذلك جاء بعدهم التابعون و أتباعهم، فكانوا إذا سئلوا عن شيء من ذلك استنكروا على السائل، و ربما أحالوه إلى العلم كما قال مالك و روي ذلك عن شيخه ربيعة عندما سأله رجل على الاستواء على العرش قال: الاستواء معلوم و الكيف مجهول و الإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة و ما أراك إلا صاحب سوء، أخرجوه عني. فقال: الاستواء معلوم و في رواية: الاستواء غير مجهول و الكيف غير معقول.

و هذا معلوم أي عند الناطقين بالعربية كأصحاب مالك و من كان قبلهم أما في زماننا لو قلت لأي شخص من الناس: الاستواء معلوم، لقال لك: لا، غير معلوم لدي. فلذلك تحتاج إلى مثل هذه الأمور التي تُحوج إلى اجتهاد و هي غير قليلة، فقد اجتهد أهل العلم في كل زمان كما أحال الله إليهم عند الاختلاف فقال سبحانه و تعالى: { و إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به و لو ردوه إلى الرسول و إلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم }.

10- ميزان الحكم على الناس عند غلاة التبديع.

و لذلك هؤلاء أيضا المتطرفون المتعصبون يعودون و يرجعون إلى اجتهادات علمائهم و أشياخهم التي يعلمون أنها قطعا من الأمور المحدثة و لم تكن لدى السلف، و كثير مما يمتحنون الناس عليه في الاعتقاد لم يكن الصحابة يعرفونه، فالصحابة يرون أن كل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله فهو مسلم له ما للمسلمين و عليه ما عليهم و هو منهم، و قد حرُم عرضه و دمه و ماله.

فهؤلاء يرون أن ذلك لا يكفي و أنه مع ذلك لا بد من شروط لا إله إلا الله و لا بد مع ذلك من أمور تفصيلية كثيرة من الجزئيات التي لو سئل عنها أبو بكر الصديق ما فهمها و ما عرفها، و لو سئل عنها عمر بن الخطاب ما عرفها، فلم يكن أحد منهم يعرف شروط لا إله إلا الله و لم يكن يعرف جزئيات المسائل العقدية بالتفصيل و إنما كانوا يؤمنون هذا الإيمان الجملي الذي انطلقوا به من فهمهم للنصوص على سليقتهم و عربيتهم الأصلية، و لم يحتاجوا إلى كثير من التأويلات و الجزئيات التي احتيج إليها فيما بعدهم، و ليس هذا إنكارا لتلك الجزئيات فنحن نحتاج لها و لكن ليس معنى ذلك أن حاجتنا لها تقتضي منا أن نترك ما كان عليه سلفنا الصالح من الشهادة بالإيمان لكل من قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله، و رأيناه يواضب على الوضوء و يداوم عليه و يصلي الصلوات الخمس إلى القبلة في أوقاتها، فهذا هو المسلم و سريرته نكلها إلى الله سبحانه و تعالى، و الله سبحانه و تعالى يقول: { و إن تابوا و أقاموا الصلاة و آتوا الزكاة فإخوانكم في الدين }، و لا نكلف بالسرائر فالله يتولى السرائر و نحن نحكم بالظواهر و لذلك من رأيناه يداوم على الوضوء فإنه لا يداوم على الوضوء إلا مؤمن ونحمله على ظاهره و نكل سريرته إلى الله سبحانه و تعالى.

و نعلم كذلك أننا نحن كذلك خطاؤون فلذلك لا نجعل من أنفسنا شهودا أو قضاة على الناس و لا محاسبين لهم بل نسعى لتعليمهم ما علمناه و نسعى لإرشادهم إلى ما عرفنا وجه الصواب فيه، و نعذرهم إذا ما خالفونا في الأمور الاجتهادية التي المجال فيها واسع وكل يخاطب على قدر فهمه و عقله و مستواه، و لا يمكن أن نجبرهم على خرت إبرة و طريق ضيق اختص به فرد، فعندما تولى أبو جعفر المنصور الخلافة قال لمالك إنه لم يبق عالم غيري و غيرك، أما أنا فقد شغلتني الخلافة و أما أنت فاكتب للناس كتابا سأجبرهم عليهلا يخالفونه، فقال مالك: إن علم رسول الله صلى الله عليه و سلم تفرق به أصحابه في الأمصار فلكل أهل بلد منه ما أدركوا عليه من أدركوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، و لا أحب أن أجبر الناس على قولي و لا ما كان لدى أهل المدينة. و هكذا فأهل كل بلد لديهم من العلوم و من الرواية و مما كان عليه من أدركوا من سلفهم الصالحين ما يأخذون به و لا ينبغي أن يتعصبوا و لا أن يروا أنه هو الحق الذي لا غبار عليه، فقد رأينا جماعة في أمريكا تسمى أمة الإسلام كان أهلها في البداية يرون أن الإسلام مختص بالسود و أن من دخل الإسلام من البيض يجب قتله و ما ذلك إلا أنهم قرؤوا من واقعهم و من تربيتهم فتعصبوا على الآخرين و خلطوا الإسلام و الدين بما ليس منه و جعلوا ذلك من الثوابت، فمن ليس على هذا المنهج و لا على هذه الطريقة يجب قتله لديهم حتى و لو كان راجعا إلى الخلقة كلونه، فيرون أن الإسلام لا يستحقه إلا من كان أسودا، و أن من ليس كذلك فليس بمسلم و لا يؤذن له بالإسلام أصلا و إذا دخله لا بد أن يقتل.

11- المنهج القويم في الدلالة على الحق و التعامل مع المخالف.

لا أريد أن أستأثر على مشايخنا الكرام بالحديث و أعلم أن هذا الحديث يطول و أن الكلام فيه كثير، و أن من الجيد أن يدرك الناس أننا إذا أرشدنا الناس إلى الحق فليس معنى ذلك أننا نريد إكراههم عليه و إلزامهم به و إنما نريد أن نتفق على هذا الحق الذي لا غبار عليه و أن ننفي عنه ما سواه مما أضيف إليه مما ليس منه، و أن نبين للناس أن الدين قسمان:

– منه ثوابت و معلوم من الدين بالضرورة و قطعيات محكمات لا يسع أحدا أن يتركها و لا أن يخالفها.

– و منه أمور اجتهادية هي أوسعه و أكثره وأغلبه، و هذه يسع فيها الخلاف،

– و الخلاف فيها سيبقى قائما و هو ينقسم إلى قسمين:

 – إلى خلاف سائغ و خلاف غير سائغ، فالخلاف غير السائغ هو ما يكون ردا لنص صريح صحيح لا مرية فيه،

– و الخلاف السائغ هو ما كان معتمدا على دليل، و لو اعتمد الطرفان على دليلين فلم يكن أحدهما حاسما في مقابل الآخر،

و الخلاف السائغ أيضا ينقسم إلى قسمين:

 – إلى خلاف محسوم و خلاف غير محسوم

فالمحسوم منه ما ترجح أحد طرفيه بالدليل

و غير المحسوم ما لم يترجح أحد طرفيه بالدليل

و أهل الأصول يقولون العمل بالراجح واجب لا راجح، و هذا محله لأهل الاجتهاد و التبصر، أما من سواهم من المقلدين فهم غير ملزمين بذلك و كذلك لا بد أن يكون من طرحنا البين الواضح الذي نسأل الله أن ينفع به الناس أن يعلموا أن هذا الذي نقوله هو الذي يجمعنا و هو الذي يقتضي منا تمسكا بالثوابت، و هو الذي يقتضي منا إنصاف غيرنا إذا خالفنا مطلقا، و يقتضي منا ألا نكفر أحدا من المسلمين فإن تكفير المسلم كقتله، و إذا قال المسلم لأخيه يا كافر فقد باء بها إن كان كما قال و إلا حارت عليه و رجعت عليه و غير ذلك من أحاديث صحيحة كثيرة، و التحذير كذلك من تبديع أهل السنة و من نقصهم فنحن نريد زيادة أهل السنة و لا نريد نقصهم، و نريد الالتزام بما جاء به رسول الله صلى الله عليه و سلم و إشاعته بين الناس، و لا نريد التعصب المقيت و الذميم، و لذلك أختم حديثي هذا بما حدثني به جدي محمد علي بن عبد الودود عن يحظيه بن عبد الودود عن محمد بن محمد بن سالم المجلسي عن حامد بن عمر عن الفقيه الخطاب عن القاضي بن علي السباعي عن شيخ الشيوخ الفاضل بن أبي الفاضل الحسني عن علي الأجهوري عن البرهان العلقمي عن أخيه شمس العلقمي عن جلال الدين السيوطي عن زكريا الأنصاري عن الحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني عن إبراهيم التنوخي عن أحمد بن أبي طالب الحجار عن أبي الوقت عبد الأول بن عيسى السجزي عن الحسين بن المبارك عن عبد الرحمن بن محمد الداودي عن عبد الله بن أحمد السرخسي عن محمد بن يوسف من مطر الفربري عن عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ين المغيرة بن بردزبه البخاري قال في صحيحه: حدثنا عبد السلام بن مطهر قال حدتنا عمر بن علي عن معن بن محمد الغفاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: إن الدين يسر و لن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا و قاربوا و أبشروا و استعينوا بالغدوة و الروحة و شيء من الدلجة.

و فقنا الله و إياكم لقبول الحق و القول به و عصمني و إياكم من الفتن ما ظهر منها و ما بطن وجعلني و إياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه و السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.