منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

“حياتنا البطنية دروس وعبر” (خطبة)

بنسالم باهشام

0

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.

عباد الله، قال تعالى في سورة المؤمنون: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) [المؤمنون: 12 – 16]

عباد الله، أربعة أنواع من الحياة يمر بها الإنسان في رحلته منذ أن أوجده الله تعالى: حياتان مشهودتان، وهما الحياة البطنية والحياة الدنيوية، وحياتان غيبيتان وهما الحياة البرزخية والتي هي حياة القبر، والحياة الأخروية. وسيكون التركيز في نصيحة هذه الجمعة إن شاء الله تعالى على الحياة البطنية والاعتبار منها.

عباد الله، عشرات الكتب والدراسات البحثية التي لا تعد ولا تحصى، والكثير من التطبيقات الخاصة بالحمل، وغيرها من مئات من المواد ينكب عليها الآباء الجدد مع ظهور أول حالة حمل في الأسرة. خلال هذا الفيضان من المعلومات، هل اعتبرنا من هذه الحياة البطنية، وجعلنا منها محفزا لنا لحياتنا الدنيوية، لنصلح بها حياتنا البرزخية والأخروية؟

عباد الله، إن فترة الحياة البطنية لخصها لنا الحق سبحانه وتعالى في سورة المؤمنون  في قوله: (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ).

عباد الله، كلنا عشنا في بطون أمهاتنا أجنة في دفء وحرارة مستقرين، بعيداً عن أي ضجيج وأي ضوء. فحيينا في الماء لمدة تقارب تسعة أشهر، حيث الجاذبية معدومة تماماً مثل الملاّح الكوني؛ وكنا في مأمن من الصدمات.

نتغذى دون أن نبذل أي مجهود، أو نقوم بأدنى حركة. وكنا نتلقّى ونتناول كل شيء من أمّهاتنا.

ولما جاء أجلنا، وانتهت حياتنا البطنية، جاء الإذن الإلهي بالانتقال من دار إلى دار، ومن حياة إلى حياة، فشعرنا ذات يوم بأننا نُدفع إلى الأمام، ونُجرّ ونُجبر على شق طريق لنا عبر ممر عظمي ضيّق. ووجدنا صعوبة في تمرير رؤوسنا، وأرهقنا أنفسنا خلال ساعات كي نستطيع الخروج. وهكذا نجد أنفسنا مدفوعين بقوّة، ومرميين في عالم بارد متوسط حرارته20 درجة مئوية، عوضاً عن 37.

عباد الله، ما هي الجوانب التي ينبغي التركيز عليها في حياتنا البطنية، لتكون لنا جميعا عبرة تنقلنا من عالم الغفلة إلى عالم اليقظة، ومن عالم الشك إلى عالم اليقين، ومن عالم التسيب إلى عالم الجد والاجتهاد.

عباد الله، إن أول عبرة نعتبرها من حياتنا البطنية، أننا كنا كلنا في هذه الحياة التي ينظمها الله تعالى، سواسية: ابن الملك مثل ابن الفقير، فلا يعيش ابن الملك في بطن أمه، في قصرمشيد، كما لا يعيش ابن الفقير في بطن أمه في كوخ عتيد. ولا أحد يخرج من بطن أمه وفي فمه ملحقة من ذهب، بل الكل يخرج صارخا يبكي، وعريانا.

عباد الله، العبرة الثانية التي نعتبر من الحياة البطنية أن السعادة ليست في كثرة العرض، وكثرة القصور والدور والسيارات الفارهة، فها نحن كلنا عشنا نفس الفترة تقريبا في بطون أمهاتنا في حجم ضيق، ورغم ذلك عشنا كلنا أسعد حياة.

عباد الله، إذا كان العالم كله متفق ويشهد على سلامة الجنين في المكان الضيق الذي عاش فيه فترة من الزمان وهي فترة الحياة البطنية، وأن السبب في هذه السعادة التي تساوينا فيها جميعا أن الذي كان ينظمنا هو خالقنا ورازقنا وهو الله تعالى، فكأنه سبحانه وتعالى يشير لنا إلى حياة أبوينا آدم وحواء عليهما السلام، أولا، ويربطها بحياتنا البطنية ثانيا، فإذا كان آدم وحواء عليهما السلام في الجنة في كامل السعادة، ولما أهبطا إلى هذه الدنيا لم يتركهما خالقهما هملا، بل أمدهما بما يحقق سعادتهما الدنيوية والبرزخية والأخروية، فكذلك سبحانه وتعالى لما أهبطنا من جنة الحياة البطنية، وأخرجنا لهذه الحياة الدنيا، قال لنا كما قال لأبوينا آدم وحواء عليهما السلام من قبل، كما جاء في سورة البقرة: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا، فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى، فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 38]، فإذا كنا في بطون أمهاتنا لا حول لنا ولا قوة، ورغم ذلك يأتينا رزقنا رغدا من كل مكان، وكنا في تمام السعادة، وهذه حياة مشاهدة لا ينكرها أحد، فهذا منهج الله وهديه لمن أراد السعادة الدنيوية والأبدية، قال تعالى في سورة طه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ، وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) [طه: 123 – 127].

عباد الله، لقد تبين الرشد من الغي، فبادروا بالتوبة والاستجابة لنداء الله ولنداء رسول الله صلى الله عليه وسلم ففيهما حياتكم وسعادتكم، وحل لكل مشاكلكم. قال تعالى في سورة الأنفال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [الأنفال: 24، 25].

فاللهم كما أسعدتنا في بطون أمهاتنا، فأعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك حتى نسعد في حياتنا الدنيا ويوم يقوم الأشهاد، وصلى الله وسلم وبارك على من أرسلته رحمة للعالمين، وجعلته خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.