منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

عندما حرّرنا فلسطين..

محمد عناني

0

كنتُ، صاحْبي صالح بحري، قد وعدتكَ أن أكتبَ قصةَ– تحريرِنا لفلسطينَ ونحن صغار– وعدتك منذ شهور.. والفكرة قديمة.. والنداءُ أقدم.. لكنني الآن أشعرُ أن ألاعيبَ الحكْيِ لا موقعَ لها.. فالأدبُ للأدب وللحياة.. فإما الوضوح.. وإما السكوت .. نحن جيلُ النكباتِ بامتياز.. حملنا هزيمَةَ 67 كمكَوّنٍ مُتَرَسِّبٍ في شخصيتنا الجماعية.. شعورٌ مزْمِنٌ بالدونية..

دخل المعلِّمُ.. تركَ  الدرسَ وشَغَّلَ المذياع.. وفي المساء أخذني والدي معه إلى المقهى لنتفرَّجَ على مشاهدِ العار والمذلَّة.. تآزرنا مع آبائِنا البسطاء.

كنا صغاراً. وكنا لانعرف قرارَ التحكيم.. إلخ.. تآزَرنامع كل البسطاء.. وفقدنا الثقَةَ في الزعماء.. صعدنا التلَّةَ نحمل أعواداً وحجارة.. وحررنا، كما تتذكر، فلسطينَ الجريحة.. وحملنا الجراحَ داخلنا.. غرسْنا الأعلامَ والراياتِ على أعلى التلَّة.. في مقبرة سيد الشايف.. وهي مقبرة منسية..

الآنَ.. الآنَ أرى هناكَ مقبرَةً صغيرةً منسيةً على تلَّةٍ مقابلةٍ باتجاهِ الوادي الأحمر.. وأغبطُ الموتى على أبديتهم.. هم موتى موتى.. ونحن أمواتٌ في الحياة.. لكننا تظاهرنا عندما كَبرنا.. تمرَّدْنا.. رفعنا الأناشيدَ وحَلُمنا.. الآنَ اغتالوا فينا حتى الأحلام.. ياصديقي.. وكأن التاريخَ كَفَّ.. وكفتِ الأرضُ عن الدوران..

سأكتبُ القصةَ نثراً.. وأروي الحكايَةَ شعراً.. لعلها تصمد في وجهِ النسيان.. ولو قليلاً تصْمُدُ.. وهذا وعْدٌ وباقي الروايةِ للزمان.. سأفعلُ، ياصديقي، وقد هَرِمتُ.. ونسيمُ الأبديَّةِ يغازلُ كينونَتي المتْعَبَة..

المزيد من المشاركات
1 من 48
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.