منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

(2)فلسطين أرض الغنيمة والرزق والصلاح والمحشر

أحاديث نبوية في فضل بلاد الشام (فلسطين)الأبية - د. مصطفى العلام

0

 ــ الشام خيرة أرض الله وأهلها خيرة أهل الأرض:

فقد جاء في رواية عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوَالَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (” سَيَكُونُ جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ “، فَقَالَ رَجُلٌ: فَخِرْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” عَلَيْكَ بِالشَّامِ، عَلَيْكَ بِالشَّامِ  ـ ثَلَاثًا، عَلَيْكَ بِالشَّامِ ـ فَمَنْ أَبَى فَلْيَلْحَقْ بِيَمَنِهِ، وَلْيَسْقِ مِنْ غُدُرِهِ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ تَكَفَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ ) [1].وفي رواية أخرى عَنِ ابْنِ حَوَالَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: («سَيَصِيرُ الْأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ»، قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «عَلَيْكَ بِالشَّامِ، فَإِنَّهَا خِيرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ، يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ، فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ») [2]. جاءت أحاديث كثيرة تحث المسلمين على اللجوء إلى الشام والإقامة فيها حين تعم الفتن والحروب في آخر الزمان. فمن رحمة الله تعالى بالأمة الإسلامية أن جعل من هذه الأرض ملجأ وملاذا آمنا من الفتن والملاحم.

ـ قصور الشام حاضرة في رؤيا أم النبي صلى الله عليه وسلم عند  ولادته:

كان أول أمر النبي ومبعثه ونزول الوحي عليه في مكة وكانت هجرته إلى المدينة ولكن تمام أمره وعمود ملكه سيكون في الشام، حيث رأت أمه قصور الشام في الحديث الشريف( عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ بُدُوُّ أَمْرِكَ؟ فَقَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشَّامِ») [3]. قال “ابن كثير”« “والمراد أن أول من نوه بذكره وشهره في الناس إبراهيم ـ عليه السلام ـ ، ولم يزل ذكره في الناس مذكورا مشهورا سائرا حتى أفصح باسمه خاتم أنبياء بني إسرائيل نسبا وهو:عيسى بن مريم عليه السلام، حيث قام في بني إسرائيل خطيبا، وقال: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) سورة الصف، الآية: 6 ، ولهذا قال في هذا الحديث: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى بن مريم، وقوله: ورأت أمي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام، قيل كان مناما رأته حين حملت به وقصته على قومها فشاع فيهم واشتهر بينهم، وكان ذلك توطئة وتخصيصا للشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه، ونبوته ببلاد الشام. ولهذا تكون الشام في آخر الزمان معقلا للإسلام، وبها ينزل عيسى بن مريم إذا نزل بدمشق بالمنارة الشرقية البيضاء منها. وقال : “وفيه بشارة لأهل محلتنا أرض بصرى، وأنها أول بقعة من أرض الشام خلص إليها نور النبوة ولله الحمد والمنة، ولهذا كانت أول مدينة فتحت من أرض الشام” »[4].

ـ في الشام الغنيمة والرزق والصلاح:

المزيد من المشاركات
1 من 68

أكرم الله تعالى أهل الشام بالكثير من الأرزاق والنعم وذلك تحقيقا للبركة التي ميزت هذه الأرض بها، ولا تزال كذلك إلى أن يأتي وعد الله، نجد هذا الأمر جليا في رواية الإمام”الطبري” عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمْ: (” إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ اسْتَقْبَلَ بِي الشَّامَ، وَوَلَّى ظَهْرِيَ لِلْيَمَنِ، وَقَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، جَعَلْتُ مَا تُجَاهَكَ غَنِيمَةً وَرِزْقًا، وَمَا خَلْفَ ظَهْرِكَ مَدَدًا، وَلَا يَزَالُ الْإِسْلَامُ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ الشِّرْكُ وَأَهْلُهُ، حَتَّى تَسِيرَ الْمَرْأَتَانِ لَا تَخْشَيَانِ جَوْرًاثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا تَذْهَبُ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي حَتَّى يَبْلُغَ هَذَا الدِّينُ مَبْلَغَ هَذَا النَّجْمِ») [5].وفي رواية أخرى جعل الرسول صلى الله عليه وسلم خيرية الأمة الإسلامية رهينة بصلاح أهل الشام : عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا فَسَدَ أَهْلُ الشَّامِ فَلاَ خَيْرَ فِيكُمْ، لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي مَنْصُورِينَ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ) [6]. ولذلك فإن فساد أهل الشام وصلاحهم جعله رسول الله ميزان  لقياس حال الأمة من حيث الصلاح والفساد، وهو أيضا دليل على فساد الأمة جميعا أو صلاحها، ومرد ذلك أن نخبة الأمة و خيرها يكونون في آخر الزمان في الشام.

ـ ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها على الشام:

إن الشام هي محل رحمة الباري سبحانه وتعالى وبركته، ولذلك استحق أهل الشام حفظ الملائكة وحراستهم ( عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُؤَلِّفُ القُرْآنَ مِنَ الرِّقَاعِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طُوبَى لِلشَّامِ، فَقُلْنَا: لأَيٍّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لأَنَّ مَلاَئِكَةَ الرَّحْمَنِ بَاسِطَةٌ أَجْنِحَتَهَا عَلَيْهَا) [7]. قال “القاري” معلقا على هذا الحديث «لأن ملائكة الرحمن فيه إيماء إلى أن المراد بهم ملائكة الرحمة باسطة أجنحتها عليها، أي على بقعة الشام وأهلها بالمحافظة عن الكفر»[8] ، أي بالمحافظة على بلاد الشام من الكفر وأهله. وقال “المناوي” «”طوبى” تأنيث أطيب أي راحة وطيب عيش حاصل بالشام”. وهي مصدر من طاب، أي أصبت طيبا وخيرا لأن ملائكة الرحمة التي وسعت رحمته كل شيء تحفها وتحوطها بإنزال البركات ودفع المهالك والمؤذيات»[9].

ـ الشام أرض المحشر:

قال الله تعالى ( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ) سورة الحشر،الآية:2. قال “ابن تيمية” مفسرا هذه الآية « نبه على الحشر الثاني، فمكة مبدأ و’إيلياء’ معاد في الخلق، وكذلك بدأ الأمر. فإنه أسري بالرسول من مكة إلى ‘إيلياء’ ومبعثه ومخرج دينه من مكة، وكمال دينه وظهوره وتمامه. حتى يملكه المهدي بالشام.فمكة هي الأول والشام هي الآخر في الخلق والأمر في الكلمات الكونية والدينية»[10].

(الْحَشْرِ) أي: الجمع، قال ابن عباس وعكرمة«من شك أن الحشر في الشام فليقرأ هذه الآية، وأن النبي قال لهم:(اخرجوا)، قالوا : إلى أين؟ قال: “إلى أرض الحشر”.قال قتادة رحمه الله: هذا أول المحشر. وقال ابن عباس: هم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من دياره… وأما الحشر الثاني : فحشرهم قرب القيامة»[11]. وفي رواية أخرى (وَبِإِسْنَادِهِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَنَا: «إِنَّكُمْ تُحْشَرُونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ تَجْتَمِعُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ») [12]. وفي رواية أخرى (عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَتَخْرُجُ نَارٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ أَوْ مِنْ نَحْوِ بَحْرِ حَضْرَمَوْتَ قَبْلَ يَوْمِ القِيَامَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: عَلَيْكُمْ بِالشَّامِ.) [13].


ـ الهوامش

مقالات أخرى للكاتب
1 من 17

[1] مسند الإمام أحمد،أحاديث رجال من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم،ج33،ص:466،رقم:20355

[2]سنن أبي داود،كتاب الجهاد،باب في سكنى الشام ج3،ص:4،رقم 2483.وصححه الألباني في فضائل الشام،رقم9

[3] الطبراني: المعجم الكبير:ج8،ص:175،رقم:7729،قال الهيثمي في المجمع، إسناده حسن، وله شواهد تقويه، مجمع الزوائد ومنبع الفوائد، للحافظ نور الدين علي بن أبي بكر الهيثمي، دار الكتاب، بيروت، ط2، 1967م، 8/222.

[4] ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1420هـ ـ 1999م. ج1، ص:190

[5] رواه الطبراني في الجامع الكبير،ج8،ص:145،رقم 7642، وصححه الألباني، صحيح الجامع، ج1،ص:353،رقم 1716.

[6] سنن الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في الشام،ج4،ص: 55، رقم: 2192، وصححه الألباني، صحيح الجامع، ج1،ص:151، رقم: 702.

[7] الترمذي، تحقيق الألباني،كتاب المناقب عن رسول الله، باب في فضل الشام واليمن، ج 6، ص: 228، رقم 3954، وصححه الألباني، السلسلة الصحيحة، ج2،ص:21،برقم 503، وتخريج أحاديث فضائل الشام، ص: 9، برقم 1.

[8] تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، المباركفوري، باب في فضل الشام واليمن، ج10،ص:316

[9] عبد الرؤوف المناوي :فيض القدير، المكتبة التجارية،مصر،  ط1، 1356هـ، 4/274.

[10] ابن تيمية(ت728هـ):مناقب الشام وأهله، مطبوع مع فضائل الشام للربعي ومجموعة فتاوي ابن تيمية،دار الوفاء للطباعة،ط2،1421هـ، ج27،ص:267

[11] ـ تفسير القرطبي، ج18،ص:4

[12] ـ الحافظ أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني( ت 360هـ):المعجم الكبير، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية ـ القاهرة ـ الطبعة الثانية، بدون تاريخ،ج7، ص:264،رقم:7076.

[13] جامع الترمذي، كتاب الفتن، باب ما جاء في لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من قبل الحجاز،ج4 ص: 68، رقم 2217، وصححه الألباني، صحيح الترمذي، 4/498، رقم 2217، وتخريج أحاديث فضائل الشام، ص: 33.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.