منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

جريد النخل (قصة قصيرة)

محمد فاضيلي

0

الوقت مساء صيفي حار، والأسرة منهمكة في حديث لا طائل منه، وقصب العريش يسبح بحمد ربه، والذباب يطن، ويزعج النفس والجسم والعقل، وهمهمات بعيدة بين الحين والحين، تتناثر حروفها، وتتلاشى، قبل أن تصل المسامع..وابن عبد السلام في عريشه الخاص، يهيم في واقعه القاتم، يرشف رشفات شاي لذيذة، شديدة الحلاوة، يمسك جريد نخل، ويهوي به على الذباب، فتفزع القلوب، وتصاب النفس بالغثيان..
عادة مستفزة ومستنكرة..قبلتها خديجة على مضض، كما قبلت حماها الفظ الغليظ، وسلوكاته المشينة، وأوامره التي لا تنتهي..
لكن، هذه المرة، كان ردها مختلفا..
نظرت إلى حماتها نظرات غريبة، دون أن تتفوه بكلمة، ثم أسرعت نحو الخلاء..
طمأنتها خالتها قائلة:
أبشري يا ابنتي، فأنت حامل! وإن كان ذكرا نسميه على اسم رسول الله..
بقيت صامتة، مستغربة، وفي غاية الاندهاش والاستنكار..أحقا هي حامل!؟ أحقا ستصبح أما!؟ وأين سيكبر هذا الولد!؟ وكيف سيعيش!؟ وهل هي متزوجة وتنعم بحياة زوجية سعيدة ومستقرة!؟
إنها ما تزال طفلة، صبية، تحتاج لصدر آمن، وحضن دافئ، من أم لا أمر لها ولا رأي..صدر فقدته منذ زوجوها قسرا لابن خالتها أحمد، وهي لم تحض بعد، ولا تفهم في أمور الزوجية شيئا..إنها بئيسة، فقيرة، عاثرة وسيئة الحظ..
وأحمد..شاب عشريني، شبه عاطل عن العمل..مغلوب على أمره..يقضي معظم وقته في محطة المسافرين، يحمل البضائع، ويبيع أكلات جاهزة..لا يكلم زوجته، ولا يذكرها أو يناديها باسمها في حضرة والده، ولا يدخل عليها بطعام أو ملابس أو هدايا، مهما قل ثمنها..
يدفع ما كسبه من دريهمات لأمه، التي تخرج في الصباح الباكر للعمل في الضيعات والحقول المجاورة، لتقتني ما تستطيع من لوازم البيت..أما عبد السلام، فينتظر موسم الحصاد على أحر من الجمر لجمع القمح والشعير، وتوفير ثمن السكر والشاي والدخان..يقضي معظم وقته في إعداد الشاي، والنوم، ومطاردة الذباب، وأطفال النزالة /موطن بؤساء المدينة ومهمشيها..
تلتفت إلى حماتها، وهي على وشك الغثيان، وتقول:
_ أرجوك يا خالتي..تحدثي مع ” خو محمد”(أخي محمد، اللقب الذي يفضل ابن عبد السلام أن ينادى به، خصوصا من أفراد العائلة)..فلم أعد قادرة على الصبر..
تنادي بصوت منخفض، ودقات قلبها تتسارع، والقلب يكاد يتوقف من شدة الخوف:
_ يا رجل، زوجة ابنك تتوحم..لم تتحمل مطاردتك للذباب..ضع عنك الجريد..واشتر دواء للذباب..
يرد عليها غاضبا: تتوحم!..وما للذباب والوحم!؟

تقول: ألا تعلم أن الوحم يذهب العقل..ويقلل الصبر..
يشتد غضبه..يضرب الأرض بالجريد..بكل قوته..فتهب خديجة فزعة، وتقصد الخلاء..
يقول:
ألم أقل لكم من قبل أن لا تصاهروا الهمصي..ألا تعلمين أني أكرهه..بل أمقته..لقد عانيت منه الأمرين..في الشغل وفي الجوار..ألم يمنعني ويحرمني من شراء بستان التين المجاور له..!؟
ردت عليه قائلة: قد رددت هذا الحديث طويلا..وقد قلت لك مرارا إن كل شيء مقدر ومكتوب..
زوجة ابنك حامل، وقريبا ستصبح جدا..وأنت ترسل لها الشاي بغير سكر..ونحن نخلط كؤوسنا ونتقاسمها معا..وهي لا تحتج على تصرفك أو تخبر والدها..ولو أخبرته..
يقاطعها قائلا: ولو أخبرته، ماذا سيحدث..ألم أصرعه وأمرغ أنفه في التراب، في عرصة القاضي..
تغضب وتقول:..وتفخر بذلك..ألم تراع للمصاهرة حرمة!؟
يتأجج غضبه، وتنهض فيه حميته، وتستفزه رجولته، فيمسك جريد النخل، ويهوي به على ظهرها، فتفر هاربة، وهو يردد:
حاملة..تتوحم..تتوحم..وماذا ستلد..أميرا..لن تعدو أن تلد صبية شاقة وعاقة وفاجرة..كخالاتها..
تدخل زوجة أخيه الأصغر في الحين، فتصدمها الكلمة في نفسها وأذنها، وتقول:
بل تلد ابنا بارا متعلما وناجحا إن شاء الله..
فيزيد غضبه ويلجأ لجريد النخل، لكنه يحجم عن الضرب..ويسمع من خلف العريش صوتا يردد:
الخبري..لا يدري..
فيصل غضبه منتهاه، ويسرع للخارج، ويصرخ بأعلى صوته:
يا أبناء الحرام! يا أبناء البؤس والجوع والتشرد والشقاء..يا أبناء المتسولين والمتسكعين والمنحطين..لئن امسكت بأحدكم، لأخبرنه عن أمه وما كانت تفعل معي قبل أن تلده..
لتنطلق الضحكات والصرخات والوشوشات والهمهمات من داخل العرائش الممتدة على طول النزالة وعرضها..ويتردد الصوت الذي يصيبه في القلب من جديد، وبأكثر حدة:
الخبْري..لا يدري
يقصد ابنه الصغير ويسأله عن معنى الخبري..فلا يكاد يحبس ضحكته..فيضربه ضربة تسقطه على الأرض، ويقول: كلكم أولاد الحرام..
ويقصد باب البيت، يغلقه بسرعة، ويحكم إغلاقه بجسده كي يمنع الجميع من الفرار..ثم يشعل النار ويرمي بها في العرائش..
تصرخ خديجة..وتولول..وتضرب بأكفها على فخذيها وعلى بطنها، وتخبط على الجدران، تطلب النجدة..ثم يغمى عليها..لتجد نفسها في إحدى غرف المستشفى..والأهل يحيطونها من كل جانب ويرمونها بنظرات كلها أسى وإشفاق وحنان..وجنينها يرقد بقربها..وأحمد يعدها بمسكن إسمنتي مستقل..وحياة سعيدة بعيدا عن الأب والنزالة..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.