منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

بانت سعاد (قصة قصيرة)

مجيد فلوح

1

لم تكن سعاد تعلم أن اسمها سيقترن ببردة كعب بن زهير، وأنه سَيَخْلُدُ ذِكْرُها مع ذكر ذلك المجلس الذي دخله كعب خائفا مضطربا يضع روحه بين كفيه، ويخرج منه سالما آمنا مطمئنا متوجا ببردةِ خير خلق الله صلى الله عليه وسلم.
كما لا علم لها بقصتنا هاته..
كنت منشغلة أرتب بعض ملابسي، وأواجه المرآة أسألها عن تناسق ألوان فساتيني، وسمعت صوته يناديني؛ ليلى.. ليلى..
لم تكن أذني تطرب لسماع صوته، ولم تهرع جوارحي استجابة لندائه، وتماديت في مساءلة المرآة عسى يكف عن مناداتي..
ليلى.. ليلى..
يُعيد الكرة مرارا، ويعطف على اسمي هذه المرة بما يزينه من المُحَسِّنات الغزلية..
لا مفر، لا بد من مقابلته، أُقَدِّمُ رِجلا تلو أخرى، وأنزل الدرج بجهد كأنني أصعدها، كان يجلس على أريكة متواضعة في الطابق السفلي أمام الحاسوب، جهاز من العصر الأول، يملأ المكتب الكبير..
سهيل يعمل في الطابق السفلي، ويقضي جل يومه هناك، يكتب الروايات، ويسجل المحاضرات، ويستقبل الضيوف، كان لديه ما يكفيه من المال ويغنينا عن العمل..
خطبني وأنا لم أزل تلميذة في الثانوي، يكبرني ببضع سنين، بتحريض من حسن، زوج أخته الكبرى، وأخي الأوسط.
تنافس حسن وأخي الأكبر على تزويجي، كما كانا يتنافسان على استقطابي لمذهبيهما المتناقضين.
واخترت سهيلاً..
كنت ليلاه، يحدثني الساعات الطوال على الهاتف، ويسافر، ويقطع المسافات من أجل مجالستي لبعض لحظات، في حضور أخي حسن، وأتحجج بمعارضة أخي الأكبر لأقلص من تلك اللحظات.
تزوجت سهيلا، لأنه كاسمه سهلا، حلو الكلام، لين الخلق، كريم اليد، ولأنه كان يملك بيتا، ومن عائلة ميسورة..
وتزوجته لألبي رغبة عائلتي..
كنت أرضيه كما يرضيني، ولا أحبه ويحبني..
وقف من أريكته ونظر إلى عيني، وابتسم كعادته في وجهي، وأخذ يقرأ على الحاسوب من قصيدة كعب حتى قال:
هَيفاءُ مُقبِلَةً عَجزاءُ مُدبِرَةً * لا يُشتَكى قِصَرٌ مِنها وَلا طولُ
ثم قال أنت عندي كسعاد عند كعب، غير أني أدركتك ولم يدرك كعب سعاد..
لم يكن يغازلني بالفصحى ولا بأشعار الشعراء، حاول مرة أن يقرأ قصيدة كتبها، ولكني لم أهتم..
هذه المرة الأولى وهذه الأخيرة..
لماذا لم يختر من شعر قيس لليلى مع أني أقاسمها الاسم، كما يقاسم هو قيسا حب ليلى؟ !
كنت أقابل حبه بالإهمال، واهتمامه بالنكران، لم يسمع مني ما يؤذيه، ولم أخالفه فيما يرضيه، غير أني كنت له مبغضة..
لا سلطان على القلوب كما يقولون..
لم يكن هذا الأمر يخفى عن صديقاتي وأهلي، وكانوا يسألون عن الأسباب، ولجهلي بها كنت أصنعها، وأُنَوِّعُها، وأُكْثِر منها..
شاركني أهلي بُغض سهيل، ومع توالي السنين ألحوا علي حتى تركته..
وهكذا لم يصدق عليَّ من قصيدة كعب إلا مطلعها..

 

تعليق 1
  1. عبد العزيز قريش يقول

    في هذا الزمن العربي الرديء أهله؛ لا قيمة للحب ولا للقيم غير تلك التي تقتل الإنسان، هي المطلوبة في العمل، وفي اجتماعية الإنسان العربي البئيس، الحائر بين القول والقيل، وبين النقل والناقل والمنقول؛ لا يدري خطورة وضعه إلا بعد فوات الأوان! … تستمر المأساة باستمرار مفعول القال والقيل … هي لحمة من سراب الوجود أوحتها لي قصتك الرائعة في عمق دلالتها وعبرها، قرأت في جمال عباراتها ظلالا كثيفة من المعاني.
    سلم قلمك ودام متألقا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.