منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

حقن الدماء والعفو عن المسلمين

د. محمد فيروج بن الصديق

0

مقدمة

تأتي النفس في طليعة ما حرصت الشريعة على حفظه وصونه، حيث نصت على وجوب الكف عن ازهاقها بغير حق، قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا﴾[1] وجعلت سَفكها من الموبقات والكبائر الموجبة للخلود في النار، قال تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمٗا﴾ [2]وحثت على حقن الدماء، والعفو عن المسلمين، قال تعالى: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ﴾[3] ودرئت الحدود بالشبهات، وحذرت من الوقوع في فتنة الاقتتال، قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الوداع: “لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض[4]

وقد ضربت السيرة النبوية أروع الأمثلة في العفو والصفع عن الأعداء، وكَفَلت للأسير والسجين حقوقا تحفظ كرامته وآدميته مهما بلغ جُرمه.

ومن المحفوظ من كلام أهل الحكمة والبصيرة: الكف عن الدماء مؤذن بالبقاء، والتسرع في إراقة الدماء قاض بسرعة المحن والبلاء[5]

أولا: نموذج من سيرة السلف الصالح في حقن الدماء والعفو عن المسلمين.

المزيد من المشاركات
1 من 44

فقد روي ابن سعد في طبقاته أن أبا هريرة رضي الله عنه استأذن عثمان بن عفان رضي الله عنه يوم حاصره البغاة ليقتلوه، فقال له: أيسرك أن تقتل الناس جميعا وإياي؟! قلت: لا فوالله إنك إن قتلت رجلا واحدا فكأنما قتلت الناس جميعا، فرجع ولم يقاتل[6]

فعثمان بن عفان اختار أهون الشرين، فآثر التضحية بنفسه حقنا لدماء المسلمين، وخوفا من الوعيد الشديد الوارد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار. قيل يا رسول الله ! هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال إنه كان حريصا على قتل صاحبه[7]

ثانيا: مزالق يجب الحذر من الوقوع فيها سعيا إلى حقن الدماء والعفو عن المسلمين.

إذا كان العفو عن المسلمين، وحقن الدماء مطلب شرعي؛ فإنه يتأكد مراعاته في ميادين المنافعة والمدافعة لإقامة شرع الله تعالى، وأثناء قيام الدولة الاسلامية، وقد ذكر الأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله (ت 1434ه / 2012م )في كتابه المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، مزالق ثلاثة يتعين على حاملي المشروع الإسلامي تجنبها سعيا إلى حقن الدماء والعفو عن المسلمين[8]

  1. تجنب أساليب الاغتيال السياسي، وذلك لسببين، أولاهما: الامتثال لأمر الشريعة الاسلامية، وثانيهما أن العاجز عن الانتصار لمشروعه بالإقناع والحجة والبرهان هو من يلجئ إلى مثل هذه الأساليب.
  2. عدم مواجهة العنف بمثله في معمعان المدافعة والمنافسة السياسية، لما في ذلك من خروج عن دائرة الشرع، وسقوط في مكايد الخصوم الراغبين في تبني العنف، والعنف المضاد، اللهم إلا إذا أعلنوا كفرهم جهارا نهارا، ونصبوا العداء للمسلمين، ولم يكفوا أيديهم عنهم وقاتلوهم، فلا سبيل إلى مهادنتهم، واعلان الحرب ضدهم واجب.
  3. تجنب تصفية الخصوم والمخالفين عند الوصول إلى الحكم، فلا يستولي التمكين على النفوس فيدفعها إلى الانتقام، بل يلزمها تسطير صفحة جديدة مشرقة بمداد الصفح والتجاوز، اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حين فتح مكة حين أصدر عفوه الشامل، وقَبِل شفاعة من استشفعه واستأمنه فيمن هَدَر دمهم وأن تعلقوا بأستار الكعبة؛ ممن عظُم جُرمهم واشتد أذاهم للمسلمين، فطَوى بذلك صفحات من الأذى الذي لحِقه وأصحابه على يد طائفة من قومه، وضرب أنموذجا خالدا للاقتداء[9]
  4. وهذا الامساك عن سفك الدماء والعفو الشامل، إعمالا لقاعدة الاسلام يجُب ما قبله، لا يندرج فيه بحال ترك رد المظالم التي يمكن ردها، كالأموال والأراضي المنتزعة بغير حق، كما أنه لا يتنافى مع دحض رموز الفساد والاستبداد، لما في بقائهم من شر مستطير على الاسلام والمسلمين؛ إلا إن اعلنوا توبتهم ورجعوا عن غيهم، وكفوا أذيتهم عن المسلمين، وردوا المظالم إلى أهلها.

خاتمة

أن حقن الدماء والعفو عن المسلمين، شعبة من شعب الإيمان التي يلزم الأمة جمعاء، اتباعها عقيدة وسلوكا، كما يتعين على الساعين إلى إقامة دين الله تعالى، حاملي المشروع الإسلامي ترجمتها إلى قانون يطبق في كنف الاسلام حتى لا تظل شعارات يُتغنى بها كما هو الشأن بالنسبة لكثير من المواثيق الدولية.


[1] سورة المائدة، الآية 34.

[2] سورة النساء، الآية 92.

[3] سورة الأعراف الآية: 199.

[4] متفق عليه.

[5] ذكره الخطيب بن مرزوق الجد (ت781ه) في خاتمة كتابه جنى الجنتين في شرف الليلتين، ص: 155 الذي قمت بتحقيقه لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة بمؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط سنة 1422ه/2002.

[6] طبقات ابن سعد: ج3/ص48.

[7] متفق عليه.

[8] الطبعة الثالثة 1414ه/1994 الشركة العربية الإفريقية للنشر والتوزيع بيروت لبنان .

[9] ينظر في هذا ما ذكره أصحاب السير والمغازي، وفي مقدمتهم سيرة ابن هشام في ذكر فتح مكة ج 2/389 ت مصطفى السقا، وابراهيم الأبياري، وعبد الحفيظ الشلبي.

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.