منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

وقفة (قصة قصيرة)

عبد القادر الدحيمني

0

نشر هذا المقال بمجلة منار الهدى العدد الثاني

قراءة وتنزيل المقال pdf

انتفض من فراشه، تثاءب في النهوض شبه نائم، صفع وجهه بالماء البارد، حدّق في المرآة بجفون تكاد تكون مطبقة، وجهه الشاحب لم يحلقه منذ أيام، فوقه تقبع الساعة في ديمومة محايدة، عاد فجلس على طرف السرير، تمتطي مكتبه المتواضع كتب متراكمة، بعضها مفتوح وأخرى كساها الغبار على خزانة مهترئة تخالط بعض ملابسه الملقاة بإهمال، على المائدة رسالة مفضوضة، كأس مقلوبة أمام قدميه ركلها بعنف، تشظت، تأمل نافذة البيت ترسل ضوءا كاشفا، أحس بجفاف حلقه، امتدت يداه لعلبة سجائره المنثورة فوق الحصير ذي البقع السوداء، أشعل سيجارة بعناد، نفث دخانها تباعا كأنها أنفاس تكاد تزهق مع كل زفرة، احمرت عيناه واكتظ رأسه الأشعث بالخواطر، أحس بثقل الذي يلبس خوذة، امتشق الظرف من فوق المائدة، وفي الوريقة التي سحبها للمرة العاشرة انتابه شعور بالشرود ثم هز رأسه وزفر بقوة. أخذ يلعن النساء ولعن كذلك نفسه، تلك التي لايلته لم يجد لها أثرا في صباه المتأخر، ربما أخيرا فقط أدرك أنه هو علة نفسه، فيما قبل كان يحملها المسئولية في انهياره وإفلاسه. لكنه الآن تيقن بشكل لا مجال معه للشك أن هواه اللعين هو الذي ساقه إلى الحافة، وأن عناد فكره الفارغ إلا من مهازل تسمي نفسها “تحررا وحداثة”… هو الذي أودى به إلى الهزيمة حتى حذقت فيه ببشاعة مقيتة، انتصب واقفا فجأة، غزت رأسه دوخة خفيفة، لا يدري كيف انتابه الآن شعور بالدونية والتفاهة أو قل هو شيء كالموت. بطنه تغرغر، ربما الأشياء المبعثرة والبيت المقلوب رأسا على عقب زوده بهذا الإيحاء، ربما زمنه الماضي الذي لا يدري كيف أهدره في مهاترات واندفاعات بليدة يرى اليوم تفاهته بجلاء، حين نكص على عقبيه مع ثلة من رفاقه تقهقرا أمام “التاريخ” “المنطقي” مع نفسه، وكذا نفسه التي أحس أنه خانها حتى قرف عيشه، فكان أن أصبح الموت الآن طيفا مؤرقا، تخيل نفسه مكوّما في البيت لا نبض فيه، راجعته رغبة في إثبات وجوده، قطب جبينه ورفع رأسه أنفة كقائد جيش، وعلى الجدار قابلته صورة معلقة أفشلت تمسرحه، الوالد المرحوم بابتسامته المشعة والثقة النابعة من عمق نظراته الثابتة، تسربت ابتسامة المرحوم إلى كيان حسن كخنجر ارتجت معه فرائصه، تذكر عائلته التي تنتظر منه كل شهر دريهمات معدودة، والدته العجوز لا تفارقها السبحة، تدعو له حتى تبتل سرتها بالدموع، تنحدر ساخنة فوق خديها، فاستسلم لنحيب يبكي حياة ضاعت هباء، ورفقة تنكر لعمقها.

تذكر لياليه الحمراء الماجنة، أحس بالغثيان لوسخ ماضيه، عبثا يعيش، بعد أن انتعل حذاءه وارتدى ما ارتآه من ملابس، ارتمى في حضن الشارع مصفقا الباب وراءه، يمشي كالحاضر الغائب، غير آبه بالأطفال الذين يملؤون الفراغ بالصراخ، ولا حتى بالفتيات اللواتي يتبجحن بجمالهن العاري في المقهى المعتادة، أشار إلى النادل قبل أن يجلس أن يحضر له قهوته، وغرق في جريدته الغثة التي يقتنيها من الطفل المتجول، حين مسح جل صفحاتها بنظراته الخاطفة، أوقفه عنوان بخط كبير: محنة الأجور… زفر ثم ارتشف كأسه.

ردَّ السلام: ـ ها السي عبد الله، تفضَّل.

قبل أن يجلس رمق ما يقوله العنوان الضخم، فعلَّق:

المزيد من المشاركات
1 من 45

ـ أو ماَ زَال تشوف، الله يلطف بنا.

بعد مدة لجَّا فيها معا في حديث لا نعرف له أطرافا ولا سميّا:

ـ الأزمة في العمق، إيمان وأخلاق.

أومأ حسن بالإيجاب، وأطبق الصمت.

ـ السي حسن، الله يدير التاويل.

ودَّعه ونهض وهو يدعو له كعادته مع الناس، أخذ حسن يرمق صديقه ورفيق دربه المعلم حتى غاب.

تأمل حسن في هذا الشخص القوي الذي لم تظفر منه الأزمات والملمات ولو بقطمير، لم تلن له قناة رغم ما يلقاه من عنت وصلف من المتهورين والحساد، ما سر هذا التوازن الشخصي الذي يميزه؟ وهذا الرفق وتلك الكلمة الطيبة؟ تذكر حسن صديقه حين كان يدعوه باستمرار، لكنه كان عنيدا متمرسا بأفكار تبناها ما أغنت عنه ولا أسمَنَت من جوع. لا زالت كلمة السي عبد الله تطن في أسماع حسن:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 5

ـ آن الأوان أن “تقلب دولتك”. تب إلى الله واتقه يجعل لك مخرجا، ما في ذلك شك.

نهض واقفا وانطلق بعد أن أدى ثمن القهوة أو زاد عليه قليلا، في الطريق هاجه الدمع مرة أخرى، لكن اهتزت لدمعه أركان جسده هذه المرة، كانت الحسرة تشرح قلبه على أيام وليالي مضت جوفاء، قضاها في معاقرة المُدام واعتناق أفكار غريبة جاهزة لا تمتّ لأصله وفصله بصلة.

لأول مرة يحس بثقل ينزاح عن كاهله وهو يأخذ حمامه بنشاط كبير، توضأ ثم فتح صندوق مسوداته ومخبوءاته المهملة، أخرج منه مصحفا، كان مدفونا وقد لفته بعض خيوط العناكب، كان السي عبد الله قد أهداه إياه، والآن يفتحه وصدره يخفق يرتجف، تذكر أباه حين كان يملأ البيت بصوته الجهوري يرتل الآيات، وهو صغير يحاول تقليده، تعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وسمى الله ثم قرأ بصوت متحشرج.

(ألم، ذلك الكتاب لا ريب، فيه هدى للمتقين…)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.