منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

هل يجوز إخراج الزكاة بالنيابة عمن كان خارج البلاد (في أوربا) بقيمة مكان إخراجها، أو بقيمة مكان وجوده؟

الشيخ عبد الله بنطاهر التناني

0

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه.
سائل يسأل: هل تَقْبَل زكاة الفطر أو زكاة المال النيابةَ في الأداء؟ وهل يجوز إخراجها بالنيابة عمن كان خارج البلاد في أوربا؟ وهل تُخرَج عنه بقيمة مكان إخراجها في المغرب، أو بقيمة مكان وجوده في أوربا وهي (50 درهما)؟

الجواب والله الموفق للصواب:

هذه الأسئلة تشمل على ثلاث مسائل:

المسألة الأولى: هل الزكاة تقبل النيابة؟

الزكاة عبادة مالية تقبل النيابة باتفاق العلماء؛ قال المازري(ت536هـ): “وأما الزكاة فإنها تصح النيابة فيها؛ من مال من ينوب، ومن مال من وجبت عليه الزكاة، وإن كانت من القربات فإنّها عبادة مالية؛ وقد استناب النبيﷺ عليًّا في نحر البدن، ونحرُها قربةٌ(1)”(2).
بيد أن المالكية قالوا: “تكره النيابة في الزكاة لأن مباشرة القُرَب أفضل(3)، ولا حرج في ذلك لأن المكروه من قبيل الجائز، والشافعية قالوا: تجوز النيابة بشرط الإذن؛ لأن “كل ما يحتاج للنية عندهم لا يُفْعَلُ عن الغير إلا بإذنه كإخراج زكاة الفطرِ وغيرها فاحفظ ذلك فإنه مهم”(4)، والحنفية اشترطوا نية الموكِّل؛ إذ العبرة عندهم “لنية الموكِّل لا لنية الوكيل؛ وسواء نوى الموكِّل وقت الدفع إلى الوكيل أو وقت دفع الوكيل إلى الفقراء أو فيما بينهما”(5)، واختلف قول الحنابلة في ذلك: فقيل: أجزأت من غير نية، وقيل: لاتجزئ إلا بالنية(6).

المزيد من المشاركات
1 من 9

المسألة الثانية: هل يجوز نقل الزكاة لفقراء بلد آخر غير بلد المزكي؟

النيابة في الزكاة إذا كانت في نفس بلد المزكي لا حرج فيها كما سبق؛ ولكن إذا كان المزكي في بلد والنائب عنه في بلد آخر، فهذا يخرج مخرج نقل الزكاة، وقد اختلف فيه العلماء؛ والأصل في اختلافهم حديثان كلاهما لمعاذ بن جبل:

الحديث الأول: قول النبيﷺ لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه لليمن: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم…»(7)؛ فهذا يدل على أن نقل الزكاة إلى فقراء غيرهم لا يجوز.

الحديث الثاني: ما روى البخاري تعليقا عن معاذ بن جبل أيضا أنه قال لأهل اليمن: «ائْتُونِي بِعَرْضٍ: ثيابٍ خَميصٍ، أَو لَبيسٍ في الصدقة، مكان الشعير والذُّرَة، أَهوَنُ عليكم، وَخَيْرٌ لأصحاب رسولِ اللهﷺ بالمدينة»(8)؛ فهذا يدل على جواز نقل الزكاة من بلد المزكي إلى بلد آخر.
وقد اختلف العلماء في ذلك داخل المذهب وخارجه.

• أما داخل المذهب؛ فقد لخصه القرطبي(ت671هـ) في تفسيره فقال: اختلفت العلماء في نقل الزكاة عن موضعها على ثلاثة أقوال:

  • القول الأول: لا تنقل؛ قاله سحنون وابن القاسم وهو الصحيح…، قال ابن القاسم أيضا: وإن نقل بعضها لضرورة رأيته صواباً، ورُوي عن سحنون أنه قال: ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجةً شديدةً جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه؛ فإن الحاجة إذا نزلت وجب تقديمها على من ليس بمحتاج والمسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه.
  • القول الثاني: تنقل؛ وقاله مالك أيضاً
  • القول الثالث: وهو أن سهم الفقراء والمساكين يقسم في الموضع، وسائر السهام تنقل باجتهاد الإمام والقول الأول أصح والله أعلم”(9).

• أما خارج المذهب؛ ففي نقلها قولان:

مقالات أخرى للكاتب
1 من 16

1) المشهور عند المالكية: لا يجوز نقلها إلى بلد آخر أكثر من مسافة القصر وهو (80 كيلو مترا تقريبا) إلا إذا لم يجد في بلده من يستحقها وبه قال الشافعية والحنابلة(10).

2) عند الحنفية يكره ذلك؛ “إلا أن ينقلها إلى قرابته فلا كراهة؛ لما فيه من الصلة؛ بل لا تقبل عندهم صدقة الرجل وقرابته محاويج حتى يبدأ بهم فيسد حاجتهم”(11).

والمعتبر عند الحنفية والشافعية والحنابلة في زكاة المال: المكان الذي فيه المال، وفي صدقة الفطر: المكان الذي فيه المتصدق اعتباراً بسبب الوجوب فيهما(12).

قال القرطبي عن حديث معاذ السابق: «ائْتُونِي بِعَرْضٍ: ثيابٍ خَميصٍ…»: “وفي هذا الحديث دليلان: أحدهما: ما ذكرناه من نقل الزكاة من اليمن إلى المدينة فيتولى النبيﷺ قسمتها ويعضد هذا قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء} ولم يفصل بين فقير بلد وفقير آخر والله أعلم. الثاني: أخذ القيمة في الزكاة وقد اختلفت الرواية عن مالك في إخراج القِيَمِ في الزكاة فأجاز ذلك مرة، ومنع منه أخرى… وهو ظاهر المذهب…”(13).

المسألة الثالثة: هل تُخرَج الزكاة عن المزكي بقيمة مكان إخراجها في المغرب، أو بقيمة مكان وجوده في الدول الأوربية؟

بناء على ما في نقل الزكاة من الخلاف فإن الأصل أن تخرج في بلد المزكي، ولا يجوز نقلها إلى بلد آخر إلا للضرورة؛ وفي هذه الحالة -وبما أن الزكاة تقبل النيابة- فلا حرج في إخراجها بالنيابة طعاما أو قيمة في بلد غير بلد المزكي حسب غالب قوته هو في بلد وجوده؛ من القمح أو الشعير أو الأرز أو غيرها إذا أحب أن يخرجها طعاما؛ لكن إذا رأى أن المصلحة في إخراج قيمة هذا الطعام فينبغي أن تكون حسب مكان إخراجها وليس حسب مكان وجوده.

لكن بعض العلماء عندنا في المغرب يُفتون لمن في الدول الأوربية ممن لهم الرغبة في إخراج الزكاة في بلدهم الأصلي المغرب، بوجوب إخراجها بقيمة مكان إقامة المزكي وهو أوربا، وإن أخرجها في المغرب؛ وهذا في نظري غير صحيح وغير سليم وغير مناسب؛ وليس على إطلاقه؛ بل هو على قسمين:

الأول: أن يكون غالب القوت في البلدين (بلد إقامة المزكي وبلد إخراج زكاته) واحدا مثل فرنسا والمغرب؛ فإن غالب قوت المقيمين في فرنسا هو القمح بنوعيه الصلب والطري (فرينا)، وهو نفس غالب القوت عند المغاربة؛ وعلى هذا فالقيمة المعتبرة هي ثمن القمح في بلد الإخراج وهو المغرب (13درهما) كما حدد المجلس العلمي الأعلى، وليس ثمنه في بلد الإقامة فرنسا (50درهما) كما جاء في السؤال.
وذلك لأن الأصل في الزكاة أن تخرج طعاما؛ والقيمة لمن قال بجوازها من الحنفية ليست أصلا مستقلا بحكمه؛ بل تكون تابعة لثمن هذا الطعام أينما وجد دافع الزكاة؛ سواء كان هذا الدافع هو المزكي أو نائبه، وسواء في بلد المزكي أو في غير بلده؛ بغض النظر عن اختلاف ثمن هذا الطعام من بلد لآخر؛ فلا يعقل أن يُدْفَع في المغرب قيمة زكاة الفطر -وهي فرع- نيابة عمن في أوربا بخمسين درهما، بينما ثمن أصلها في عين المكان وهو القمح لا يتجاوز ثلاثة عشر درهما، وما الذي يدفعه أن يترك الأصل المتفق عليه وهو الأرخص ليدفع الفرع المختلف فيه وهو الأغلى بأضعاف مضاعفة؟!

الثاني: أن يكون غالب القوت في البلدين مختلفا؛ بأن يكون غالب القوت في مكان إقامته غير غالب القوت في مكان إخراج زكاته؛ مثلا: من كان مقيما في بلاد الحرمين وغالب القوت فيه الأرز، ورأى أن المصلحة تقتضي إخراج زكاته في المغرب بالنيابة وغالب القوت فيه القمح؛ فينبغي أن تخرج قيمة الأرز في المغرب وليس قيمته في بلاد الحرمين؛ وقد قدرت اللجنة الدائمة للإفتاء في السعودية الصاع من الأرز بثلاثة كيلو غرامات تقريبا احتياطا(13)، وثمن الأرز بالمغرب (10 دراهم) في الوسط للكيلو، وقيمة (3 كيلو) إذن هو: (30 درهما) بينما ثمن الكيلو منه في السعودية (8 ريال) للكيلو، وقيمة (3كيلو) إذن هو: (24 ريالا)؛ أي: ما يعادل (60 درهما)؛ وعليه فمن يريد من المقيمين بالسعودية إخراج قيمة الزكاة بالمغرب بالنيابة فعليه أن يخرج (30درهما) وهو قيمة الأرز بالمغرب وليس (60 درهما) قيمته في السعودية؛ كما لا يخرج قيمة غالب القوت في المغرب وهو القمح (13 درهما)؛ اعتبارا بغالب قوته هو في بلد الإقامة.

ومعيار العملية بسيط؛ إذ كل من أراد أن يخرج الزكاة عن نفسه أو عمن ينوب عنه عليه أن يذهب إلى السوق، فيسأل عن ثمن الصاع من غالب قوته في بلد وجوده؛ فإذا أراد حينئذ أن يخرجها طعاما فقد انتهى المشكل، وإذا كانت له رغبة أو مصلحة له أو للمعطَى له في إخراج القيمة؛ فقيمته هي ثمنه في عين المكان وليس في مكان آخر…
وهذا ما ظهر لي، والله أعلم وهو سبحانه الموفق للصواب


الهامش:

(1) أخرجه أبو داود: كتاب المناسك، باب الهدي إذا عطب قبل أن يبلغ.
(2) شرح التلقين للمازري: (2/801)، ومواهب الجليل للحطاب: (2/356 و357).
(3) الذخيرة للقرافي: (3/ 365).
(4) تحفة المحتاج في شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي الشافعي: (10/ 375).
(5) البحر الرائق لابن نجيم الحنفي: (3/ 65).
(6) المغني لابن قدامة الحنبلي: (2/ 478).
(7) رواه البخاري في صحيحه: كتاب الزكاة: باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد في الفقراء، ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام.
(8) صحيح البخاري: كتاب الزكاة: باب العرض في الزكاة.
(9) تفسير القرطبي: سورة التوبة: (الآية: 60): (8/ 175).
(10) الفواكه الدواني على رسالة القيرواني للنفراوي: (1/ 346)، وأسنى المطالب لزكرياء الأنصاري الشافعي: (1/ 403)، والمغني لابن قدامة الحنفي: (2/ 501).
(11) اللباب في شرح الكتاب لعبد الغني الغنيمي(ت1298هـ): (1/ 157).
(12) الفقه الإسلامي وأدلته للزحيلي: (3/ 1977).
(13) تفسير القرطبي: سورة التوبة: (الآية: 60): (8/ 175).
(13) فتوى اللجنة الدائمة بإدارات البحوث العلمية والإفتاء برقم (12572) انظر: مجموع فتاوى اللجنة الدائمة: (ـ9/371).

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.