منار الإسلام
موقع تربوي تعليمي أكاديمي

سلام عليك “مي خديجة”

مجيد فلوح

0

في هذا اليوم 8 مارس، أوجه التحية، تحية تبجيل وتقدير، وأنحني بكل نخوة وفخار، احتراما “لمي خديجة”، واعتزازا بانتمائي إليها.
“مي خديجة”، رحمها الله، هي جدتي التي حَضنت صباي، التي أَوَت عِقدي الأول، التي سقت جذوري اليافعة، وشذَّبت أغصاني الطائشة، التي غذَّت جدعي الطري، رحمها الله.
هي أمي الأولى، كثيرة الصمت، كثيرة العمل، عديمة المَن، زاهدة بكل معاني الزهد، لم تتطلع إلى دنيا، لم تطلب قليلها، وأنفقتها كلها، رحلت لم تخلف إلا سيرتها.
بقي من آثارها، رحمها الله، صندوق خشبي قديم، عليه زخارفُ أوراقِ نباتات خضراء، وأزهارٌ صفراء وحمراء، باهتة اللون، تكَّسر قُفله، وزالت روابط غطائه، هو أثمن ما رَشح من تركة “مي خديجة” عليها رحمة الله، تضعه خالتي أبرزَ موضع من بيتها، بين مقتنيات جميلة جمعتها من أسفارها، تَكتُب بها، بتلك التحف، مُذكرات من حياتها، ولكن يبقى قلب ذلك، وجوهرة عقده، ذلك الصندوق الخشبي.
كل العائلة تعرفه، كلها تَذْكره، تسأل عنه، تحكي قصصا حوله، أشعر أن تلك التحف المحيطة تغار منه، تقول كيف لأخشاب بالية حقيرة، تأخذ كل هذا الاهتمام، ونحن الغوالي اللائي جئن من أقطاب الدنيا.
ذلك الصندوق تحكي خالتي أنه كان يضم ذهب جدتي، كان لديها ذهب كثير، في حياة جدي بطبيعة الحال، أنفقته على تربية خالاتي وأخوالي بعد أن قضى مرض السكري على زوجها وهو في أربعنيات عمره.
ترك “قسو” رحمه الله الدنيا، وترك بعده قسوة الناس ترسم على وجه “مي خديجة” الأخاديد.
هاجر جدي إلى المدينة، فكان بيته نُزُلا لكل وارد من البادية، كانت “مي خديجة” تخدمهم، تعتني بالجميع، بدون استثناء، عفوا كانت تستثني نفسها، رحمها الله.
كانت “مي خديجة” غنية في بيت زوجها، ثرية بالهيبة التي كانت تغشاه، كان سيدا في قومه، حكَما عند الخصومة، سَندا عند الحاجة.
عاشت “مي خديجة” في غنى ليس بأوصاف غنانا اليوم، غنى لا يحسب بالدراهم والأثاث..
كان “قسو” شديدا، ومع ذلك حكيما، تحكي أمي أنه كان يطلب من “مي خديجة” أن تأتي بصندوق مجوهراتها، الصندوق الخشبي حين كان في عز أيامه، لتضعه بين أيدي بناتها ليلعبوا بتلك المجوهرات، ويقول لها: “دعيهن يلعبن بها حتى تخرج من قلوبهن، حتى لا تتعلق بها نفوسهن”.
كان يعرض تلك المجوهرات على حقيقتها، هي ألعاب تافهة، تزول لذتها عند الملل من ملاعبتها.
رحم الله “قسو” ..
لم أسمع من “مي خديجة” أبدا هذه الفلسفة، أو هذه المثاليات، لم أسمع منها دروسا في الزهد، ولكن كنا نعيش كل ذلك معها.
باعت كل شيء، الذهب، الشجر، الحجر، لتصنع نساء ورجالا أفتخر بالانتماء إليهم.
أتذكر تلك التفاصيل اليومية التي كانت تتكرر؛ دائما كانت مستيقظة، هكذا أتذكرها، كأنها لم تكن تنام، لم تكن تمرض، لم تكن تعجز.
تذهب إلى السوق، تعجن الخبز، تعد الطعام، وكنتُ دائما ذلك الإلكترون الذي يدور حولها، لا أتذكر أنني كنت أتذمر من مساعدتها، أفرح حين أتوجه إلى البقال لأحضر بعض الأغراض، أو حين أساعدها في المطبخ في إعداد الطعام، أتذكر حين كنت أقف أقلب الفلفل على المقلات، كل ذلك أفعله وهي لا تطلب.
ما ألذ طعامها، وجبات عرفت اليوم أنها صحية، لم يكن لدينا كثير لحم، ولكن كان في طبخها كثير حب.
اليوم بعد عقود، أقول لأمي أو لخالاتي، حين آكل عندهن بعض الوجبات التي كانت تعدها “مي خديجة” ، أنني أجد مذاق طعامها على لساني، أذكرها بعد أربعين سنة…
لم تكن “مي خديجة” تترك البيت، ولم تكن تسافر، ولكنها قبل رحيلها من هذه الدار الفانية، سافرت، كأنها لم ترد أن تفجعني بموتها، لم ترد أن أتيتم بعدها، بعيدا عن بيتها، انتقلت إلى ربها.
لا أذكر أني بكيت عندما بلغني خبر وفاتها، ولكني اليوم أبكي…

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.